قبل ستة أشهر...
لم تكن ليان تعرف أن بعض الأيام تبدأ عادية جدًا، ثم تنتهي وهي تحمل في داخلها شيئًا لن يعود كما كان.
كان الصباح هادئًا.
السماء ملبدة بغيوم رمادية خفيفة، والهواء البارد يتسلل من بين الشوارع التي بدأت تستيقظ ببطء. كانت المحلات تفتح أبوابها، والسيارات تمر على مهل، والمطر الذي هطل طوال الليل ترك خلفه أرصفة لامعة تعكس ضوء الصباح.
جلست ليان خلف مكتبها الصغير في المكتبة، وأمامها كتاب مفتوح.
كانت الصفحة نفسها أمام عينيها منذ أكثر من عشر دقائق.
لم تكن تقرأ.
كانت شاردة.
رفعت كوب القهوة إلى فمها، ثم توقفت عندما اكتشفت أنه أصبح باردًا.
وضعت الكوب على المكتب، ونظرت إلى الساعة.
الثامنة وأربعون دقيقة.
تنهدت بهدوء.
ليان: "اليوم بيكون طويل."
لم تكن تعرف كم كانت جملتها صحيحة.
أغلقت الكتاب، ثم بدأت ترتب مجموعة الكتب التي وصلت في الصباح.
كانت تحب المكتبة.
تحب هدوءها، رائحة الورق، صوت تقليب الصفحات، وحتى الغبار الخفيف الذي يعلق بأطراف الكتب القديمة.
كان المكان بالنسبة لها أشبه بملجأ صغير.
في البيت، كانت ابنة.
وفي الخارج، كانت موظفة.
أمام والدها، كانت تحاول دائمًا أن تبدو قوية.
أما عندما تكون وحدها...
فكانت مجرد ليان.
فتاة تحمل في داخلها أسئلة كثيرة، ولا تعرف لمن تسألها.
منذ وفاة أمها، تغير شيء فيها.
لم تكن مريم مجرد أم رحلت.
كانت ذكرى كاملة اختفت فجأة من حياتها، وتركت وراءها فراغًا لم تستطع السنوات أن تملأه.
سبعة عشر عامًا مرت.
ومع ذلك، كانت ليان تتذكر أشياء صغيرة عنها.
رائحة عطرها.
يدها وهي تمرر أصابعها على شعر ليان قبل النوم.
صوتها الهادئ.
ابتسامتها.
وطريقة نطقها لاسمها.
لكن هناك ذكريات أخرى كانت أكثر غرابة.
ذكريات لا تعرف ليان إن كانت حقيقية أم مجرد صور صنعها عقل طفلة صغيرة.
مطر.
ممر أبيض طويل.
ضوء قوي.
مظلة سوداء.
ورجل يقف بعيدًا.
ثم صوت أمها.
وبعده...
لا شيء.
كلما حاولت ليان الوصول إلى الجزء المفقود من ذاكرتها، شعرت كأن هناك بابًا مغلقًا في داخلها.
باب لا يملك مفتاحه أحد.
حتى هي.
رن جرس الباب.
رفعت رأسها.
دخلت نور وهي تحمل كيسًا ورقيًا بيدها.
ابتسمت.
نور: "صباح الخير."
ليان: "صباح النور."
وضعت نور الكيس فوق المكتب وجلست أمامها.
ليان: "وش هذا؟"
نور: "فطور."
ليان: "أنا ما طلبت."
نور: "أدري."
نظرت ليان إليها باستغراب.
ليان: "طيب ليه جبتيه؟"
ابتسمت نور وهي تخرج علبة صغيرة من الكيس.
نور: "لأنك من أمس ما أكلتِ زين."
رفعت ليان حاجبها.
ليان: "تراقبيني؟"
نور: "أراقبكِ من زمان، بس أنتِ ما تنتبهين."
ضحكت ليان.
ليان: "الله يعينني عليكِ."
نور: "الله يعينكِ فعلًا."
دفعت نور الفطور باتجاهها.
نور: "كلي."
ليان: "بعد شوي."
نور: "ليان."
رفعت ليان عينيها إليها.
ليان: "نعم؟"
نور: "كلي."
ضحكت ليان وأخذت قطعة صغيرة.
ليان: "حاضر."
راقبتها نور وهي تأكل، ثم بقيت صامتة لثوانٍ.
لاحظت ليان نظرتها.
ليان: "عندكِ شيء."
نور: "أنا؟"
ليان: "إيه، واضح."
نور: "ما عندي شيء."
ليان: "نور."
تنهدت نور.
نور: "طيب، عندي خبر."
توقفت ليان عن الأكل.
ليان: "خير؟"
نور: "موظف جديد بيجي اليوم."
ليان: "موظف جديد؟"
نور: "إيه."
ليان: "متى؟"
نور: "قالوا اليوم."
ليان: "وش بيشتغل؟"
نور: "تصوير وفهرسة الكتب القديمة وبعض الأعمال الخاصة بالمكتبة."
هزت ليان رأسها وعادت إلى طعامها.
ليان: "طيب."
ابتسمت نور ابتسامة صغيرة.
نور: "اسمه آدم."
توقفت يد ليان للحظة.
لم يكن الاسم غريبًا.
لكن شيئًا في الطريقة التي قالت بها نور الاسم جعلها ترفع عينيها إليها.
ليان: "آدم؟"
نور: "إيه."
ليان: "تعرفينه؟"
تغيرت ملامح نور للحظة قصيرة.
نور: "لا."
ليان: "متأكدة؟"
نور: "إيه، متأكدة."
لم تقتنع ليان تمامًا.
لكنها لم تعلق.
عادت إلى ترتيب الكتب، بينما بقيت نور تراقبها بصمت.
ولم تكن ليان تعرف أن نور لم تكن تخفي عنها مجرد معلومة بسيطة.
كانت تخفي شيئًا آخر.
شيئًا وعدت شخصًا منذ سنوات ألا تتحدث عنه.
---
عند الحادية عشرة والنصف تقريبًا، رن جرس الباب مرة أخرى.
رفعت ليان رأسها.
دخل رجل يحمل حقيبة كاميرا سوداء على كتفه.
توقف عند الباب للحظات.
نظر إلى المكان.
إلى الرفوف.
إلى النوافذ.
إلى المكتب.
ثم...
وقعت عيناه عليها.
كان التغيير في ملامحه بسيطًا جدًا.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
اقترب منها.
آدم: "السلام عليكم."
رفعت ليان رأسها.
ليان: "وعليكم السلام."
توقف أمام المكتب.
آدم: "أنا آدم."
ابتسمت ليان ابتسامة رسمية.
ليان: "أهلًا، أنا ليان."
ظل آدم ينظر إليها لحظة أطول مما يجب.
ثم قال:
آدم: "أنتِ ليان بنت فهد؟"
اختفت ابتسامتها قليلًا.
ليان: "إيه."
سكت آدم.
ليان: "في مشكلة؟"
هز رأسه.
آدم: "لا."
ليان: "متأكد؟"
آدم: "إيه."
أخرج ملفًا من حقيبته ووضعه على المكتب.
آدم: "هذي الأوراق طلبوها مني."
أخذت ليان الملف.
ليان: "تمام."
وبينما كانت تراجع الأوراق، سقطت صورة صغيرة من حقيبته.
هبطت على الأرض.
انحنى آدم والتقطها بسرعة.
كانت الحركة سريعة جدًا.
لاحظت ليان ذلك.
ليان: "صورتك؟"
نظر إليها.
آدم: "لا."
ثم وضع الصورة داخل الحقيبة.
ليان: "عادي أشوفها؟"
توقف للحظة.
آدم: "ما لها داعي."
كانت نبرته هادئة، لكنها حاسمة.
رفعت ليان كتفيها.
ليان: "براحتك."
أخذ آدم الملف واتجه نحو أحد الرفوف.
تابعته ليان بعينيها.
كان هناك شيء غريب.
ليس في تصرفه.
بل في إحساسها تجاهه.
كأنها رأته من قبل.
لكن أين؟
لم تعرف.
---
مر الوقت ببطء.
كان آدم يعمل في القسم الخلفي من المكتبة، يصور بعض الكتب القديمة ويصنفها.
لم يتحدث كثيرًا.
وهذا كان مناسبًا للمكان.
لكن ليان لاحظت شيئًا.
كلما اقتربت منه، كان يغلق شاشة الكاميرا أو يخفي الصور التي يعمل عليها.
وفي إحدى المرات، مرت بجانبه مصادفة.
كانت شاشة الكاميرا مضاءة.
ظهرت صورة لشارع قديم.
ثم ضغط آدم زرًا وأغلقها.
توقفت ليان.
ليان: "تحب تصور الأماكن القديمة؟"
نظر إليها.
آدم: "أحيانًا."
ليان: "واضح."
آدم: "واضح وش؟"
ليان: "أن أغلب صورك للأماكن القديمة."
نظر إليها باستغراب.
آدم: "كيف عرفتي؟"
أشارت إلى الكاميرا.
ليان: "من الصور."
سكت قليلًا.
آدم: "أحب الأشياء اللي ما تتغير بسرعة."
ابتسمت ليان.
ليان: "غريب."
آدم: "ليه؟"
ليان: "الناس عادة تحب الأشياء الجديدة."
نظر إلى الكاميرا.
آدم: "يمكن أنا مو مثل الناس."
لم تعرف ليان ماذا تقول.
اكتفت بابتسامة صغيرة.
لكن الجملة بقيت في ذهنها.
---
في نهاية الدوام، خرجت ليان من المكتبة.
كانت السماء قد تغيرت.
المطر بدأ ينزل من جديد.
أخرجت هاتفها.
وجدت ثلاث مكالمات فائتة من والدها.
اتصلت به.
رد بعد ثوانٍ.
فهد: "وينكِ؟"
ليان: "طلعت من المكتبة."
فهد: "تعالي البيت."
شعرت ليان بشيء في نبرته.
ليان: "في شيء؟"
صمت فهد لحظات.
فهد: "لا."
كانت تعرف أباها جيدًا.
وعرفت أنه لا يقول الحقيقة.
ليان: "بابا."
فهد: "نعم؟"
ليان: "صار شيء؟"
فهد: "تعالي بس."
ليان: "طيب."
أغلقت المكالمة.
وفي اللحظة نفسها سمعت صوتًا خلفها.
آدم: "ليان."
التفتت.
كان آدم يقف عند الباب، وفي يده مظلة.
اقترب منها ومد يده.
آدم: "نسيتِ هذا."
كان يحمل قلمها.
أخذته منه.
ليان: "شكرًا."
آدم: "العفو."
نظرت ليان إلى المطر.
ثم عادت تنظر إليه.
ليان: "أنت ماشي؟"
آدم: "إيه."
ليان: "طيب."
ساد الصمت بينهما.
ثم قال آدم:
آدم: "أبوكِ اتصل عليكِ؟"
رفعت ليان عينيها إليه.
ليان: "كيف عرفت؟"
نظر آدم إلى هاتفها.
آدم: "سمعته."
نظرت خلفها إلى باب المكتبة.
ثم عادت إليه.
ليان: "أنت كنت بعيد."
سكت آدم لحظة.
آدم: "يمكن سمعت."
لم تكن الإجابة مقنعة.
لكنها لم ترغب في إظهار شكها.
ليان: "مع السلامة."
آدم: "مع السلامة."
تحركت ليان نحو سيارتها.
وبعد عدة خطوات، التفتت دون سبب واضح.
كان آدم لا يزال واقفًا أمام المكتبة.
ينظر إليها.
لم تكن نظرته نظرة رجل يحاول التعرف إلى فتاة التقاها لأول مرة.
كان فيها شيء آخر.
شيء يشبه الخوف.
---
وصلت ليان إلى البيت بعد نصف ساعة.
كان والدها جالسًا في الصالة.
لم يرفع رأسه عندما دخلت.
وضعت حقيبتها على الطاولة.
ليان: "السلام عليكم."
فهد: "وعليكم السلام."
جلست أمامه.
ليان: "اتصلت علي."
رفع فهد عينيه إليها.
فهد: "إيه."
ليان: "صار شيء؟"
ظل صامتًا.
ثم قال:
فهد: "مين آدم؟"
شعرت ليان ببرودة تسري في جسدها.
ليان: "موظف جديد في المكتبة."
فهد: "من اليوم؟"
ليان: "إيه."
فهد: "وش شغله؟"
ليان: "تصوير وفهرسة."
تغير وجه والدها.
كان التغيير واضحًا هذه المرة.
ليان: "تعرفه؟"
أبعد فهد نظره عنها.
فهد: "لا."
كانت إجابة قصيرة جدًا.
ليان: "أنت تعرفه."
رفع فهد عينيه إليها.
فهد: "قلت لكِ لا."
ليان: "طيب ليه سألت عنه؟"
لم يجب.
ليان: "بابا، أنت تعرفه من قبل؟"
نهض فهد من مكانه.
فهد: "ليان، لا تدخلين في أشياء ما تخصكِ."
نظرت إليه باستغراب.
ليان: "أنا سألتكِ عن موظف في المكتبة."
توقف فهد.
فهد: "وأنا قلت لكِ لا تدخلين في الموضوع."
ليان: "أي موضوع؟"
لم يجب.
اتجه إلى غرفته.
وقبل أن يدخل، توقف عند الباب.
فهد: "إذا تقدرين، اطلبي نقل من المكتبة."
رفعت ليان رأسها.
ليان: "ليه؟"
فهد: "لأن هذا المكان ما عاد مناسب لكِ."
ليان: "من متى؟"
لم يرد.
دخل غرفته وأغلق الباب.
بقيت ليان جالسة مكانها.
لأول مرة منذ سنوات، رأت الخوف في عيني والدها.
لكنها لم تعرف سببه.
---
في تلك الليلة، لم تستطع ليان النوم.
كانت جالسة على سريرها، والهاتف بجانبها.
فتحت حساب آدم.
لم يكن ينشر كثيرًا.
صور شوارع.
أبواب قديمة.
بيوت مهجورة.
نوافذ.
وأشخاص لا تظهر وجوههم بوضوح.
فتحت إحدى الصور.
كان ممرًا قديمًا داخل مستشفى.
تحت الصورة كتب آدم:
"بعض الأماكن ما تنسى من مر بها."
حدقت ليان في الصورة.
شعرت بإحساس غريب.
كبرت الصورة.
وفي نهاية الممر ظهر باب قديم.
تحت الباب رقم واضح.
317
توقفت أنفاسها.
أغلقت الصورة.
ثم أعادت فتحها.
317.
نفس الرقم.
وضعت الهاتف جانبًا.
لكن عقلها لم يتوقف.
المطر.
المستشفى.
أمها.
الرجل صاحب المظلة السوداء.
والآن...
الغرفة 317.
لماذا شعرت أن كل هذه الأشياء مرتبطة ببعضها؟
رن الهاتف.
كانت رسالة من نور.
نور: "نمتِ؟"
كتبت ليان:
ليان: "لا."
وصل الرد سريعًا.
نور: "تفكرين فيه؟"
ابتسمت ليان رغمًا عنها.
ليان: "في مين؟"
نور: "آدم."
كتبت ليان:
ليان: "لا."
ثم مسحت الرسالة.
كتبت من جديد:
ليان: "أنا أفكر في شيء ثاني."
وصل الرد:
نور: "وش؟"
ترددت ليان.
ثم كتبت:
ليان: "أبوي يعرف آدم."
تأخر رد نور.
ظهرت علامة الكتابة.
اختفت.
ثم ظهرت مرة أخرى.
بعد دقيقة وصلت الرسالة:
نور: "متأكدة؟"
ليان: "إيه."
تأخر الرد أكثر هذه المرة.
ثم ظهرت رسالة واحدة:
نور: "لا تسألينه."
حدقت ليان في الشاشة.
ليان: "ليه؟"
مرت ثوانٍ.
ثم وصل الرد:
نور: "لأن بعض الإجابات ما راح تعجبكِ."
شعرت ليان بالضيق.
ليان: "نور، أنتِ تعرفين شيء؟"
لم يصل رد.
انتظرت.
دقيقة.
دقيقتين.
عشر دقائق.
لا شيء.
وضعت الهاتف بجانبها.
وقبل أن تطفئ الشاشة، ظهر إشعار جديد.
رقم مجهول.
فتحت الرسالة.
كانت جملة واحدة:
"لا تثقين بآدم."
حدقت ليان في الشاشة.
ثم وصلت رسالة ثانية:
"ولا تثقين بأبوكِ."
جلست مستقيمة.
شعرت أن شيئًا بداخلها استيقظ فجأة.
وصلت الرسالة الثالثة:
"إذا تبين تعرفين الحقيقة، ابدئي من الصورة."
ظهر ملف مرفق.
ضغطت عليه.
ظهرت صورة قديمة.
باهتة.
مليئة بخدوش الزمن.
امرأة شابة تقف أمام مستشفى.
توقفت ليان عن التنفس.
كانت تعرفها.
حتى بعد كل هذه السنوات.
كانت أمها.
مريم.
كانت تحمل ملفًا في يدها.
وخلفها رجل يقف تحت مظلة سوداء.
لكن الرجل لم يكن المفاجأة.
المفاجأة كانت في الباب الموجود خلفهما.
كان هناك رقم مكتوب بوضوح:
317
شعرت ليان بيدها ترتجف.
أسقطت الهاتف على السرير.
وبقيت تحدق في الصورة.
ثم همست:
ليان: "وش كنتِ تعرفين يا أمي؟"
لم يجبها أحد.
وفي الخارج، بدأ المطر يهطل من جديد.
نفس المطر الذي كانت تتذكره من طفولتها.
نفس المطر الذي ظهر في ذكرياتها القديمة.
ونفس المطر الذي كان حاضرًا في الصورة.
لكن ليان لم تكن تعرف بعد أن الصورة التي وصلت إليها تلك الليلة...
لم تكن مجرد صورة قديمة.
كانت أول خيط في سر ظل مدفونًا سبعة عشر عامًا.
وسرعان ما ستكتشف أن آدم لم يدخل حياتها بالصدفة.
وأن والدها لم يكن خائفًا من آدم نفسه.
كان خائفًا من الشيء الذي سيقودها إليه.
الغرفة 317.
الظل