"هوي لوكاس، تعال إلى هنا."
التفت لوكاس للنظر نحو الرجل الذي قام بمناداته بينما كان يتعرق بفعل الحرارة العالية للمناطق الوسطى من القارة. كانت الساعة الثانية ظهرًا، لذا كانت الشمس في ذروتها. أما لوكاس نفسه فكان مراهقًا ذو عمر 14 عامًا، بشعره الأشقر القصير وعينيه الذهبيتين. كان يبدو وكأنه في مكانه الخاطئ، فمثل هذا الجمال يجب أن يكون بالمتاحف بدل أن يعمل في مثل هذه الأجواء.
اقترب لوكاس من العم الذي قام بمناداته ولاحظ المحل الخاص بالعم. لم يكن غريبًا، كان في الواقع مخبزًا يخبز أنواع الفطائر، والذي دائمًا ما كان لوكاس يعمل لديه في نقل وتوصيل طلبات الزبائن المهمين، وفي المقابل يحصل على أجر قليل في كل مرة يقوم بها بتوصيل طلب.
تنهد لوكاس بتعب ومن ثم ابتسم.
"مرحبًا أيها العم، أعتذر عن التأخر اليوم، ولكنني كنت أجر عربة لامرأة عجوز عرضت عليّ في المقابل قطعتين فضيتين، لقد كانت صفقة رابحة حقًا."
ابتسم العم بينما كان يستمع إلى لوكاس باهتمام. كان يرى الولد الصغير أمامه وهو فرح بجمع قطعتين فضيتين ببساطة، ومن المحزن أيضًا أنه كان يعمل بهذا العمر بدلًا من الدراسة والتعلم. كانت أصوات العامة صاخبة، وأصوات عجلات العربات التي يتم سحبها بواسطة الخيول مرتفعة، لذا طلب العم من لوكاس الدخول إلى الداخل وعرض عليه مقعدًا والقليل من الماء ليروي عطشه.
"يا لك من فتى مجتهد يا لوكاس، أتمنى لو كان لدي ابن مثلك."
نظر لوكاس نحو العم بنظرة فخر. لطالما كان يسمع هذا الكلام من حين لآخر، ببساطة لأنه في عالم إيلوريا كان من شبه المستحيل رؤية طفل بهذا العمر يعمل، والأسباب متعددة، منها خطورة الخارج بالنسبة لمن هم في هذا العمر، أو ببساطة لأن أغلب الأطفال بهذا العمر كانوا يذهبون إلى المدرسة لتعلم التاريخ وفنون الدفاع عن النفس وأشياء أخرى.
"نسيت أن أسألك يا لوكاس، كيف هو حال أختك؟ ألم تتحسن بعد؟"
في هذه الأثناء، خفض لوكاس رأسه قليلًا وحاول تجنب التواصل البصري. كانت الأجواء داخل المحل ساخنة بالفعل، لذا كان تعرق لوكاس مبررًا، لكن ملامحه بهتت قليلًا.
"إنها جيدة، لكن يبدو أن العلاج الذي اشتريته لم يكن كافيًا لتحسين حالتها الصحية."
"لكن لا مشكلة حقًا، يمكنني تدبر الأمر. سأعمل بساعات إضافية."
هز الرجل صاحب المخبز رأسه وتنهد.
"أي ساعات تلك التي تريد أن تعمل بها؟ أنت تنام 5 ساعات فقط يوميًا، إذا ما أصابك مكروه فمن سيعتني بأختك؟"
كان العم محقًا في كلامه، فبالنسبة لطفل بالرابعة عشرة من عمره، العمل بساعات كثيرة تحت أشعة شمس المنطقة الوسطى سيكون انتحارًا. كانت معجزة أن بشرة لوكاس لم تُصبغ بالسمار رغم عمله تحت أشعة الشمس لساعات طويلة، وما زال يحافظ على بشرته البيضاء، هذا من دون ذكر صحته الجسدية والنفسية.
فبعد كل شيء، حتى لو كانت شخصية وعقلية لوكاس تبدو كشخص بالغ، فهو ما زال طفلًا يحب ما يحبه بقية الأطفال، وربما حتى يتمنى الدخول إلى المدارس وتكوين صداقات واللعب أو التلويح بالسيوف الخشبية، لكنه كان يتحمل مسؤولية أخته المريضة التي تبلغ من العمر 16 عامًا.
"لا تقلق أيها العم، سأكون بخير، ففي النهاية سترونغ بوي.... أليس هذا ما يطلقونه عليّ بالشارع!؟"
نظر العم نحوه بتعبير يصعب تفسيره.
"سترونغ بوي هاه؟ أخبرني من الوغد الذي جعلك تصدق هذا الهراء، سأضربه حقًا حتى يفقد الوعي."
ضحك لوكاس من ردة فعل العم، وتردد صوت الضحكات في المخبز ووصل حتى الشارع. كان يلتفت المارة لرؤية ما يحدث بالداخل من حين لآخر. وبعد مرور قليل من الوقت، أخيرًا اكتمل أحد طلبات الزبائن. في هذه الأثناء كانت الساعة تتراوح بين الرابعة إلى الخامسة عصرًا.
"ولحسن حظك يقع منزل الزبون قريبًا من منزلك، لذا قم بتسليمه الطلبية ومن ثم اذهب إلى المنزل قبل غروب الشمس."
"هاه، كدت أنسى، هذا هو أجرك لليوم، 5 عملات فضية، ومنحتك عملتين إضافيتين لأنك سترونغ بوي."
ضحك العم وربت على كتف لوكاس. قام لوكاس بحمل الطلب للذهاب إلى دار الزبون، لكنه لاحظ أن الطلب أكثر خفة هذه المرة. لم يبدُ وكأنه معجنات، لكنه ببساطة لا يهتم. كل ما كان عليه فعله هو إيصال الطلب والذهاب إلى منزله للراحة أخيرًا. لذا ودع لوكاس العم، وكان ذاهبًا لإيصال الطلب، ولكن فور خروجه من بوابة المخبز ارتطم برجل ضخم.
كان الرجل يمتلك رفقة اثنين آخرين، كانوا طوال القامة ذوي بنية جسدية كبيرة، والشخص الذي ارتطم به لوكاس كان بشكل خاص ذو بنية عضلية كبيرة، وكان يميل إلى السمار قليلًا، معه شعر بني قصير وعيون حادة وندبة تغطي نصف وجهه. كان يمتلك هالة خاصة، شعر لوكاس أن روحه تصعق في حضوره.
كان الرجل صاعدًا، هذا ما اعتقده لوكاس لأنه ببساطة كان أصلب من الإنسان الطبيعي بمراحل، وحضوره وحده يسبب ضغطًا هائلًا على الأرواح البشرية المجاورة. كان لوكاس متجمدًا من الخوف. الاصطدام بصاعد؟ لو كان بمزاج سيئ، فلوكاس ببساطة في عداد الموتى.
ولكن في هذه الأثناء تدخل العم صاحب المخبز وقال بنبرة هادئة ومحترمة:
"مرحبًا بك سيدي الصاعد زاك، اعذر لوكاس على وقاحته، إنه يعمل معي."
كانت الأجواء في المكان مخيفة بأقل تقدير. كان الهواء جافًا، كل ما كان يستطيع لوكاس سماعه هو صوت نبضات قلبه المتسارعة شيئًا فشيئًا. لم يكسر هذا الصمت سوى صوت ثابت وحاد من أعلى لوكاس:
"لا مشكلة."
كان صوت الصاعد زاك، ويبدو أن لوكاس كان من المقدر له العيش ليوم آخر. مر من جانبه الصاعدون بدون أن يبدوا له أي اهتمام، وكأنه ببساطة غير موجود، لكن لوكاس ما زال متجمدًا، رفض أن يتكلم أو يلتفت للخلف، وسمع صوت العم وهو يكلمه بطريقة رسمية للمرة الأولى:
"اذهب أيها الفتى وأكمل عملك."
ربما كان خائفًا من الصاعدين، وببساطة لا يمكن لومه. فكاد لوكاس أن يموت من الخوف بنفسه، لكن لقد أنقذه العم هذه المرة، لذا لم يكن لوكاس منزعجًا، بل بالعكس كان ممتنًا. خرج مسرعًا بدون أن يدخر حتى نظرة واحدة إلى الخلف، وكانت الأفكار تتراكم برأسه بينما كان يسير.
'حقًا؟ صاعد؟ من بين كل ما يمكن أن يحصل لي، هل كان حقًا يجب أن أتورط مع صاعد؟'
'شكرًا للعم والآلهة لمنحي يومًا آخر للحياة.'
بينما كان يسير لوكاس في الشارع المزدحم وهو يفكر بموضوع الصاعد، هز رأسه ورفض إكمال التفكير بموضوع. أراد أن يجد شيئًا آخر ليفكر به، ولحسن الحظ كان أمامه بالفعل.
نظر لوكاس إلى المنازل التي كانت في وسط المدينة. ببساطة، من قد بناها يمكن القول عنه بأقل تقدير فنان هندسي. كانت المنازل رائعة، مبنية من الخشب الغامق، ثم نُحتت كل تفاصيل المنزل بدقة مرضية. كانت الزخارف التي نُقشت على المنازل أقل ما يقال عنها رائعة. كانت مساحة المنزل الواحد لا تقل عن 500 متر مربع، إذا ما زادت بالتأكيد. كل بيت تميز بشكله الخاص، لكن بطابع موحد.
نظر لوكاس نحوهم وتنهد.
"ربما يومًا ما؟"
وبينما تجولت هذه الأفكار في رأسه، وجد نفسه أمام منزل الزبون. لقد وصل إلى الموقع المطلوب، وكان بالفعل قريبًا من منزله تقريبًا. نظر لوكاس نحو المنزل بعدم تصديق. كان فاخرًا وذو بناء مختلف عن كل ما رآه في المدينة وفي أي مكان آخر. كان مبنيًا من الحجر الأسود، وكان البيت يبدو كأنه قطعة واحدة تم نحت زواياها وتفاصيلها بأيدي نحات محترف.
شك في أن البشر العاديين يمكنهم بناء بيت بهذه الدقة والروعة. ربما كان نتيجة لقدرة أحد الصاعدين. ليس وكأن الصاعدين سيسكنون في مكان مثل هذا مع البشر الدنيويين. تجاهل الأفكار غير المهمة، وقام لوكاس بطرق الباب.
بعد مرور القليل من الوقت، تم فتح الباب، وقبل أن يرى أي شيء شعر لوكاس للمرة الثانية أن روحه تُسحق تحت ضغط هائل، نفس الشعور تمامًا، إذا ما كان أقوى قليلًا، وسرعان ما ظهرت فتاة شابة ذات شعر أسود وعيون سوداء داكنة.
أقل ما يمكن أن يقال عنها ساحرة الجمال. كانت فاتنة، ومن قبيل الصدف كان عمرها 16 سنة تمامًا كأخت لوكاس، لكنه بالطبع لم يعرف ذلك، لكنه توقع أن تكون قريبة من حدود هذا العمر.
هذا بينما كانت روحه تُسحق تحت وطأة هالة الفتاة، كانت صاعدة كذلك. لم يكن عليك أن تنظر إلى ملامح وجه لوكاس لمعرفة أنه كان يلعن سرًا. لم يقاطع هذه اللحظة سوى صوت رقيق ومسلٍ صدر من الفتاة التي أمامه:
"هل أنت لوكاس؟ شكرًا لك على إيصال الطلب."
مع ابتسامة صغيرة كانت قادرة على خطف قلوب أي شاب، ولكن كان لوكاس في حالة ذهول وخوف، لذا لم يكن في وضع يسمح له بالإعجاب، ومع ذلك أعجب بها. قام لوكاس بتسليمها الطلب مع انحناءة صغيرة.
'العنة، ماذا أفعل؟ هذا محرج.'
من ثم استقام ونظر نحوها. أومأت الفتاة برأسها. لم يضيع لوكاس أي وقت، التفت وغادر مباشرة. وفي طريقه كان مذهولًا من ما حصل له اليوم. هل كان يجب أن يكون سعيدًا أم حزينًا؟ والسبب ببساطة معروف.
كانت رؤية صاعد شيء نادر لا يحدث كل يوم، ومع هذا استطاع لوكاس رؤية العديد منهم اليوم، وهو حدث غير مسبوق بالنسبة له. أما السبب الذي يجعله يحزن، كان لقاءه الأول مع زاك سيئًا، لذا ربما ترك انطباعًا سيئًا لدى الصاعد زاك، وهو ما لم يكن لوكاس يريده.
كان الصاعدون أو المتسامون بصورة عامة هم حراس القارة، يحمونها من الأخطار التي قد تهدد وجودها، من أمثلة الوحوش أو الهجمات الغربية من جهات غير معروفة والتصدي لهم، لذا كان يُنظر إلى المتسامين أنهم أبطال ومنقذون للقارة.
أما النظرة الخاصة بالمجتمع، فهم يحترمونهم ويخافونهم في الوقت نفسه. لم يكن إزعاج متسامٍ هي أفضل فكرة ستفعلها بحياتك، لم يكن جميعهم ذوي مزاج جيد، لكن لوكاس كان ينظر إلى المتسامين بقداسة ويحترمهم كثيرًا.
كانت طفولته مصنوعة على قصص المتسامين الأبطال التي كانت ترويها له أخته إيلينا، لذا بشكل أو بآخر كان مستعدًا لفعل أي شيء من أجل أن يترك انطباعًا جيدًا لدى أحد المتسامين.
في هذه الأثناء، وصل لوكاس أخيرًا إلى منزله. قام بفتح الباب والدخول ومن ثم أغلقه خلفه. نظر نحو المكان. كانت الإنارة خافتة بينما غربت الشمس بالخارج بالفعل، وبدأ الظلام بالتسلل إلى العالم. جلس لوكاس على مقعد صغير وقام بنزع حذائه، وبعد أن خطا عدة خطوات...
'ما هذه الرائحة، هل بدأت أهلوس؟'
سرعان ما اخترقت رائحة زكية أنف لوكاس. كان الأمر غريبًا ببساطة لأنه يعيش معه أخته إيلينا فقط في المنزل، وهو من يطبخ عادةً، لأنها مريضة ومتعبة. كانت طريحة الفراش في الفترة الأخيرة. قبل أن يفكر بأي شيء آخر...
خرجت فتاة شابة ذات شعر أشقر طويل ورائع، وعيون خضراء كموج من العشب الأخضر. كانت جميلة وذات ملامح ناعمة، كانت الفتاة شبه بالغة بالفعل، لكن بدت القليل من الهالات تحت عينيها تدل على تدهور حالتها الصحية.
كانت إيلينا، أخت لوكاس.
No One