هدية ثمينه

هدية ثمينه

15 0

نظر لوكاس إلى أخته بمزيج من الصدمة والسعادة. كانت إيلينا تقف أمامه دون أن يساندها أحد، والأغرب من ذلك أنها بدت وكأنها لم تكن تعاني من الضعف الذي لازمها طوال الفترة الماضية. لم يستطع منع نفسه من التحديق بها للحظات، وكأن عقله كان يحاول استيعاب حقيقة أنها تقف على قدميها أمامه، بل ويبدو أنها قامت بإعداد العشاء أيضًا.

"إيلينا.. أنتِ.؟"

ابتسمت إيلينا ابتسامة خفيفة، وكانت ابتسامتها الدافئة والساحرة تضيف لمسة لطيفة إلى ملامحها الجميلة. كان شعرها الأشقر الطويل ينسدل خلف ظهرها، بينما كانت عيناها الخضراوان تحملان ذلك الهدوء المعتاد الذي لطالما شعر لوكاس بالأمان بسببه. كانت ترتدي فستانًا طويلًا وبسيطًا ذا لون أبيض ناصع، جعل مظهرها يبدو أكثر نقاءً مما اعتاد لوكاس رؤيته وهي مستلقية على فراشها.

صدر صوتها الناعم والرقيق وهي تقول:

"مرحبًا بعودتك لوكاس، لقد قمت بإعداد العشاء من أجلك."

ظل لوكاس ينظر إليها للحظة، ولم يكن يعرف ما إذا كان ينبغي عليه أن يسألها عن حالتها أولًا أم يفرح بوقوفها أمامه. كانت مجرد رؤيتها واقفة كافية لجعله يشعر براحة لم يشعر بها منذ وقت طويل، حتى إنه بدأ يصدق للحظة أن حالتها ربما تحسنت فعلًا.

لكن قبل أن يبدي أي ردة فعل، صدر صوت قوي من جهة المطبخ.

توقفت إيلينا للحظة، واتسعت عيناها الخضراوان بشكل واضح، بينما التفت لوكاس نحو مصدر الصوت باستغراب. لم يستغرق الأمر أكثر من لحظات قليلة حتى أدرك ما الذي حدث، فقد بدأت رائحة غريبة تنتشر في أرجاء المنزل، ومعها تصاعد دخان خفيف من المطبخ.

حدق لوكاس في أخته، ثم في المطبخ، ثم عاد للنظر إليها مرة أخرى.

"لا تقولي لي إنكِ..."

لم تكمل إيلينا النظر إليه، واكتفت بابتسامة محرجة وهي تتجه بسرعة نحو المطبخ. عندها أدرك لوكاس الحقيقة؛ لقد نسيت الطعام على النار، وكان قد احترق بالفعل.

بعد مرور بعض الوقت، كان لوكاس وإيلينا يجلسان حول طاولة مستطيلة في وسط المطبخ، مقابلين لبعضهما البعض. كانت الطاولة والكراسي خشبية وبسيطة، وقد وُضعت أمامهما أطباق تحتوي على ما كان من المفترض أن يكون عشاءً جيدًا.

لكن ما كان داخل الأطباق بدا أقرب إلى شيء خرج للتو من معركة خاسرة.

كانت قطع الدجاج سوداء من شدة الاحتراق، وبعضها كان متفحمًا لدرجة جعلت لوكاس غير متأكد من إمكانية تسميتها طعامًا أصلًا. حاول لوكاس الحفاظ على وجه جاد وهو ينظر إلى طبقه، لكنه لم يستطع منع زاوية فمه من الارتفاع قليلًا.

لاحظت إيلينا تعابيره، وسرعان ما انفجرت بالضحك.

"هيا! ما بال هذه التعابير؟ يمكنك إخباري بعدم الاقتراب من المطبخ مرة أخرى، لن أشتكي حقًا."

هذه المرة لم يستطع لوكاس كتمان ضحكته، فانفجر ضاحكًا وهو ينظر إلى الطعام أمامه.

"يا إلهي، لطالما أخبرتيني أنكِ محترفة في الطهي، من الجيد رؤية مهارتك بنفسي."

نفخت إيلينا خديها بتعبير غاضب مصطنع، ثم قالت وهي تنظر إليه بانزعاج:

"في الواقع هذا بسببك، لم يكن عليك مقاطعتي وسط طهيي.!"

رفع لوكاس حاجبه باستغراب.

"أنا؟ كيف أصبحت أنا السبب الآن؟"

"لأنك جعلتني أتشتت."

"كنتُ قد دخلت المنزل للتو."

"وهذا هو سبب تشتتي."

حدق لوكاس بها للحظات، ثم ضحك مرة أخرى، وسرعان ما عادت الضحكات تملأ المطبخ الصغير. كان الطعام سيئًا للغاية، لكن لوكاس لم يهتم بذلك كثيرًا. لم يكن يتذكر آخر مرة جلس فيها مع أخته وتحدثا وضحكا بهذه الطريقة دون أن يكون المرض حاضرًا بينهما.

وبعد أن انتهيا من العشاء، بدأت إيلينا بجمع الأواني وتنظيف الطاولة، لكن لوكاس أصر على مساعدتها. لم تسمح له حالتها الصحية في العادة بفعل الكثير، ولذلك كان يحاول دائمًا أن يخفف عنها ما يستطيع، حتى لو كان الأمر مجرد غسل بعض الأطباق.

وقف الاثنان جنبًا إلى جنب في المطبخ، يغسلان الأطباق وينظفان المكان، وبين الحين والآخر كانت إيلينا تلقي عليه تعليقًا ساخرًا، فيرد عليها لوكاس بنفس الطريقة. لم يكن المشهد مميزًا في ظاهره، لكنه بالنسبة إلى لوكاس كان شيئًا ثمينًا؛ لحظة عادية تشبه تلك التي يعيشها باقي الأطفال مع عائلاتهم.

وعندما انتهيا، جلست إيلينا على أحد الكراسي، بينما بقي لوكاس واقفًا للحظات وهو ينظر إلى المطبخ بعد أن أصبح نظيفًا. ثم قالت إيلينا وكأنها تذكرت شيئًا فجأة:

"صحيح، لقد مر عيد ميلادك قبل عدة أيام. لم أكن في حال جيدة لشراء هدية لك، لكنني صنعت واحدة بالفعل."

التفت لوكاس نحوها بسرعة، واتسعت عيناه الذهبيتان بمزيج من الإثارة والاستغراب.

"حقًا.!!؟ وما هي الهدية؟ أريني إياها.!"

ضحكت إيلينا قليلًا عندما رأت حماسه، ثم نهضت من مكانها.

"عليك الانتظار هنا، سأحضرها حالًا."

وقبل أن تبتعد أضافت بنبرة تحذيرية لطيفة:

"إياك والنظر."

قالت ذلك وهي تستدير وتتجه نحو غرفتها، تاركة لوكاس واقفًا في مكانه وهو يحاول تخمين ما الذي يمكن أن تكون قد أعدته له.

جلس لوكاس على أحد الكراسي، ثم بدأ يفكر في الاحتمالات. ربما كانت قطعة ملابس، أو شيئًا صغيرًا يمكنه الاحتفاظ به، أو ربما شيئًا آخر لم يخطر بباله. لم يكن معتادًا على تلقي الهدايا، ولذلك كان مجرد التفكير في أن إيلينا صنعت شيئًا خصيصًا له كافيًا لجعله يشعر بالسعادة.

بعد لحظات، خرجت إيلينا من الغرفة وهي تحمل قطعة من القماش بين يديها. بدا واضحًا أن شيئًا ما كان مخبأً بداخلها.

اقتربت من لوكاس، ثم قالت بابتسامة:

"هيا، يمكنك النظر الآن."

نظر لوكاس نحو قطعة القماش بفضول، وقامت إيلينا بفتحها ببطء لتظهر محتوياتها.

في الداخل كان هناك سيف خشبي منحوت يدويًا.

اتسعت عينا لوكاس الذهبيتان فور رؤيته. كان السيف منحوتًا بعناية شديدة، وكان قريبًا في شكله من سيوف التدريب الخشبية التي يستخدمها أغلب طلاب مدارس المنطقة الوسطى، رغم أن جودة صنعه كانت أقل من السيوف المصنوعة في المدارس والمحلات المتخصصة.

ظل لوكاس يحدق به للحظات وكأنه لم يصدق ما يراه.

لطالما استمع إلى قصص الأبطال المتسامين وهم يقاتلون باستخدام السيوف، وكيف كانوا يلوحون بها بشجاعة في وجه الوحوش والأعداء. كما كان يرى، أثناء إيصال الطلبات، الأطفال الذين في مثل عمره وهم يتدربون في المدارس ويلعبون بسيوف التدريب الخشبية.

كان يتمنى منذ وقت طويل أن يحمل واحدًا بيده، وربما كان يحلم أيضًا بأن يدخل مدرسة مثل باقي الأطفال، ويتعلم المبارزة ويقضي وقته في فعل الأشياء التي يفعلها من هم في عمره.

ولهذا، بالنسبة إلى لوكاس، لم يكن ذلك مجرد سيف خشبي.

كان شيئًا طال انتظاره.

"مستحيل.! إنه سيف تدريب خشبي."

لم يستطع لوكاس منع نفسه، فاندفع نحو إيلينا وعانقها مباشرة، الأمر الذي جعلها تتفاجأ للحظة قبل أن تبتسم بسعادة وتبادله العناق.

لم يكن لوكاس شخصًا يخجل من إظهار مشاعره أمام أخته، لكنه كان يحاول دائمًا أن يظهر بصورة الرجل المسؤول والناضج، وكأنه نسي أحيانًا أنه ما يزال طفلًا في الرابعة عشرة من عمره.

أما الآن، فلم يعد يهتم بذلك.

في تلك اللحظة لم ترَ إيلينا ذلك الأخ الذي يحاول دائمًا تحمل المسؤولية والتظاهر بأنه بخير، بل رأت أخاها الصغير الذي كان سعيدًا بهدية بسيطة أكثر من أي شيء آخر.

ابتعد لوكاس عنها بعد لحظات، وأمسك بالسيف بكلتا يديه، ثم بدأ يلوح به في الهواء بحماس. انطلق صوت صفير خفيف مع حركة السيف وهو يشق الهواء، وكان لوكاس يتعامل معه وكأنه يحمل سلاحًا حقيقيًا.

كان السيف يشبه إلى حد كبير سيوف التدريب المستخدمة في المدارس، لكنه كان أقل جودة من تلك السيوف، فبعد كل شيء، كانت إيلينا هي من صنعته بيديها، ولم تكن حرفية متخصصة في صناعة الأسلحة.

قالت إيلينا وهي تراقبه:

"هيي! انتبه أين تلوح، إلا إذا كنت تنوي قتلي بالسيف الذي أعطيته لك."

ضحكت إيلينا، بينما التفت إليها لوكاس وعقد حاجبيه.

"ماذا؟ هل تقولين إنني سيئ في التلويح بالسيف؟"

وضعت إيلينا يدها على فمها محاولة إخفاء ضحكتها، ثم قالت بنبرة ساخرة:

"لا، أعتقد أن المشكلة في السيف نفسه... ربما هو الذي لا يعرف كيف يُمسك."

توقف لوكاس عن التلويح بالسيف للحظة، ثم نظر إليها بجدية مصطنعة.

"أنتِ تقللين من مهاراتي القتالية."

رفعت إيلينا حاجبها وهي تبتسم.

"مهاراتك القتالية؟ أنت لم تمسك سيفًا من قبل."

"وهذا لا يعني أنني سيئ."

"حسنًا، أرني إذن."

ابتسم لوكاس بثقة، ثم أمسك السيف بكلتا يديه ووقف في منتصف الغرفة. حاول تقليد الحركات التي كان يشاهدها في القصص، فدفع السيف إلى الأمام بحركة سريعة، ثم دار بجسده محاولًا تنفيذ ضربة أخرى.

لكن بدلًا من أن يبدو كمحارب ماهر، كاد يفقد توازنه ويسقط على الأرض.

اتسعت عينا إيلينا للحظة قبل أن تنفجر بالضحك.

"هاهاها! أرأيت؟!"

استعاد لوكاس توازنه بسرعة، ثم نظر إليها بوجه عابس.

"ما بك؟ كنت أختبر توازني فقط."

"بالطبع، بالطبع."

جلس لوكاس على الأرض وهو يحتضن السيف، ثم نظر إليه بابتسامة واسعة. ربما كان مجرد سيف خشبي، وربما لم يكن بجودة السيوف التي يستخدمها الطلاب في المدارس، لكنه كان سعيدًا به على أي حال.

لأول مرة منذ فترة طويلة، شعر لوكاس بأنه يفعل شيئًا يفعله الأطفال في عمره. لم يكن يعمل، ولم يكن يفكر في المال أو الطعام أو دواء إيلينا، ولم يكن يحاول التصرف كرجل بالغ.

كان مجرد طفل سعيد بسيف خشبي.

رفع لوكاس السيف قليلًا وهو ينظر إليه، ثم قال:

"حسنًا، السيف جيد، لكن لا تتوقعي مني شكرك، على الأقل ليس بعد سخريتك مني.!"

ابتسمت إيلينا وهي تنظر إليه، ثم جلست على الكرسي القريب منه.

"ومن قال إنني أنتظر منك الشكر؟ يكفيني أن أراك سعيدًا به."

ساد الصمت للحظات.

نظر لوكاس إلى السيف بين يديه، وبقي يتأمله وكأنه حصل على كنز ثمين. تذكر عندما كان يمر لإيصال المعجنات ويرى الأولاد في المدارس يتدربون ويلعبون باستخدام السيوف الخشبية، كما تذكر القصص التي كانت إيلينا ترويها له عن المتسامين وهم يحملون سيوفهم ويواجهون الوحوش.

ارتسمت على وجهه ابتسامة صغيرة.

"أنا سعيد فعلًا."

نظرت إيلينا إليه دون أن تقول شيئًا. كانت تعرف أن تلك الابتسامة الصغيرة تعني الكثير بالنسبة إلى أخيها، وربما كانت تلك اللحظة واحدة من المرات القليلة التي استطاعت فيها أن تمنحه شيئًا لم يكن متعلقًا بالبقاء أو المرض أو المال.

بقي لوكاس يتأمل السيف، بينما حل الهدوء في المنزل من جديد.

لكن ذلك الهدوء لم يستمر طويلًا.

صدر صوت طرق على الباب.

رفع لوكاس رأسه بسرعة، والتفتت إيلينا نحوه باستغراب. لم يكن من المعتاد أن يطرق أحد باب منزلهم في الليل، خصوصًا أنه لم يكن لديهم أقارب في المناطق الوسطى، ولم تكن الزيارات جزءًا من حياتهم أصلًا.

كان صوت الطرق هادئًا، لكنه بدا غريبًا في ذلك الوقت من الليل.

نظرت إيلينا نحو لوكاس.

"لوكاس.؟"

نظر إليها لوكاس، ثم وضع السيف الخشبي على الطاولة.

"لا تقلقي، سأذهب لأرى من هناك، انتظريني وحسب."

لم يعجبه أن يترك السيف على الأرض حتى في مثل هذا الموقف، لذلك وضعه بعناية فوق الطاولة قبل أن يتجه نحو الباب.

كان المنزل هادئًا بشكل غريب، وكلما اقترب لوكاس من الباب شعر بأن صوت خطواته أصبح أوضح في أذنيه. لم يكن يعرف من الذي يمكن أن يكون خلفه، وبدأت عدة احتمالات تمر في رأسه؛ ربما كان شخصًا يحتاج إلى مساعدة، أو أحد العملاء الذين أوصل لهم طلبًا، أو ربما شخصًا أخطأ في العنوان.

لكن شيئًا داخله أخبره أن الأمر ليس طبيعيًا.

وصل لوكاس إلى الباب، ومد يده نحو المقبض. توقف للحظة، وبقيت أصابعه فوقه دون أن تحركه. لم يكن يعرف سبب هذا التردد، لكنه شعر بتوتر مفاجئ يتسلل إلى جسده.

ثم بدأ يفتح الباب ببطء.

في اللحظة التي انفتح فيها الباب، شعر بشيء غريب يخترق جسده.

لم يكن هجومًا جسديًا، ولم يرَ أي شيء قادمًا نحوه، لكن روحه شعرت وكأن يدًا غير مرئية أمسكت بها وضغطت عليها بقوة.

تجمد لوكاس في مكانه.

بدأ رأسه بالدوران، وأصبحت رؤيته أكثر ضبابية، بينما شعر بأن جسده أصبح أثقل من أن يتحرك. حاول فهم ما يحدث، لكن أفكاره بدأت تتشتت، وكأن شيئًا ما كان يضغط مباشرة على وعيه.

وبينما كانت ملامح الشخص الواقف خلف الباب تظهر أمام عينيه المشوشتين، اتسعت عيناه الذهبيتان بصدمة.

لقد عرفها.

كانت الفتاة الجميلة الصاعدة التي سلمها الطلب في ذلك اليوم.

والآن كانت تقف أمام باب منزله، وتنظر إليه بهدوء.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Eliora|إيلوريا

المؤلف No One
2026/09/08 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة