كانت الساعة تقترب من الثانية بعد منتصف الليل.
ومع ذلك، بقيت أضواء القاعة مضاءة.
لم يكن في المكان أحد.
لا أصوات ضحكات، ولا همسات نساء، ولا أطفال يركضون بين الطاولات، ولا موسيقى تتسلل من السماعات المعلقة في السقف.
فقط صمت ثقيل.
صمت جعل صوت المطر في الخارج يبدو أعلى مما هو عليه.
كانت قطراته تضرب النوافذ الزجاجية الكبيرة، وتنزلق عليها ببطء، تاركة خلفها خطوطًا طويلة تشبه الدموع.
في آخر القاعة، كانت ليان تجلس وحدها.
لم تكن ترتدي فستان زفاف.
كانت ترتدي فستانًا أسود طويلًا، بسيطًا، بلا أي تفاصيل ملفتة.
على الرغم من أن القاعة كانت مجهزة بالكامل لحفل زفاف.
ورود بيضاء على الطاولات.
شموع صغيرة انطفأ بعضها.
كراسي مرتبة بعناية.
منصة في نهاية القاعة.
وعلى المنصة، خلف ستارة من الزهور البيضاء، كُتبت أسماء العروسين بخط أنيق.
ليان وآدم.
رفعت ليان عينيها إلى الاسم.
ظلت تنظر إليه لثوانٍ طويلة.
ثم ابتسمت.
لم تكن ابتسامة فرح.
كانت تلك الابتسامة التي تظهر على وجه الإنسان عندما يصبح الألم أكبر من أن يحتمل البكاء.
مدت يدها إلى الطاولة أمامها.
كان هناك هاتف أسود موضوع بجانب كأس ماء لم تلمسه.
أمسكته.
شاشته مضاءة.
آخر محادثة كانت مفتوحة.
لم يكن فيها سوى رسالة واحدة.
رسالة من آدم.
حدقت فيها مرة أخرى.
كانت قد قرأتها عشرات المرات خلال الساعات الماضية.
ومع ذلك، كل مرة كانت تشعر أنها تقرؤها للمرة الأولى.
«إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فلا تبحثي عني.»
أغلقت ليان عينيها.
تنفست ببطء.
ثم فتحتها.
همست:
"ليه؟"
لم يجبها أحد.
نظرت حولها.
حتى موظفو القاعة كانوا قد غادروا منذ وقت طويل.
الجميع رحل.
الجميع إلا هي.
وضعت الهاتف على الطاولة، ثم أسندت ظهرها إلى الكرسي.
كانت تسمع صوت الساعة المعلقة على الجدار.
تك.
تك.
تك.
كل ثانية تمر كانت تبدو كأنها تسخر منها.
منذ ساعات فقط، كانت القاعة مليئة بالناس.
كانت هناك عائلات جاءت من أماكن مختلفة.
ورود.
عطور.
ضحكات.
صور.
أصوات تتحدث عن العروسين.
ثم حدث كل شيء بسرعة.
سريعًا لدرجة أنها لم تستطع استيعابه.
توقفت الموسيقى.
اختفى آدم.
بدأ الناس يسألون.
ثم خرج بعضهم.
ثم خرج الباقون.
وبقيت هي.
لا تعرف هل كان عليها أن تنتظر.
أم ترحل.
أم تصرخ.
أم تبكي.
أم تصدق أن الرجل الذي كان من المفترض أن يقف بجانبها بعد دقائق اختفى ببساطة.
مدت يدها مرة أخرى إلى الهاتف.
ضغطت على اسمه.
اتصال.
رن مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
ثم جاء الصوت الآلي:
"الهاتف المطلوب لا يمكن—"
أغلقت الاتصال.
لم تستطع سماع الباقي.
فتحت الصور.
كانت هناك مئات الصور.
هي وآدم.
أول لقاء.
أول قهوة.
شارع قديم.
مكتبة.
رحلة قصيرة.
صورة له وهو يضحك.
صورة لها وهي غاضبة لأنه التقطها دون أن تنتبه.
ثم توقفت.
كانت هناك صورة لم ترها من قبل.
فتحتها.
تجمدت.
كانت الصورة قديمة جدًا.
باهتة.
مائلة إلى الأسود والأبيض.
امرأة تقف أمام مبنى قديم.
وفي ذراعها طفلة صغيرة.
رفعت ليان الهاتف بالقرب من وجهها.
المرأة كانت أمها.
مريم.
لم يكن هناك شك.
كانت تعرف وجه أمها جيدًا، رغم مرور سنوات طويلة على رحيلها.
لكن الطفلة...
كانت ليان.
عرفت ذلك من الفستان.
من المشبك الصغير في شعرها.
ومن الوردة التي كانت أمها تضعها دائمًا بجانب أذنها في صور طفولتها.
تحت الصورة كان هناك تاريخ.
2009.
همست:
"وين لقيتها؟"
ثم انتبهت إلى شيء آخر.
في الخلفية.
رجل يقف بعيدًا.
وجهه غير واضح.
كان يحمل مظلة سوداء.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
لماذا بدا لها هذا الرجل مألوفًا؟
وضعت الهاتف جانبًا.
حاولت أن تتجاهل الصورة.
لكن ذاكرتها لم تسمح لها.
فجأة عاد شيء قديم.
صوت مطر.
مصابيح شارع.
سيارة متوقفة.
يد أمها تمسك بيدها.
وصوت رجل يقول:
"لازم تمشين الحين."
فتحت ليان عينيها بسرعة.
نظرت إلى القاعة.
قلبها يخفق.
"ما هذا؟"
لم تكن تعرف.
لم تتذكر أين كانت.
ولا من كان الرجل.
ولا لماذا كانت أمها تبكي.
وضعت يدها على رأسها.
كانت بعض ذكريات طفولتها تأتيها دائمًا بشكل ناقص.
مشاهد بلا بداية.
أصوات بلا وجوه.
أماكن بلا أسماء.
لكنها طوال حياتها اعتقدت أن هذا طبيعي.
إلى أن ظهر آدم.
ومنذ أن ظهر آدم، بدأت الأشياء القديمة تعود.
كأن وجوده فتح بابًا أغلقته ذاكرتها منذ سنوات.
أمسكت الهاتف مرة أخرى.
كانت تريد الاتصال به.
لكن قبل أن تضغط على اسمه، اهتز الهاتف في يدها.
رسالة جديدة.
توقفت.
لم يكن الرقم مسجلًا.
رقم طويل.
مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت جملة واحدة:
"إذا كنتِ تريدين معرفة أين ذهب آدم، اسألي والدك عن الغرفة 317."
حدقت فيها.
لم تفهم.
الغرفة 317؟
ما علاقتها بوالدها؟
وما علاقة آدم بها؟
كتبت:
من أنت؟
توقفت قليلًا.
ثم أرسلت.
ظهرت علامة إرسال.
انتظرت.
ثوانٍ.
لم يصل رد.
وضعت الهاتف على الطاولة.
حاولت إقناع نفسها بأنها مجرد خدعة.
شخص ما يريد إخافتها.
لكن شيئًا في داخلها كان يقول إن الأمر ليس كذلك.
كانت تعرف هذه الجملة.
الغرفة 317.
لم تعرف من أين.
لكنها سمعتها من قبل.
ربما في طفولتها.
ربما من أمها.
ربما...
رفعت رأسها فجأة.
وشعرت أن القاعة لم تعد فارغة كما كانت قبل دقائق.
نظرت نحو الباب.
لا أحد.
نظرت إلى الممر.
فارغ.
لكنها سمعت صوتًا.
خفيفًا.
كأن أحدهم حرّك كرسيًا في آخر القاعة.
وقفت.
"من هناك؟"
لم يجبها أحد.
خطت خطوة.
ثم أخرى.
كان صوت كعب حذائها يرتد في القاعة الواسعة.
اقتربت من آخر صف من الطاولات.
لا أحد.
توقفت.
لاحظت ظرفًا أبيض على إحدى الطاولات.
لم يكن موجودًا عندما جلست.
تقدمت نحوه ببطء.
أمسكته.
لم يكن عليه اسم.
فتحت الظرف.
في داخله صورة واحدة.
وصورة أخرى.
ورسالة مطوية.
بدأت تقرأ.
ليان،
توقفت.
تغير تنفسها.
الرسالة مكتوبة بخط تعرفه.
خط أمها.
جلست على أقرب كرسي.
لم تستطع إكمال القراءة وهي واقفة.
فتحت الورقة.
كانت قصيرة.
قصيرة جدًا.
لكنها جعلت كل شيء حولها يتوقف.
«إذا وصلت هذه الرسالة إليك، فهذا يعني أنني فشلت في إخبارك بنفسي.
سامحيني.
ولا تثقي بمن سيخبرك أن ما حدث لي كان حادثًا.»
سقطت الورقة من يدها.
بقيت ليان تنظر إليها.
لم تتحرك.
لم تتنفس تقريبًا.
ثم التقطتها بسرعة.
قرأت السطر مرة أخرى.
ومرة ثالثة.
لا تثقي بمن سيخبرك أن ما حدث لي كان حادثًا.
رفعت رأسها.
والدها.
كانت أول فكرة جاءت إلى ذهنها.
والدها كان أول شخص أخبرها أن أمها ماتت في حادث.
منذ كانت صغيرة.
حادث.
هذه الكلمة التي سمعتها آلاف المرات.
حادث.
مؤلم، لكنه بسيط.
واضح.
لا يحتاج إلى أسئلة.
هكذا عاشت ليان حياتها.
أمها ماتت في حادث.
انتهى الأمر.
لكن الآن...
مريم تقول لها:
لا تثقي بمن سيخبرك أن ما حدث لي كان حادثًا.
وضعت يدها على فمها.
شعرت أن الدموع بدأت تنزل دون أن تنتبه.
"يمّه..."
خرجت الكلمة ضعيفة.
مثل طفلة تنادي أمها من غرفة أخرى.
ثم فتحت الصورة الثانية.
توقفت الدموع لحظة.
كانت صورة لآدم.
لكن آدم لم يكن وحده.
كان يقف أمام مبنى قديم.
وبجانبه رجل في الخمسينات تقريبًا.
الرجل نفسه الذي ظهر في صورة أمها.
الرجل الذي يحمل المظلة.
وفي أسفل الصورة تاريخ.
2009.
كان آدم طفلًا في الصورة.
عمره ربما عشر سنوات.
ليان حدقت فيه طويلًا.
ثم همست:
"مستحيل..."
قلبت الصورة.
على ظهرها كانت هناك عبارة بخط مريم:
"هو لا يعرف الحقيقة كاملة."
ارتجفت يدها.
من هو؟
آدم؟
أم الرجل؟
هل كانت أمها تعرفه؟
لماذا كانت صورته معها؟
ولماذا أخفى عنها آدم كل هذا؟
وضعت الصور فوق الطاولة.
ثم أخذت هاتفها.
فتحت محادثته.
كتبت:
آدم، أنا عرفت.
مسحتها.
كتبت:
وينك؟
مسحتها.
كتبت:
ليه سويت فيني كذا؟
ظلت تنظر إلى الجملة.
ثم حذفتها أيضًا.
لم تكن تريد أن تسأله لماذا تركها.
كانت تريد أن تسأله سؤالًا واحدًا فقط.
هل كنت تحبني فعلًا؟
لكنها لم تستطع كتابته.
لأنها كانت تخاف من الإجابة.
جلست على الأرض بجانب الكرسي.
وضمت ركبتيها إلى صدرها.
وبكت.
بكت بهدوء.
ذلك النوع من البكاء الذي لا يسمعه أحد.
لا صراخ.
لا كلمات.
فقط دموع تنزل، وشخص يحاول أن يفهم كيف يمكن لحياة كاملة أن تتغير خلال ساعات.
تذكرت صباح اليوم نفسه.
كانت قد استيقظت وهي خائفة.
لم تعرف السبب.
فتحت نافذتها.
كان الجو هادئًا.
والسماء ملبدة بالغيوم.
وصلتها رسالة من آدم:
"اليوم أبي أوفي بوعدي لكِ."
ضحكت عندما قرأتها.
كانت تظن أنه يتحدث عن الزواج.
لم تسأله عن أي شيء.
لم تكن تعرف أن كلماته كانت تعني شيئًا آخر.
شيئًا أكبر بكثير.
شيئًا كان قد يغيّر حياتها كلها.
رن الهاتف.
رفعت رأسها بسرعة.
رسالة جديدة.
نفس الرقم المجهول.
فتحتها.
هذه المرة لم تكن جملة.
كانت صورة.
صورة قديمة لامرأة تحمل طفلة.
مريم وليان.
لكن الصورة كانت مختلفة عن الصور السابقة.
كانت ملتقطة داخل مستشفى.
وفي الزاوية العليا من الصورة ظهر رقم مكتوب على باب:
317
توقفت ليان عن البكاء.
بدأ قلبها يخفق بعنف.
الغرفة.
المستشفى.
أمها.
آدم.
والدها.
كل شيء بدأ يرتبط ببعضه.
لكنها لم تكن تعرف كيف.
ثم وصلت الرسالة الأخيرة.
"لا تسألي آدم عن الغرفة 317."
تجمدت.
ظهرت رسالة ثانية قبل أن تستوعب الأولى:
"لأنه يعرف."
ثم رسالة ثالثة:
"وهو يكذب عليك منذ أول يوم التقيتما فيه."
انطفأت شاشة الهاتف.
وبقيت ليان جالسة في القاعة المظلمة، وسط الورود البيضاء التي بدأت تذبل، وهي تحدق في انعكاس وجهها على الشاشة السوداء.
وفي مكان ما، بعيدًا عنها، كان هاتف آخر يهتز.
كان آدم ينظر إلى الرسائل نفسها.
لكن رسالته لم تكن من الرقم المجهول.
كانت من شخص واحد فقط.
فهد.
والد ليان.
كانت الرسالة قصيرة:
"لقد عرفت."
ظل آدم يحدق فيها.
ثم أغلق الهاتف.
رفع عينيه نحو النافذة.
كان المطر لا يزال يهطل.
وعلى الطاولة أمامه، كانت هناك صورة قديمة لمريم.
وبجانبها مفتاح صغير.
وعلى المفتاح رقم محفور:
317.
همس آدم:
"كان المفروض ما توصلين لهالمرحلة..."
ثم أخذ الصورة، وأشعل عود الكبريت.
احترق طرفها ببطء.
لكن قبل أن تلتهم النار وجه مريم، ظهرت خلف الصورة كلمة واحدة لم ينتبه لها آدم طوال هذه السنوات:
"ابنتي ليست ليان."
الظل