«ها هو ذا يوم يهوه آتٍ، لا يرحم، بسخطٍ وغضبٍ متّقد، ليجعل البلاد خرابًا، وليستأصل منها الخُطاة...»
فوينغل : والدك ،،، سيموت !!!
أنهى فوينغل عباراته التي كانت كصاعقة مدوية على فيروزا ،، تسمرت في مكانها ، شيءٌ قد انكسر في داخلها ، تجمدت ملامحها و شحب وجهها ، وبقيت للحظات عاجزةً عن الكلام ، مدت يدها اليسرى ببطء لتضعها على قلبها ، و أخذت ترتجف ، فقطبت حواجبها مستنكرة ، و قالت بصوت مرتجف للغاية :
فيروزا : مـ ماذا ،، قلت ؟؟؟؟
استدار فوينغل قليلا و قال :
فوينغل : لا بأس يمكنك الانهيار الآن ، لكن لن يكون لديك متسع من الوقت !
بدموع أغرقت عينيها و انهمرت على وجنتيها أخذت فيروزا ترتجف و بقيت تحاول منع نفسها من الإنهيار و الصراخ ،، وضعت يديها على وجنتيها ، و بدأت تردد في نفسها عبارات تكذب ما سمعته من فوينغل ،، نظرت إلى الأرض ،، ثم رفعت عينيها نحو فوينغل و بنظرات ساخطة منكسرة ، مدت يديها لتمسك ياقته و قالت بغضب :
فيروزا : بحق الرب ! هل أنت جاد الآن !؟ هل مات والدي حقَّا !؟ لماذا مات !؟ ما علاقتك بهذا !؟
كان فوينغل قد أغلق عينيه عندما مسكته ، و عندما أنهت تساؤلاتها ،، فتح عينيه بنظرة مرعبة طافحة بالشر ،، فأسرعت فيروزا و أنزلت يديها ، و ضمتها إلى صدرها ، متراجعة بضع خطوات عنه ،، ثم قالت بصوت خافت يرتجف و أنفاسٍ متلاحقة كأنها تهلوس :
فيروزا : لا ، لا يمكن ،، هـ هذا لا يمكن ،، أبي لم يفعل شيئا خاطئا ،، أنت مخطئ !
فوينغل : فيروزا ،، أخبرتك أنه ليس لدينا متسع من الوقت ،، إن كنتِ قد تقبلتِ هذه الحقيقة ،، لننتقل إلى النقطة الثانية !!
بدأ التراخي و الإنكسار على ملامح فيروزا ، مع بكاء يتصاعد شيئا فشيئا ، فقالت اثناء شهيقها بمرارة :
فيروزا : تكلم ! ،، قل أن هناك خطب ما ! ! أبي كان رجلا صالحًا ! أبي لم يقترف خطأً بحق أحد !
استمرت بالبكاء المر بضع لحظات أمام ناظري فوينغل ،، كانت أقدامها ترتجف ، حاولت جاهدة منع نفسها من السقوط ، و فجأة بعد أن بدأت تهدأ حاولت التحدث في وسط بكائها فقالت :
فيروزا : لماذا !؟ لماذا مات أبي !؟ لماذا مات أبي !!؟
تلاحقت أنفاسها و مسحت دموعها بعشوائية ، ثم قالت :
فيروزا : لماذا مات أبي !؟ لمجيئه إلى هنا ؟؟ مالذنب الذي اقترفه ! لماذا لا تجبني !؟
أغلق عينيه ببرود ، ثم اقترب منها بشكل مبالغ حتى باتت أنفاسهما متقاربة ، توقفت فيروزا عن النحيب فجأة ، محاولة استيعاب ما يفعله فوينغل أمامها ، نظرت في عينيه بعمق ، شعرت برجفة غمرت بدنها و كأنها قد شُلَّت للحظات ،، و في خضم غرقها في كم الشر الهائل الذي يخرج من نظراته ، قال لها بصوت بارد :
فوينغل : والدك قد أتى إلى هنا ، ليعترف بمعلومة خبئها منذ أشهر ، تلك المعلومة ،، هي سبب لقائه حتفه اليوم !!
توقفت دموعها ، حتى أنفاسها كادت تتوقف ، ابتلعت ريقها بصعوبة ، و أنزلت ناظريها إلى صدره و نظرت إلى يمينها عدة مرات ، ثم رفعت رأسها و قالت باضطراب :
فيروزا : هل ،، هل هي ،، حادثة الرقَّة !!!؟؟؟
ابتسم فوينغل بشكل ساخر ،، ثم رفع رأسه و نظر إليها كما لو أنها شيء فالأسفل و قال :
فوينغل : هل علمتي لماذا أردت اللقاء بوالدك ؟ ليس لأنه والدك ، بل ،،، لأنه شارك فيها !!
صمت قليلا ،، ثم استدار عنها و قال لها و هو ينظر إليها من طرفه الأيسر :
فوينغل : كان من حسن حظ أفراد آخرين "كوالدك" أن وصلنا إليهم مبكرًا ،، لكن والدك كان قد تقاعد فلم نعلم مكانه ، و لأنه وصل إلى هنا ،، فقد فات الآوان بالنسبة له !!
صمتت فيروزا بعد كلامه و بقيت تنظر إلى الأسفل بإنكسار ،، تشتت ذهنها ، و بدا كل شيء في ناظريها ضبابًا لا نهاية له ، اقترب فوينغل منها مرة أخرى و وضع إصبعه على صدرها و قال :
فوينغل : لذا ، إن كنتِ تظنين أن قدومي إلى هنا ، له علاقة بالماضي ، فدعيني أخبرك ...
اقترب منها بشكل مبالغ و همس في أذنها قائلًا :
فوينغل : السبب الذي قتل والدك ، قد يكون سبب قتلك يومًا ! إذا ما خرج من لسانك حرف يتعلق بحادثة الرقة !!
ارتجفت فيروزا كما لو أن جسدها تعرض لصعقة ، و التفتت إليه و هي تتراجع عن يساره بذعر و هلع و يديها مضمومتان إلى صدرها ،، فقالت بعبارات مرتجفة :
فيروزا : هل تهددني بالقتل !؟
فوينغل : فيروزا ، من الآن فصاعدًا لن يكون لديك سوى خيارين !
الطبيبة : وقت الوفاة ، الساعة الحادية عشر و ثلاثٌ و عشرون دقيقة ،،، سبب الوفاة الأولي ، اشتباه بتدهور عصبي حاد أدَّى إلى توقف قلبي تنفسي ،!!!
قُتل تيلمر على مرأى من ناظري الحضور ، و رغم كل التجهيزات الأمنية ،، و التحرك الفوري نحو المنطقة التي يُعتقد أن الهجوم قد جاء منها ، إلا أنهم لم يتمكنوا من معرفة الفاعل ،، و ما تسبب بزيادة الوضع سوءًا ،، هو أن المكان غير مجهز بأي كاميرات مراقبة ، لعدم وصول أي جهات أخرى إليه أصلا و لقلة مستخدميه و شدة الحراسة عليه ،، ظهر على فويتر علامات الإحباط و الخيبة ، و هو ينظر إلى جثة تيلمر بحزن ، توجه إليه سميث و قال له :
سميث : أعتذر إليكم يا سيد فويتر ،، لم نتصور أن الأمر بهذه الجدية ، لروحه السلام.
فويتر : أكاد لا أصدق ،، لقد حدث كل ذلك أمام أعيننا !
نظر إلى مارك المنهمك في التحقيق و الإستجواب مع أفراد بعثته و الحرس ، ثم قال له :
فويتر : سيد مارك ! لا تسمح لأحد بالخروج !
صاح مارك و هو يلوح بيده اليمنى عاليا قائلا :
مارك : امنعوا خروج الجميع فورًا !
اصطف الحرس نحو البوابة ، و كان ذلك بعد دخول اللجنة الجنائية الأمريكية ،، فبدأوا مباشرة بالكشف السريع حول حالة الجثة ،، فجأة و فور البدء قال أحد محققي اللجنة :
المحقق : توجد على الجهة اليسرى من الرقبة إبرتان ! يشتبه بوجود مادة مجهولة ، يلزم فحص السموم السريع فورًا و تشريح وعائي للعنق .
بينما هم يقومون بتجهيز الجثة لوضعها في كيس الجثث ، اقترب أحد أفراد اللجنة من مجموعة من الحرس و تحدث معهم قليلا ، ثم تحرك نحو مارك و قال له :
فرد اللجنة : لا توجد أي حالات اشتباه ، الجهة التي انطلقت منها أداة القتل كانت قرب البوابة ، جميع من كانوا هناك هم من الحرس ! إذا كنا سنشتبه بأحد ، فلا أحد غير حرس هذه القاعة ...
بقي مارك يفكر ،، ثم قال لأحد أفراد بعثته :
مارك : قم بإحصاء جميع الحرس عددًا ، و أجمع كل المعلومات المتعلقة بهم ،، لن يغادر منهم أحد !
اقترب سميث نحوهم و قال لمارك :
سميث : إذا كان الجميع قد أتى لحضور مؤتمر أمني ، مالغرض من إحضار عناصر جنائية معكم ؟؟ هل كنتم تتوقعون حدوث ذلك ؟؟
نظر مارك إلى فويتر ، ثم قال فويتر :
فويتر : ما حدث معنا في أوكرانيا ، جعلنا نحسب حسابًا لكل خطوة ، و الآن حتما باتت شكوكي صحيحة ! وراء حادثة الرقَّة أمور أخرى ! هناك من لا يريدنا أن نصل إليها !
سكت سميث قليلا ، ثم قال :
سميث : حادثة الرقَّة ، أتقصد معركة الرقة التي حدثت العام المنصرم؟؟
فويتر : لا شك أنها هي ،، المعلومات التي كنَّا نتتبعها ،، وصلت بنا إلى سوريا حيث كانت الصراعات المسلحة تملأ البلاد ، حينها كنا قد علمنا بوجود بعض الأنباء عن مجهول قام بعملية غير قابلة للتفسير مع تضارب المعلومات .
سميث : لكن مالذي جعلكم تعودون إلى ملف هذه الحادثة بهذا الشكل ؟؟
فويتر : آخر ما توصلنا إليه كان العام الماضي... ملف التحقيق الدولي في تلك المدينة يذكر أنه عُثر على عدد كبير جدًا من القتلى في المكان نفسه. لم يكن منطقيًا أن يوجد هذا العدد، من مختلف الانتماءات والجنسيات، متقاربًا إلى هذا الحد !
سميث : هذا غريب ! لم تذكر لنا هذه المعلومات على المنبر قبل قليل ! -ينظر إلى البقية-
وضع فويتر يديه في جيبيه ثم قال :
فويتر : لم تكن هذه المعلومات مهمة حتى اليوم !!!
تدخل ڤوديم و قال :
ڤوديم : نحن أيضًا لدينا اطلاع على هذه المعلومات ، لأن أفرادًا منا كانوا في تلك المعركة ، لكن لم يعد منهم أحد !
فويتر : لم نستمر بالإهتمام بهذه المعلومة إلا عندما توصلنا إلى بعض الأفراد الناجين من تلك المعركة ممن كانوا فالعمل الميداني مع التحالف الدولي ،، كانت هناك حالات نفسية شاعت بين بعض العائدين ، و بمجرد أن حاولنا الوصول إلى أحدهم ،، فوجئنا بتصفيته !!
سميث : بعدها كان جنودنا البريطانيون من ضمن هذه التصفيات ! صحيح؟
فويتر : ليس فقط جنودكم ، حتى أفراد من المارينز ، و أعضاء استخباراتيين أوكران ، كانوا ضمن هذه التصفيات ، إلى أن عثرنا على جندي ألماني تنطبق عليه نفس الصفات ، "اضطرابات نفسية بعد العودة من المهمة".
نظروا جميعًا إلى جثة تيلمر التي أصبحت داخل كيس الجثث ، ثم قال مارك :
مارك : تم قتله قبل أن يبدأ الحديث عما كان شاهدًا عليه في معركة الرقَّة ! هذا يعني أن الفاعل كان يعلم بقدومه إلى هنا منذ البداية !!
اقتربت شارلوت منهم ، و قالت :
شارلوت : إذا كان هناك من قام بتتبعه إلى هنا ، فلماذا لم يقم بمنع وصوله أولًا ؟ لماذا في داخل القاعة و أمامنا !؟
فويتر : إن كنت سأتحدث بحدسي ، فلا شك أنها كانت رسالة !
التفت سميث إليه و قال :
سميث : في مكان معزول كهذا !
شارلوت : أي رسالة تلك ؟
مارك : إنهم يتحركون معنا !!!
أخذ الجميع يتبادل النظرات بشكل مريب ،، ثم قال تشاكيجي :
تشاكيجي : إلى ما ترمي بكلامك ؟ هل تعني أن بيننا جواسيس !!!
مارك : نستبعد ذلك حاليَّا ، جميع معلوماتنا كانت مشتركة و ذات شفافية عالية خاصة بتحركاتنا قبل الوصول إلى هنا ، لا أملك حاليَّا سوى الاشتباه بالحرس !
شارلوت : لقد كنا جميعًا جلوسًا على الطاولة ، و كان الحرس يقف بشكل منتظم ، لم نرى ما يُلفت النظر ...
تذكرت شارلوت شيئًا ،، و أخذت تفتش في وجوه الحرس ،، ثم أسرعت في الالتفات كأنها تبحث عن أحد ،، فقالت لها الفيكونتيسة :
أليساندرا : ماذا بك ! عما تبحثين ؟؟؟
شارلوت : ذلك الشاب !!! إنه غير موجود !!!
اقترب فويتر و مارك منها على عجل فقال فويتر :
فويتر : أي شاب !! تحدثي بسرعة !!
نظرت إلى بعثتها و قالت :
شارلوت : ذلك الشاب ذو الملامح الطفولية ! لقد شاهدنا سويَّا قبل أن يدعونا السيد مارك إلى القاعة !
انتبهت أليساندرا فورا و بدأت تفتش بناظريها ، ثم قالت بدهشة :
أليساندرا : ليس موجودًا !
تحدث فويتر فورا إلى مارك قائلا له :
فويتر : كم عدد الحراس الذين جاؤوا إلى هنا !؟ و من أين !!؟
مارك : عند وصولي إلى هنا ، تحققت من وجود مئة و خمسة عشر فردًا ، أحضرناهم من شركة سيكيوريتاس النمسا !
تداخل بالحوار أحد المحققين الجنائيين و قال :
المحقق : سيد مارك إن عدد الحرس الذين أحصيناهم للتو هو مئة و ثلاثة عشر !
نظر مارك إليه بدهشة ، و التفت إلى البقية ، ثم قال له سميث :
سميث : ما معنى هذا !!؟؟
أخرج مارك من جيبه جهازًا لاسلكيًا و قال :
مارك : إلى تي 4 حول ، كيف الوضع بالخارج ؟
تي 4 : كل شيء مستتب.
مارك : هل غادر أحدكم ؟؟ هل شاهدتم أحدًا منكم يغادر القاعة ؟؟
تي 4 : كلا يا سيدي ، ما زال الجميع في أماكنهم !
أغلق مارك اللاسلكي و قال بغضب :
مارك : حتى لو كانا قد تخفيا بين الحراس ، كيف فعلا ذلك أمامنا و وسط كل هؤلاء ؟؟ كيف لم يلاحظ أي فرد هنا تنفيذ الاغتيال !!؟؟
و بعد صمت دام بضع لحظات ،، صدح فويتر بما يجول في رأسه و قال :
فويتر : إذا كان هذا قد حدث أمامنا و لم نلحظه ، و لم نستطع تفسيره إلى حد الآن ! فهذا يقودنا إلى إحتمال واحد !
سكت فويتر برهة مرر ناظريه على الحضور ثم قال :
فويتر : لست متيقنًا ،، لكن بما أننا لا نملك تفسيرًا حتى الآن ،، ماذا لو كان ذلك "المجهول" ،، هو من كان بيننا قبل قليل !!؟؟
ظهرت علامات الارتياب والقلق على الحضور؛ فقبل لحظات كانوا يتناقشون في معلومات قد تقودهم إلى «المجهول»، والآن وضع فويتر أمامهم احتمالًا لم يخطر لهم: أن هدفهم ربما كان بينهم قبل قليل، دون أن ينتبه إليه أحد. ،،، و هنا توجه أحد المحققين نحو مارك و قال له :
المحقق : سيد مارك ، سوف نعمل على استجواب جميع الحراس المتواجدين داخل القاعة ، ربما شاهد أحدهم شيئًا يلفت النظر.
توجه مارك للحاضرين و قال بصوت جهور :
مارك : ما حدث اليوم من المفترض أن يحسم موقفنا جميعًا! منذ اليوم سنبدأ أعمالنا مع فيستيجوم، ونتمنى من الجميع أن يكونوا على أهبة الاستعداد لأي عمليات مشتركة قادمة. وعليكم أن تأخذوا أمرًا بعين الاعتبار... ربما يصبح أي واحد منا الآن هدفًا قادمًا لمن نفذوا هذه الجريمة اليوم!
فويتر : كونوا على أتم الاستعداد لأي طارئ ، سنتشارك جميع المعلومات التي نتحصل عليها في أسرع وقت ممكن ...
هنا تدخل آنجيلو بينهم و قال :
آنجيلو : ماذا ستفعلون بالجثة !
أمسكت ويزا ذراعه و قالت بصوت منخفض :
ويزا : مالذي تفعله ! دعهم يقومون بعملهم !
فويتر : لماذا تسأل !؟
آنجيلو : لقد قلتم أنكم تحاولون البعد عن أي أمور تجعل عملكم دوليَّا معلنًا ،، لكن هذا السيد المتوفى هو جندي من ألمانيا !
قالت له الفيكونتيسة :
أليساندرا : آنجيلو ! مالذي تحاول قوله !؟
تردد آنجيلو في كلامه و هو يشاهد أنظارهم المتسائلة ، ثم أخذ ابتلع ريقه و قال على مهل :
آنجيلو : لا أعلم إذا كان هذا مفيدًا لكم ،، لكن ،، هذا الرجل قد قابلته سلفًا قبل المجيء إلى هنا ،، كان قد قدم إلى نفس النُّزُل الذي أقيم فيه ، و معه ابنة شابة هناك !!!
اقترب فويتر منه و قال بتساؤل :
فويتر : كيف التقيت به !؟
آنجيلو : كنت خارجا إلى المصعد فوجدته في طريقي مع ابنته ، رافقته لأقدم المساعدة لكنه ذهب بمفرده مع السيارات التي أخذتنا نحو بداية الطريق الموصل إلى هنا.
تبادل الحضور نظراتهم نحو آنجيلو و فويتر ،، ثم قال فويتر للفيكونتيسة :
فويتر : هل تقيمون جميعًا في نفس المكان !؟
أليساندرا : كلا ، نحن متواجدين بالقرب من البلدة ، آنجيلو ذهب إلى ويسيسبيتز لأن نُزُلنا قد امتلأ ، و لكن ، عندما قابلنا ذلك الرجل فالأسفل ، لم نتوقع أنه شخص مهم إلى هذه الدرجة !
آنجيلو : كان يبدو عليه القلق ،، حتى ابنته كانت قلقة جدا عليه ،، لا أعلم كيف سنواجهها بهذا الخبر !!
فويتر : ربما تعلم تلك الفتاة شيئًا !!
مارك : دع ذلك لي ، سنذهب سويًا إلى نُزُلهم ، سنراعي حالتها النفسية اثناء الاستجواب ، و أنت قم بحل أمر الجثة مع السلطات النمساوية.
فويتر : لا تقلق ، أعلم مع من سأتعامل بخصوص هذا الأمر
قام مارك بتوديع ممثلي البعثات الأخرى على عجل ، و طلب من الإينوبيلي البقاء من أجل التحقيق مع ابنة تيلمر ،، فاستقلوا سيارات الدفع الرباعي و تحركوا على عجل نحو أسفل الوادي ، و عادوا بعد ذلك مع سيارات الأودي نحو فندق ويسيسبيتز بحلول الثانية عشر و النصف ظهرًا.
كان آنجيلو أول الخارجين من تلك السيارات و قد قدمت معه أليساندرا و مارك و بعض المرافقين الأمنيين ،، و قبل أن يصعد نحو باب الفندق التفت إلى من خلفه و قال :
آنجيلو : دعوني أمهد لها هذا الخبر أولًا قبل أن تشرعوا في تحقيقكم !
فتسائل مارك قائلًا :
مارك : لما لا تدع هذا الأمر لحضرة الفيكونتيسة !؟
آنجيلو : إنها تعرفني من قبل ، سأكون قادرًا على أن أتعامل مع ردة فعلها بشكل أفضل.
هز مارك رأسه بإيجاب و قال :
مارك : كما تشاء ، المهم أن نستطيع معرفة مالديها من معلومات ...
خلال لحظات صعد الجميع نحو الطابق الثالث نحو غرفة إقامة دامبيير ،، و عندما وقف أمام الباب انتظر للحظات يلتقط أنفاسه ، ثم طرق الباب المرة الأولى ،، فلم يجد ردَّا ، ثم طرق مرة الثانية و انتظر لثوانٍ أكثر ، فلم يجد أي ردّ ، التفت إلى البقية بنظرات قلقة ، ثم طرق المرة الثالثة ،، ابتلع ريقه و نظر إلى مارك و قال :
آنجيلو : هل يمكن أن شيئًا ما حدث لها !!!؟؟؟
فجأة ، فُتِح الباب ببطء واضح ، فنظر آنجيلو بحذر ،، فإذا هي فيروزا ، تبدو عليها علامات التعب و احمرار العينين فقالت فورًا و بصوت مرتبك :
فيروزا : ماذا هناك ؟
بقي آنجيلو ينظر بغرابة إليها ،، مترددًا حول ما بدأ يجول في رأسه ،، ثم قال :
آنجيلو : المعذرة يا آنستي على إزعاجك ، هل أنتي بخير !؟
هزت رأسها بنعم ، و ظهرت و كأنها تتجنب النظر إليهم ، ثم قال لها :
آنجيلو : إذا لم يكن لديك مانع ، لدينا أمر نريد التحدث معك بشأنه !
فيروزا : آأ أي أمر ؟؟
مارك : لا يمكننا التحدث هكذا ، فضلًا اسمحي لنا بالدخول !
و بعد أن سمحت لهم بالدخول و الإجتماع في غرفة الجلوس ، كان آنجيلو قد جلس على مقربة منها مقارنة بالباقين ،، كان ينظر إلى الأرض تارة و إليها تارة و هو يشبك أصابعه و يهز ركبته اليسرى ، ثم تنهد و قال بصوت متردد :
آنجيلو : آنستي ، أرجو أن تهدئي بقدر ما يمكنك فعله بعد الإستماع لما سأقوله !
بدت ملامح فيروزا باردة منكسرة رغم محاولتها تصنع الإستغراب ، ثم قالت :
فيروزا : ماذا هناك ! لما تتحدث و كأن شيئًا سيئًا حدث !!
آنجيلو : لقد عدنا للتو من ذلك المؤتمر ، و والدك ،،،،، قد ،، قد تم اغتياله للأسف !!!
فتحت عينيها قليلا و بدأت شفتيها بالإرتجاف ،، ثم قلبت عينيها إلى الأمام و الأسفل ، و مدت يدها اليسرى ببطء لتضعها على فمها و قالت :
فيروزا : مالذي تقوله !؟ والدي !؟ قد مات !؟
قال آنجيلو بأسف ظاهر و صوت حزين :
آنجيلو : لم أرغب ان اكون من يخبرك ، لكن حدث ما حدث رغما عنا ، لم نكن نتوقع حدوث شيء كهذا البتة !
أغلقت يديها بوجهها و بدأت تبكي بصوت خافت ، اقترب آنجيلو أكثر و حاول ضمها إليه و لكن سرعان ما مدت يديها نحوه لتمنعه من عناقها ،، فقالت و هي تنظر إلى الأرض :
فيروزا : أنا بخير ، أنا بخير
استغرب آنجيلو من تصرفها هذا و حاول أن يتسائل بشأنه ، فنظر إلى أليساندرا فأشارت بعينيها أن يتقبل حالها حتى لا يتسبب بضغط أكبر عليها ،، ثم اقتربت أليساندرا منها و جثت على ركبتيها أمامها و ضمت يدي فيروزا بيديها و قالت :
أليساندرا : أتفهم حزنك حقَّا ، فقدان الأعزاء هو أسوأ ألم يمكن أن نعيشه في حياتنا ،، و لكن مهما كان ذلك مؤلما ، هذا الوداع كان قادما على كل حال ، ليس لدي ما أقوله ، سوى أن أتمنى ان يرقد في سلام.
قالت فيروزا و هي تنظر نحو يدي الفيكونتيسة :
فيروزا : كنت أشعر بأن شيئا ما سيحدث ، لم أصدق قلبي ،، لهذا فقدت والدي ...
أليساندرا : صدقيني كان كل شيء على ما يرام ، ما حدث معنا كان غير قابل للتفسير !
نظرت فيروزا إلى أليساندرا و كأنها تختلس النظر إلى عينيها ، فقاطع نظراتهما صوت مارك الذي قال :
مارك : لقد جئنا إلى هنا لكي نواسيك و نقدم تعازينا إليك ، و لكن نفتش عن أي أثر يمكن أن يفيدنا بحق معاقبة من فعلوا هذا بوالدك !
نظرت أليساندرا إلى مارك نظرة متسائلة مبهمة ، ثم أردف مارك كلامه بقوله :
مارك : يمكنك مساعدتنا بأي معلومة تظنين أنها سبب في اغتيال والدك إذا كان ذلك ممكنا.
ذهبت فيروزا بعينيها بين الحاضرين ، ثم طأطأت رأسها إلى الأرض تنظر و في عينيها هموم جاثمة على روحها ، ثم تذكرت :
تتذكر :
فيروزا : هل تهددني بالقتل !!!؟؟
فوينغل : فيروزا ، من الآن فصاعدًا لن يكون لديك سوى خيارين !
بقيت فيروزا ترمقه بنظرات مرعوبة دون إجابة ، فالتفت إليها و قال بنبرة متصاعدة :
فوينغل : مات والدك و هو لا يعلم لماذا قُتل ، و لم تسنح له حتى فرصة الإختيار ، ذلك كان قدره ، أما أنتِ ، فيمكنك الإختيار ،،، إما قدرك ،، أو قدره !!!
فيروزا : أنا !؟ لماذا تقحمونني بهذا الأمر !!؟؟
فوينغل : لن يكون هناك متسع من الوقت ، ستأتي مجموعة من ذلك المؤتمر بطبيعة الحال و معهم من سيحقق معك ؛ كونك ابنة ذلك الرجل ، لذا ، عليك الإختيار !
فيروزا : مالذي علي اختياره !؟
توجه فوينغل إليها فأخذت تتراجع نحو الحائط ، و قال و هو يقترب :
فوينغل : إما أن تختاري إخبارهم بكل شيء تعرفينه ،، أو إخبارهم بما سأخبرك أنا به !
في ظل خوفها من نظرات و نبرات فوينغل ،، حاولت التفكير في بضع لحظات فيما ستقوله ،، ابتلعت ريقها و استمرت تنظر بين الأرض و عينيه ، ثم قالت و هي مستندة إلى الحائط :
فيروزا : و إذا ، و إذا أخبرتهم بما أعرف ؟
قال فوينغل بنظرات سامة تبث نوايا الشر :
فوينغل : عندها لن تكوني وحدك من ستلحقين بأبيك !!! و لن تسنح لك الفرصة أصلا لتكملي كلامك حينها !!!!
ثم رفع اصبعه نحو وجهها و قال :
فوينغل : يجب أن تكوني ممتنة لنا ، لأنك حصلتِ على فرصة للإختيار !
وقع في نفس فيروزا اليأس ،، و بدأت تلك الصور البراقة و المضيئة في طفولتها تتلاشى مع كل أمل كبرت معه ، ذلك الولد الطموح الذي كانت تعتبره "أول إعجاب" في حياتها ،، و الذي كانت تزور شاهده طوال تلك السنين ،، ها قد عاد اليوم في صورة مظلمة قاتمة ،، عاد دون أي تفسير لما حدث له و لما صار عليه الآن ، استدار عنها و سار نحو الباب ، فقالت له و هي تبكي :
فيروزا : هل هذا هو ما أردت أن تكون عندما تكبر ، ليونارد !؟
توقف فوينغل ، و التفت لها بهدوء و صمت لبضع لحظات ، و قال :
فوينغل : ما أردت أن أكونه !؟
فيروزا : هل هذا ،، هو ليونارد !؟ الذي شاركني أحلامه و طموحاته !؟ لماذا أصبحت هكذا !؟
فوينغل : هذا ما كان يجب أن يحدث ، كان ذلك مكتوبا منذ ولادتي ! الحياة التي عشتها معكم كانت مجرد أوهام لا قيمة لها !
فيروزا : العائلة ، و الأحلام ، لا قيمة له !!؟؟
ثم استقام و مد يديه جانبًا و قال بنظرات باردة :
فوينغل : حياتكم أيها البشر سخيفةٌ جدَّا ، طموحاتكم لا تتعدى مجرد عمل ، و منزل ، و شريك حياة ، تلك الحياة ،، لا يمكنها أن تغير شيئًا في هذا العالم !!
و هنا ، توقفت فيروزا عن البكاء و بقيت تنظر إليه بغرابة مطوَّلا ، ثم قالت :
فيروزا : ماذا تقصد ! لماذا يجب أن تغيّر حياة أحدهم شيئًا !!؟؟
بقي فوينغل ينظر إليها بشكل مبهم ، ثم قال :
فوينغل : لو علم والدك السبب الذي مات لأجله ، فسوف يكون راضيًا بذلك ...
صمتت فيروزا طويلًا ثم سارت ببطء نحوه و وقفت تنظر بحزن و أمل يتلاشى من عينيها فقالت و هي تهز رأسها و تنظر نحو الأرض :
فيروزا : كل شيء يبدو و كأنه كذبة ،،، لم أعد قادرة على معرفة أي شيء ...
فقال لها فوينغل و هو يمد يده اليمنى و كفه نحو الأعلى :
فوينغل : تقبلتِ موت والدك أسرع بكثير من تقبلك لمن أكون ، هيا ،، قرري الآن !
عودة :
نظرت فيروزا نحو الفيكونتيسة و أخذت نفسها ، ثم مسحت دموعها فترددت قليلاً و قالت :
فيروزا : والدي ، كان قد عاد من مهمة مع التحالف الدولي ، كان مصابا باضطراب ما بعد الصدمة PTSD ، كان يهلوس في أول أيام عودته بشيء لم نفهمه ،، تراجعت تلك الاعراض فيما بعد ، و لكن ،،
قال مارك بصوت متعجل :
مارك : ثم ماذا !
أشارت أليساندرا بيدها تهدئ من عجلة مارك ، فتابعت فيروزا قائلة :
فيروزا : عندما وصله الإتصال الذي كان لأجل هذا المؤتمر ، عادت إليه بعض علامات الاضطراب ،، فقررت الجلوس معه ، ثم قال لي ، أن سبب قلقه و خوفه طوال تلك الشهور بعد عودته هو ...
سكتت و هي تنظر إلى يمينها و تضع يدها على رقبتها ، فقال لها آنجيلو :
آنجيلو : ماذا قال ؟؟
و كان مارك مشدودًا ينتظر إجابتها ، لكنه استمر في صمته لتتحدث دون ضغط ، ثم قالت :
فيروزا : في موقع المهمة ، كان قد شاهد أفرادًا مجهولين !
نظرت الفيكونتيسة إلى مارك ثم قالت لها بهدوء :
أليساندرا : هل أخبرك بأي تفاصيل عنهم !؟
فيروزا : قال بأن عددهم كان كبيرًا ، يرتدون نفس الزي ،، كانوا يبحثون عن الجثث و يجمعونها في شاحنات ،،،،، لقد سمعهم يتحدثون عن مشاريع ،، و تجارة داخل أوروبا بتلك الجثث !
صُدم مارك بهذا الكلام و كأنه انتظر كلامًا غيره ، ثم اقترب منها و قال :
مارك : جثث ؟؟ ألم يتحدث عن مجهولين يملكون قدرات غير قابلة للتفسير !؟
ظهرت الإستغراب على فيروزا و قالت :
فيروزا : ماذا تعني بغير قابلة للتفسير !!؟؟
أليساندرا : ألم يحدثك عن أي مجهولين يبدون بقدرات غير طبيعية !؟
قلبت فيروزا نظرها بينهم و قالت :
فيروزا : مالذي تتحدثون عنه ؟
نظرت الفيكونتيسة إلى مارك الذي وضع يده اليسرى على جبهته و أغلق عينيه ضجرًا مما سمع ،، ثم قال آنجيلو :
آنجيلو : آنستي ، أعلم انك تمرين بوضع صعب لوفاة والدك ، لكن أي معلومات تتذكرينها قد تفيدنا كثيرًا في الوصول لمن جنوا على حياة أبيك !
تنهدت فيروزا و وضعت يديها بين خصلات شعرها مستندةً بمرافقها على ركبها ، ثم قالت لها الفيكونتيسة :
أليساندرا : لا نريد أن نضغط عليك ، إذا كانت لديك أي معلومات أخرى يمكن أن تخطر على بالك ، سيمكنك التواصل معنا لاحقًا ...
بعد لحظات أبعدت فيروزا يديها عن وجهها و نظرت إلى الفيكونتيسة ،، ثم نظرت و قالت :
فيروزا : كلا ، هذا كل شيء أتذكره ...
قال لها مارك :
مارك : يا آنسة ، هل هذا قطعًا هو كل شيء ؟ هل أنتِ متأكدة !؟
نظرت فيروزا له بنظرات مرتبكة و قلقة ، ثم قالت :
فيروزا : نـ نعم ، نعم هذا كل ما أعرفه ...
نهضت أليساندرا و قالت :
أليساندرا : حسنًا ، هذا كل شيء ، نتمنى أن تعذرينا على توقيتنا لهذه الأسئلة .
فيروزا : لا بأس ، لا بأس على كل حال ...
وقف آنجيلو بجانبها و قال :
آنجيلو : كيف ستعودين إلى بلادك ؟! هل تحتاجين أي مساعدة !؟
فيروزا : لا لا داعي لذلك ، لدي تذكرة لرحلة العودة ، كان من المفترض أن تكون مع أبي .
نظر آنجيلو إليها بحزن ، ثم وضع يده على كتفها و قال :
آنجيلو : ربما طريق العودة ليس آمنا لك ! دعينا ..
أبعدت فيروزا يده بهدوء و قالت له :
فيروزا : ممتنة جدَّا لاهتمامك ، لكن لا داعي لذلك ،، سأكون بخير ...
نظر مارك إليها بتساؤل و قال :
مارك : هل أنتِ متأكدة ؟ لقد استهدفوا والدك اليوم ! مالذي يمنع من استهدافك !؟
لم ترد فيروزا على كلامه ، نظرت إليه قليلا ثم تهربت ببصرها إلى آنجيلو و الفيكونتيسة ، ثم قالت :
فيروزا : أعني ، لماذا يستهدفونني ! ماذا فعلت لهم ؟!
آنجيلو : نحن لا نعلم الكثير ، لكن الذين قاموا باغتيال والدك يمكنهم الوصول إلى أي مكان ! لذا نخشى أن يستهدفوك للسبب نفسه الذي استهدفوا أباك من أجله!
اقتربت الفيكونتيسة و وضعت يديها على كتفي فيروزا و قالت :
أليساندرا : إنه مجرد إجراء احترازي لأجل سلامتك ، نرجو أن تتفهمي ذلك.
نظرت فيروزا إلى أليساندرا مطولًا ، ثم قالت :
فيروزا : حسنًا ، كما تريدون ...
مارك : جيد ، سننتظر انتهاء إجراءات جثمان السيد تيلمر ، و بعدها سنتحرك إلى ألمانيا فورا.
السادس من مايو 2018 :
كان فويتر قد اتصل بفرد ذو منصب رفيع داخل الحكومة النمساوية ، و أجرى معه مباحثات و ترتيبات بخصوص وفاة الجندي الألماني تيلمر دامبيير قبل بضع أيام ، حتى يتسنى لهم التنسيق بشكل سري مع أفراد من الحكومة الألمانية دون تصعيد ، و في نفس الوقت ، كان يشرف على أعمال تحليل و تشريح جثة تيلمر قبل إرسالها لمعرفة سبب الوفاة ،، في حدود التاسعة صباحًا من هذا اليوم ، كان قد وصل إلى معهد الطب الشرعي في جامعة انسبروك بترتيب مباشر من الحكومة النمساوية حيث تم تفريغ قسم السموم الجنائية لبضع أيام حتى ينتهي فويتر و فريقه من فحص الجثة و انشاء تقرير طبي شامل يتم تسليمه لقيادة القوات المسلحة الألمانية ، ذهب فويتر ليقابل استشاريًا قديمًا فالطب الشرعي هو دافيد نوابا ، و قد حضر مع الاستشاري رئيس قسم السموم الجنائية ليندوف هيبرت ،، و كانا قد استقبلاه في مكتب رئيس قسم السموم الجنائية على انفراد معه.
اغلق نوابا باب المكتب عليهم و جلسوا في أماكنهم أمام هيبرت الذي كان يمسك بحزمة من الأوراق في ملف واحد ، ثم مد الملف إلى نوابا الذي استهل حديثه بقوله :
نوابا : حسنًا بما أن لدينا خبرًا مسبقا أنك على عجلة من أمرك لن نتوسع في الحديث عن التفاصيل ، كما تعلم وصلنا جثمان الرجل و التشخيص المبدئي هو موت سريع في موقع الوفاة مع وجود إبرتين في عنقه من الجهة اليسرى أسفل الأذن ، و بعد أن قمنا بجميع التحليلات التشريحية اللازمة تبين لنا أن تلك الإبرتان دخلتا إلى الشريان السباتي بعمق تجاوز سنتمترًا واحدًا ، لكن ذلك لم يكن سبب الوفاة المباشر !
فويتر : لقد رأيت احمرارًا واضحًا على محل الإصابة قبل وفاته ،، لذا خمنت منذ ذلك الحين أن تلك الإبر كانت تحوي مادة ما.
نوابا : حدثت الوفاة سريعًا بحسب نتائج التحاليل لأن خثرة حادة تشكلت في الوعاء المصاب ، مع اضطراب شديد في التروية و لكنها بمفردها، لا تفسر سرعة الوفاة ،، نتائج تحليل السموم تشير إلى أن عاملًا ما دخل دمه و أحدث تأثيرًا جهازيًا متزامنًا ما نرجحه هو أن الرجل قد تعرض لاضطراب حاد في الدورة الدموية ، ترافق مع خلل شديد في الوظيفة الكهربائية للقلب ، و خلال دقائق انهارت التروية الدماغية والنتاج القلبي ، ثم حدث توقف الدوران ، و حتى نتحقق من سبب تشكل الخثرة و تزامنها مع خلل وظائف القلب ، أرسلنا عينات متعددة لقسم فحص السموم الجنائية عند السيد هيبرت .
شبك هيبرت اصابعه ثم بدأ حديثه فقال :
هيبرت : قمنا بتحليل السموم لعينات متعددة من جسد المتوفى ، و كررنا ذلك ثلاث مرات منذ وصوله إلينا ، و وجدنا مادة شديدة السمية يرجح الطب الشرعي أنها سبب الوفاة !
فويتر : ما نوع تلك المادة !؟
هيبرت : ذيفان !
فويتر : ذيفان ؟ ماذا تقصد !؟
هيبرت : المواد السامة التي تنتج من المخلوقات الحية ، تسمى ذيفان !
استغرب فويتر بشدة و هو يقلب ناظريه بين هيبرت و نوابا و قال :
فويتر : لم أفهم ! كيف وصلت مادة كهذه إلى الضحية !؟
أومأ هيبرت برأسه بعدم المعرفة و قال :
هيبرت : هذا هو السؤال ! حتى مع تكرارنا للتحاليل وصلنا إلى نفس النتائج ، هناك ذيفان شديد دخل إلى جسد الضحية و تسبب بأضرار جسيمة في وقت قصير ، بناءً على فارق التوقيت بين لحظة التعرض و لحظة الوفاة ، و الأغرب ، هو أننا لم نستطع التعرف على نوع هذا الذيفان !
فويتر : بحق الرب ! لم تتعرفوا عليه !؟
هيبرت : أمضيت في هذا العمل قرابة الثمانية عشر عامًا ، حفظت عددًا كبيرًا من أشكال السموم الكيميائية أو الحيوية ، لكنني لم أرى في حياتي كهذا الذيفان !
فويتر : لماذا ؟ مالذي منعكم من تحديد نوعه ؟
هيبرت : لأننا نحدد ما نجده بالمقارنة، نستخلص خصائص المادة ، ثم نطابقها مع ما نعرفه وما هو موثّق لدينا ، و هذه المرة لم نحصل على أي تطابق.
فويتر : ولا أي نوع ؟ من المهم أن نصل إلى نوع السم لأنه سيفيدنا في عملنا !
هيبرت : ما يسعني قوله ، هو أننا وجدنا أوجه تشابه ، بعض خصائصه تذكّر بذيفانات موجودة لدى بعض الزواحف ،، و لكن التركيب ككل لا ينتمي إلى شيء استطعنا تحديده ،،، باختصار ،،، أستطيع أن أخبرك بأنه ذيفان شديد التأثير ، وأستطيع أن أصف لك بعض ما فعله ... لكن إذا سألتني ما اسمه، أو من أي كائن جاء، فليست لدينا إجابة لهذا !
أكمل نوابا عنه و قال :
نوابا : بحسب التوقيت الذي زودتمونا به، لم تفصل بين تعرضه للمادة ووفاته سوى اثنتي عشرة دقيقة على أقصى تقدير ، وهذا ،، مع ما وجدناه في الدم والأنسجة ،، يدل على تأثير سُمّي حاد وسريع للغاية ، لذا -يمد الملف إلى فويتر- الذيفان المذكور في تحاليل قسم السموم الجنائية ، هو سبب الوفاة المباشر .
صمت فويتر لبضع لحظات ثم مد يده ليستلم الملف من الدكتور نوابا ،، و رمق الملف بنظرات متسائلة لثوان ، ثم توجه لنوابا و قال له :
فويتر : القضية أصبحت أشد تعقيدًا ،، و لكن ...
سكت قليلا و فكر ثم قال :
فويتر : ماذا لو كان هذا الذيفان معدلًا جينيا ؟
نوابا : ماذا ؟ -ينظر لهيبرت-
فويتر : افترض أن هذا الذيفان ، قد تم تعديله جينيًا ! هل هذا ممكن ؟
ظل هيبرت ينظر إليه و ينظر إلى الطاولة ، ثم قال :
هيبرت : ليس الذيفان نفسه ، بالمعنى الدقيق ،، إذا كان بروتينًا فمن الممكن تعديل الجين المسؤول عن إنتاجه ، أو بصورة أخرى هندسة الخلايا التي تنتجه ،، عندها تحصل على ذيفان بتركيب مختلف عن نظيره الطبيعي.
فويتر : وهل يوجد شيء كهذا ؟؟
هيبرت : تعديل البروتينات وإنتاجها بالهندسة الوراثية ؟ طبعًا ! هذه ليست تقنية جديدة ، لكن هذا لا يعني أن ما وجدناه هنا صُنع بهذه الطريقة ، و أيضًا ،، لم يسبق أن صادفت ذيفانًا طبيعيًا بهذا التركيب ، فضلًا عن نسخة مُهندسة منه بهذا التأثير !
رفع فويتر التقرير و قال :
فويتر : هل يمكن أن يفسر عدم قدرتكم على تحديده !؟
تردد هيبرت قليلًا ثم أجاب :
هيبرت : يمكن أن يفسر عدم مطابقته لذيفان طبيعي معروف مسبقًا ،، نعم ،، لكننا سنحتاج إلى أدلة أخرى قبل أن نسميه ذيفانًا تمت هندسته !
فويتر : وما الذي تستطيع قوله الآن؟
نهض هيبرت من مكانه و سار ببطء واضعًا يديه في معطفه و قال :
هيبرت : فرضيتك ممكنة من حيث المبدأ ، أكثر من ذلك سيكون تخمينًا ...
ثم تسائل هيبرت فجأة و قال :
هيبرت : لكن أذهلني حقَّا قفزك المفاجئ فالاستنتاج حول نوع الذيفان ، هل لديك معرفة مسبقة بالتعديل الجيني !؟
سكت فويتر و بدا عليه التحفظ و قال :
فويتر : كلا ،،،، مجرد تخمين ......
الثامن من مايو 2018 :
هبطت الطائرة الخاصة التي كانت تقل شارلوت في مطار أمبير- لو بواييه المدني في فرنسا عند السادسة و الربع مساءًا ،، بعد أن أنهت أعمالها في مؤسسة إينوبيلي الأمنية التي كانت فالنمسا قبل عدة أيام ، و من ثم خرجت ابنة الثمانية عشر ربيعًا نحو سائق يقف بجانب سيارة خاصة كانت قد أوصت بتجهيزها قبل وصولها ، و هنا ، وردها اتصال هاتفي قبل وصولها إلى السيارة ، فأخرجت هاتفها لتنظر ،، ثم ردت على الفور فقالت :
شارلوت : مرحبًا أبي ! هل أخمن سبب اتصالك بي الآن ؟
والدها : على رسلك يا ابنتي ، لماذا تطلبين سيارة خاصة إلى آرلان دون علمي !؟
شارلوت : كيف علمت بهذا !؟ نزلت للتو من طائرتي !!
والدها : -يضحك- هل هذا غريب علي ؟
شارلوت : لا ، و لكن ليس إلى هذه الدرجة !
والدها : أين وجهتك ؟
شارلوت : إنها جوليت...
والدها : اوه نعم ، لقد نسيت ، هل هي بخير !؟
شارلوت : إلى حد ما ، ربما قد تحتاج وقتًا أطول لتتجاوز ما حدث.
والدها : هل ستحتاجين إلى مرافقين !؟
شارلوت : أبي إنها شارلوت !
والدها : حسنا و لكنها ابنتي ! -يضحك-
شارلوت : يجب أن تخشى على الآخرين أكثر مني ، هيا سأراك فور عودتي ، أرسلت قبلاتي وداًعا.
أغلقت الخط و استقلت سيارتها مع سائق خاص فتحركوا فورا من مطار أمبير-لوابييه إلى الطريق دي 906 جنوبًا ،، كان الجو ماطرًا بشكل خفيف و يمهد ليتشكل الضباب على بعض جوانب الطريق ، و لأن المطر تسبب بصعود بعض الطين إلى الطريق فقد كان السائق يقود بسرعة منخفضة نسبيًا.
قضت شارلوت تتأمل المناظر حولها في ذلك الطريق ،، و بدت غارقة في ذكرياتها الحزينة وسط تلك الأجواء الماطرة و الضبابية ،، فجأة انتبهت إلى أن السائق قد توقف تقريبًا عند تقاطع طريق "لا نوت" ،، فتسائلت :
شارلوت : ماذا حدث !؟ لما توقفت !؟
السائق : سيدتي توجد أعمال على الطريق ، يخبروننا بتغيير المسار اضطراريا.
شارلوت : و أين هو الطريق إلى آرلان ؟
السائق : سأحاول أن أذهب مع جدول مونس و انعطف من الداخل نحو البلدة.
انعطف السائق مرورًا بطريق جدول مونس المملوء بالأشجار الطويلة ، أصبح الطريق ضبابيا أكثر مع مرور الوقت بسبب كثافة الغطاء الشجري ، كان هذا المنظر مدهشًا للغاية بالنسبة لشارلوت ، وصل السائق إلى المنعطف الذي يعود منه ، و بدل أن يكمل طريقه يسارًا إلى مسار "لي بونت" انعطف يمينًا إلى عمق غابات جدول مونس باتجاه الغرب حتى وصل إلى "شاتو دو مونس" القلعة التاريخية القديمة ،، فانعطف عنها إلى المسار الأيسر مع طريق "مونس" حيث باتت الأشجار شديدة الكثافة على جانبي المسار ،،، بدأ المطر يشتد ، فقرر السائق التوقف بجوار مسطح مائي صغير ، ثم التفت إلى شارلوت و قال :
السائق : سيدتي ، سننتظر قليلا حتى يهدأ المطر ، ذلك لسلامتنا أثناء السير.
تنهدت شارلوت ، ثم أمسكت حقيبتها و أخرجت مظلة سوداء ، و فتحت الباب و قالت له :
شارلوت : إذن ابقى هنا بينما سأتمشى حول هذه البحيرة ، هذه الأجواء تروق لي .
السائق : حاذري أن تبتعدي ، الضباب ما زال شديدًا .
سارت شارلوت قليلًا نحو حافة البحيرة ، ثم اتكأت على السياج وأخذت تحدق في المياه التي غشاها الضباب ،، ظلت ساكنة للحظات ، قبل أن تنسلّ إلى ذاكرتها صورة لم تفارقها منذ ثماني سنوات ... والداها داخل المستشفى، والساعات الأخيرة التي أعقبت ذلك الحادث الأليم ،، كانت يومها مجرد طفلة، أصغر من أن تستوعب معنى الموت والفراق. كبرت بعد ذلك وهي ترى أقرانها في المدارس الخاصة التي درست فيها ينعمون بوجود آبائهم، بينما ظل ذلك الفراغ يرافقها عامًا بعد عام.
وفجأة ، قطع حبل أفكارها صوتٌ مخيف انبعث من بين الأشجار، بالقرب من الطرف الأيمن للبحيرة ،، رفعت رأسها والتفتت نحو مصدره ،،، شيء ما كان يحتك بالأرض ! رافقه صوت تمتمات غليظة ، أشبه بزمجرة متقطعة ! ظلت تحدق في الأشجار دون أن ترى شيئًا بسبب الضباب ورغم حداثة سنها وخبرتها في العمل الأمني، تسلل إليها شعور لم تستطع تجاهله ،، الخوف ،، وضعت يدها على خصرها و اتجهت نحو اليمين من السياج ، و رغم أن الهطول كان قويَّا ،، الا أنه لم يمنعها من الاستماع إلى تلك التمتمات التي كانت تقترب منها شيئًا فشيئًا ،، إلى أن استطاعت أن ترى بعينيها ذلك الجسد الطويل الذي ظهر بين الضباب و أغصان الشجر ،، تملكها خوف غريب ,, و ازداد توترها ، فنادت قائلة :
شارلوت : من هناك !!؟؟؟
لم تكن هناك إجابة ، اقتربت و حاولت التركيز أكثر ، فسمعت تلك التمتمات بوضوح :
وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الآثِمِ، نَسْلِ فَاعِلِي الشَّرِّ، أَوْلاَدِ المُفْسِدِينَ !
لَقَد تَرَكُوا الرَّبَّ، اسْتَهَانُوا بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ، ارْتَدُّوا إِلَى وَرَاءٍ !
عَلَى أَيِّ مَوْضِعٍ أَضْرِبُكُمْ بَعْدُ؟ لِمَاذَا تُوَاظِبُونَ عَلَى التَّمَرُّدِ؟
إِنَّ الرَّأْسَ بِجُمْلَتِهِ سَقِيمٌ وَالْقَلْبَ بِكَامِلِهِ مَرِيضٌ ، رَأسٌ ليسَ بِهِ إيمَانٌ
يَجِبُ تَطهِيرُه ! رَأسٌ ليسَ بِهِ إيمَانٌ يَجِبُ تَطهِيرُه !
ظهر قائل تلك العبارات من بين الأشجار ، و لأول مرة في حياتها ،، تشعر شارلوت بهكذا رعب يجتاح كيانها ! شاهدت أمامها امرأة ذات قامة طويلة ، ترتدي ملابس سوداء بالية ، على يدها اليسرى سبحة خرز تنتهي بصليب "باتيه" و تضع على رأسها حجابا تلفه على وجهها فلا يظهر سوى بعض خصلات شعرها المبتل و عينيها الحادتين ، و بأقدامها الحافية ، كانت تمسك بمنجل قديم صدئ قد علقت طرفه بجثة ! كانت قد خرجت بعض أحشاء تلك الجثة إلى الخارج !
بدأت شارلوت تتنفس بسرعة ، و أمسكت بسلاحها و وجهت نحو تلك المرأة و قالت :
شارلوت : من أنتِ !؟ لماذا فعلتي ذلك بهذه الجثة !؟
التفتت المرأة إليها بنظرات مرعبة فاتحة عينيها على أقصى اتساع ، و ردت عليها قائلة بصوت مزمجر غاضب :
المرأة : لن تبيضّ خطايانا إلا بالدم النجس !
شارلوت : ماذا تقولين !؟
فجأة بدأت الهمسات تكثر حولها ، و بدأت تلمح من خلف تلك المرأة من بين الأشجار ، ظلالًا واقفة ، ترافقت معها همهمات تردد :
وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الآثِمِ ! وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الآثِمِ !
ارتبكت شارلوت أكثر ، حتى شعرت كأنها تهتز في مكانها , ترددت كثيرًا و هي تنظر نحوهم ، فأخذت تتراجع و هي تتنفس بسرعة ، أعادت سلاحها إلى خصرها ، و فجأة شعرت بيدٍ تلمس كتفها فصرخت عاليًا و هي تمسك بتلك اليد ! فوجدت السائق خلفها ممسكًا مظلته و قد ارتاع من صراخها فقال لها :
السائق : ماذا بكِ سيدة شارلوت !؟ هل أنتِ بخير !!؟
حاولت أن شارلوت تخفيف سرعة أنفاسها ، بعد أن سقطت منها مظلتها و ابتلّت بالكامل ، و أخذت تتلفت إلى البحيرة ثم إلى السيارة و إلى السائق ، ثم قالت و المطر ينحدر على شعرها و وجهها:
شارلوت : هناك غرباء هنا ! علينا الذهاب من هنا بسرعة !
السائق : غرباء !؟ ماذا تقصدين سيدتي !؟
التفتت شارلوت إلى جهة الأشجار حيث كانت تلك المرأة ، فلم ترى شيئًا !! فتحركت قليلًا نحو تلك الأشجار لترى بوضوح ، فلم تجد أي أثر لأحد ! فقالت :
شارلوت : غير معقول ! لقد رأيتها بعيني !!
السائق : من تقصدين !؟ من رأيتِ هنا !؟
قالت و هي تشير إلى الأشجار بطرف البحيرة الأيمن :
شارلوت : ألم تشاهد أحدًا في ذلك المكان !؟
السائق : سيدتي ! هل أنتِ بخير حقَّا !؟ بدأت أقلق عليك !
بقيت شارلوت تفحص ببصرها في أطراف البحيرة ، و وضعت يدها اليمنى على رأسها و قالت في نفسها :
شارلوت : لا يمكن ، أنا لم أكن أتوهم ذلك إطلاقًا !!!
التقطت انفاسها و عادت تتفحص محيطها مرة أخرى ، ثم دنت لتأخذ مظلتها فأغلقتها ، ثم قالت له :
شارلوت : أنت لم ترى أي شيء إطلاقًا صحيح ؟
السائق : كلا ! لا زلت أحاول فهمك سيدتي ...
رمقت بنظرات حائرة لبضع ثوان تحت الهطول ، ثم تحركت نحو السيارة و قالت :
شارلوت : تحرك ببطء نحو الطريق الأيسر ، لن ننتظر أكثر .
السائق : قد تكون هناك مخاطرة ، لكن كما تريدين .
تحرك السائق فورًا و سار بسرعة لا تتجاوز الثلاثين كيلو مترًا على الأكثر ،، خلال سيره كانت شارلوت تراقب من حولها طرفي الطريق بين الأشجار و الضباب آملة في أن ترى شيئًا يؤكد لها ما رأته قبل قليل ،،،، استمر السير قرابة الخمس دقائق حتى تبدد الضباب و دخلوا إلى بلدة آرلان التي كانت في حالة هدوء طبيعية جراء الهطول ،، و خلال دقائق وصلوا إلى شارع الحادي عشر من نوفمبر حيث كانت هناك مجموعة من الأبنية المتقابلة ، فنزلت شارلوت و طلبت من السائق إيجاد مكان يستقر فيه حتى تنتهي من عملها و سلمت إليه مبلغًا من المال ،، و ذهبت إلى مبنى يقابله موقف سيارات مكشوف ثم طرقت الباب على عجل ،، فسمعت صوت فتاة تقول :
الفتاة : من هناك ؟؟
شارلوت : افتحي الباب يا جوليت، من الجيد أن أسمع صوتك نشيطًا هكذا !
فتحت الباب فتاة ذات شعر برتقالي و عينان خضراوتان و ملامح سلافية ذات نمش كثيف على وجنتيها ، ظهرت عليها الفرحة العارمة و هي تستند على عكاز ذو مسند للمرفق ، فقالت :
جوليت: شارلوت ! هل أنتِ جادة !!؟؟ أنتِ تأتين لزيارتي أنا ؟؟
اندفعت شارلوت بهدوء نحوها و قامت بعناقها بشدة ، و قالت بصوت به رجفة :
شارلوت : اشتقت إليك كثيرًا يا عزيزتي ...
فضمتها هي الأخرى و قد بدأت بالبكاء فقالت :
جوليت: ماذا حدث لك ! لماذا أنتِ مبللة هكذا !؟
بعد أن انتهيا من العناق أمسكت جوليت كتفي شارلوت فنظرت لها من الأعلى إلى الأسفل و قالت :
جوليت: ماذا بك ؟
نظرت شارلوت إليها بنظرة حانية و قالت :
شارلوت : ماذا بي !؟
جوليت: هذه ليست عادتك ! شارلوت لا تحب العناق ! لماذا تبدين حنونة هكذا !؟ -تدافع العبرات-
ضحكت شارلوت بعفوية ثم ضمتها إليها مرة أخرى و قالت :
شارلوت : ربما شارلوت أطالت الغياب عنكِ ! و ربما هذا نوع من الإعتذار ...
ردت جوليت بصوت ضاحك و قالت :
جوليت: نعم هذه هي شارلوت ! لا يمكن أن تكون صريحة .
أمسكت شارلوت بذراع جوليت اليمنى و وضعتها على كتفها هي لتسندها عليها ثم قالت :
شارلوت : منزلك فارغٌ على غير العادة !
ثم تحركتا معًا إلى غرفة المعيشة فقالت جوليت:
جوليت: والدتي ما زالت على رأس العمل في كليرمون فيران ...
شارلوت : حتى مع علمها بما حدث لك !!!؟؟
سكتت جوليت قليلا و نظرت نحو الأرض , فتنهدت شارلوت و قالت بنبرة معاتبة :
شارلوت : لا أصدق أنكِ ... كيف تفعلين هذا بنفسك !!!؟؟
جوليت: لم أستطع قول أي شيء لها ... لا يمكنني جعلها تترك عملها ، لأنها ستقع فالدين مرة أخرى بسببي.
شارلوت : جوليت ! لقد كانت إصاباتك خطرة ! و أيضًا ،،، ألست صديقتك !؟
توقفت الفتاتان تنظران لبعضهما البعض لثوانٍ ، ثم اخفضت جوليت عينيها و قالت :
جوليت : لم أكن واعية على نفسي ، لكن ليسلم والدك ، هو من تدخل و أنقذ حياتي !
نظرت شارلوت إليها بقلق ثم قالت :
شارلوت : تقولين أبي !؟
جوليت : لقد تكفل بكل شيء ، و طلب مني ألا أخبرك ...
أكملت شارلوت السير معها و أجلستها على الأريكة الكبرى في الغرفة ثم جلست بجانبها و أمسكت بيدها اليمنى ، ثم قالت لها :
شارلوت : هل يعرف أبي شيئًا !؟
جوليت : لم أكن صادقة معه ...
شارلوت : إذن ستخبرينني ؟!
جوليت : لا أعلم إن كنتِ ستصدقين ما سأقوله !
شارلوت : أعتقد بأنّي في حال تجبرني على تصديقك .
نظرت جوليت في عيني شارلوت مطولًا و شعرت بأن هناك أمرًا ما بها ، فتسائلت :
جوليت : ماذا تقصدين ؟ ماذا حدث لك !؟
شارلوت : تحدثي أولًا !!
سكنت جوليت للحظات و أشاحت بناظريها إلى الأرض ، ثم قالت :
جوليت : لا أتذكر كل شيء
شارلوت : عليك التحدث على كل حال .
جوليت : قبل ثلاث أسابيع ، ذهبت إلى لا بوسدوني عند خالتي لأنني لم أرها منذ زمن بعيد ، خالتي تحب الصلاة فالكنيسة بشكل أسبوعي و لديها في تلك القرية كنيسة سان جاك ، تذهب إليها أحيانًا.
ثم سكتت للحظة ، و التفتت إلى شارلوت ثم تابعت قائلة :
جوليت : خالتي كانت قد أخبرتني أنه فالآونة الأخيرة بدأت ترى مجموعة من الأفراد يأتون إلى تلك الكنيسة ليلًا و يرتلون الصلوات بصوت عال مثير للريبة !
شارلوت : مجموعة ؟ ألا يعرفهم أحد !؟
جوليت : لا أعلم ، خالتي رأتهم في إحدى الليالي و هم يرتدون أقنعة سوداء على رؤوسهم و عليها صليب و ثيابا بيضاء طويلة ، وبسبب فضولي، ذهبت في تلك الليلة لأرى ما يفعلونه داخل الكنيسة!
شارلوت : ماذا حدث !
بدت جوليت مضطربة ، و أبعدت شعرها عن عينيها ثم قالت :
جوليت : كان المكان مظلمًا لأنهم أطفئوا الأضواء ، بدأت أسمع ترانيمهم ، لقد كانوا يرددون عبارات عنيفة و قاسية ! و لسذاجتي ظننت أن هذا طقس لطائفتهم ، ثم أغلق أحدهم الباب من خلفي ! و ...
قالت شارلوت بقلق :
شارلوت : و ماذا !
جوليت : قبل أن ألتفت إليه ،، طوقني بذراعه بقوة ،، حاولت الصراخ فإذا به يغلق فمي بيده ، و بعدها شاهدتهم ينهضون و يتجهون إلي ، ثم بدأوا بضربي !! لقد فقدت صوابي و لم استطع ادراك ما حدث ، شاهدت السقف و هو يتلاشى و أفراد يقفون حولي ،، هذا ما أتذكره .
شارلوت : هكذا !!؟؟ دون أن تعرفي من هؤلاء و لما فعلوا بك ذلك !؟؟
جوليت : لقد خفت كثيرًا يا شارلوت ، منذ أن استيقظت في مستشفى أمبير و أنا أرى تلك المشاهد في منامي ، جلس والدك معي مرتين و سألني عما حدث ، حاولت أن أشرح له ما تذكرته ، و ربما ما قلته له يومها أكثر مما قلته لك الآن .
فكرت شارلوت قليلاً ثم قالت :
شارلوت : هل يمكنك تذكر أي شيء حول الشخص الذي أمسك بك من الخلف ؟ أي شيء ؟ا
دارت بناظريها لبضع لحظات ثم قالت :
جوليت : لا أعتقد أنني لاحظته ، لكن عندما وضع يده على فمي ، كانت عليها ما يشبهه ،،، خرز يتدلى منها صليب !!!
اعتدلت شارلوت في جلستها ، و توقفت تتذكر ما حدث داخل الغابة ، ثم قالت :
شارلوت : هل قال شيئا عندما أمسك بك ؟
جوليت : لا أتذكر ، ربما قال ، من شدة خوفي فقدت التركيز على كل شيء
قبضت شارلوت يديها فوق ركبتيها و قالت :
شارلوت : لقد كانت امرأة !
جوليت : ماذا ؟
شارلوت : قبل أن أصل إلى هنا ، كنت قد توقفت قليلا بسبب المطر ،، و عندما خرج...
قاطع حديثهما صوت صراخ عال فالخارج يقول :
النجدة ! أريد إسعاف ! لا أريد الموت !
و بسرعة نهضت شارلوت مسرعة إلى الباب و فتحته لترى مصدر الصوت ، نظرت يمينًا و يسارًا فلم تجد أحدًا ، فسمعت صوته مرة أخرى مع سعال شديد ،، و بدأ السكان المجاورون يخرجون واحدًا تلو الآخر لمعرفة ما يحدث ، خرجت شارلوت قليلا بعد الحائط الذي خلفه مواقف السيارات فوجدت رجلًا ينزف بشكل مروّع و بعض أحشاءه قد ظهرت إلى الخارج !! أصيبت شارلوت بالروع و عاد ذلك المنظر فالغابة إلى مخيلتها ،، ثم تحركت مع بعض السكان مسرعين إلى الرجل الذي بدأ يتهاوى بسبب النزيف ، أمسكه أحدهم و كان شابا طويل القامة نحيل الجسد ذو ملامح تشبه الآسيويين و قال بصوت عال :
الشاب : اتصلوا بالإسعاف! وأحضروا شاشًا معقمًا ومحلولًا ملحيًا وبطانية، بسرعة!
أمسك ذلك الرجل المصاب قبل سقوطه و ساعده على الاستلقاء على الأرض بحذر ، ثم نظر إلى الإصابة و قال :
الشاب : تمدد بهدوء ،، أنا معك ، سيصل الإسعاف قريبًا ...
قالت له شارلوت :
شارلوت : هل سيكون لدينا الوقت الكافي !!؟؟
الشاب : أتمنى ذلك ...
فجأة بدأ ذلك المصاب يقول بصوت متقطع :
المصاب : لا أريد ، الموت ! لا ، أريد ،،، الموت !
أحضرت إحدى النساء من السكان المجاورين ضمادات معقمة و محاليل ملحية ، و غطى الشاب الأنسجة البارزة برفق بالضماد المعقم بعد أن بلله بالمحلول ، مع مراقبته لتنفس المصاب الذي بدأ يتنفس بسرعة ،، ثم قال الشاب للمرأة :
الشاب : ألم يصلوا بعد !؟
المرأة : قالوا تبقت خمس دقائق بسبب أعمال الطريق !
خلال دقائق ، بدأ المصاب يفقد لونه ، و بدا جلده باردًا شاحبًا ، و بات أنينه ضعيفا بالكاد يسمع ، مع تنفس بطيء غير منتظم ، فجأة قالت شارلوت :
شارلوت : من يمكن أن يكون قد فعل هذا !!
الشاب : لا نعلم ! هذه أول مرة أرى شيئا كهذا فالبلدة !
شارلوت : ألم تكن إصابة جوليت قد حدثت هنا أيضًا !؟
الشاب : من هي جوليت !؟
المصاب : قـ ـ،،،اد ،،م ، يـ ـ،،،وم ،، الــ ،،،ـر ب، قـ ـاد...
اقتربت شارلوت منه و تكلمت بهدوء قائلةً :
شارلوت : هل تسمعني ؟ من قال هذا !!؟؟؟
المصاب : امـ ـر،،
فقد الرجل وعيه ، و باتت أنفاسه أبطأ و أكثر ضعفًا ،، نظرت شارلوت إلى الشاب فقال لها :
الشاب : ماذا قال !؟
نظرت إليه بشكل فاحص ثم قالت :
شارلوت : ربما كانت هذه هلوسة ، لا أعتقد أنه سينجو ...
بدأ صوت سيارة الإسعاف يقترب ، حتى ظهرت من بين الأبنية مسرعة نحو مكان التجمع و معها سيارة شرطة ، و فورًا اندفع المسعفون نحو المصاب على عجل فقيّموا حالته سريعا ثم حملوه استعدادا لنقله إلى مستشفى أمبير ، و خرج من سيارة الشرطة رجلان و اتجها إلى الشاب ، فقال أحدهما له :
الشرطي : هل يمكنك أن تشرح مالذي حدث ؟
الشاب : لا أعلم ماذا حدث ، لقد وصل إلى هنا و هو مصاب بهذه الحالة ، لا نعلم كيف أصيب ،، و الجميع شاهد وصوله.
قال الشرطي و هو يتلفت :
الشرطي : هل لدى أحدكم أي معلومات تتعلق بهذه الحادثة ؟
بقي الجميع صامتًا ،، ثم تقدمت شارلوت إليه فقالت :
شارلوت : هل هذه هي أول حالة من هذا النوع تشهدها هذه البلدة ؟؟
الشرطي : ماذا تقصدين !؟
شارلوت : أقصد هل هذه أول مرة تباشرون حادثة كهذه هنا ؟
التفت الشرطي إلى زميله و عليه علامات التساؤل و قال :
الشرطي : هذه بلدة نائية ، لا يمكن أن توجد فيها حوادث كهذه ! إنها أول مرة نرى فيها جريمة كهذه ...
أخذت شارلوت تتفحص الحاضرين ،، ثم سارت بسرعة نحو منزل جوليت التي كانت واقفة مع عكازها تحاول فهم ما يحدث ،، أمسك بها شارلوت و دخلت على عجل ثم أغلقت الباب فقالت لها جوليت بقلق :
جوليت : ماذا بك يا شارلوت ؟؟ مالذي حدث ؟؟
شارلوت : جوليت كوني صادقة معي أرجوك ،، هل حدثت أي حادثة أخرى بعد حادثتك ؟
جوليت : حادثة ؟ مثل ماذا ؟
شارلوت : مثل حادثتك مثلا ! اعتداء ، قتل ، أي شيء !
هزت رأسها رافضة و قالت :
جوليت : كلا ! كلا لم أسمع و لم أشاهد ، لقد اختفوا بعد حادثتي !
طرق الباب فجأة ، فتحركت شارلوت بسرعة و فتحت الباب فإذا بذلك الشرطي أمامها و هو يمسك بمذكرة ملاحظات صغيرة و قلم ، حيث قال :
الشرطي : هلا أظهرتِ هويتك !؟
فقالت بصوت مستنكر :
شارلوت : ماذا هناك !؟
الشرطي : يجب أن نأخذ معلومات الحاضرين ، سنأخذ إفادتك ميدانيًا أيضًا !
أخرجت شارلوت بطاقة بدت فاخرة من أول نظرة ، ثم أبرزتها أمام الشرطي و قالت :
شارلوت : شارلوت لارشييه ! عميلة في مؤسسة إينوبيلي الأمنية !
ظهرت الدهشة على الشرطي ثم قال بارتباك :
الشرطي : حسنًا لا مشكلة ، أريد معرفة ما شهدتِ عليه في موقع الحادثة ..
أجابت شارلوت خلال دقائق بكل ما شهدته قبل قليل ، ثم طلب منها أن توقع على الورقة التي كتب فيها ملاحظاتها ، و غادرهم مسرعًا ،، أغلقت شارلوت الباب و بقيت واقفة بصمت ، فقالت لها جوليت :
جوليت : أشعر بالقلق عليك ! تتصرفين بغرابة !!
نظرت شارلوت لها و قالت :
شارلوت : هناك شيء يحدث في هذه القرية ! لا أستطيع فهمه !! كل شيء يبدو مثيرًا للريبة ...
جوليت : ماذا تقصدين بذلك !؟
شارلوت : لا أستطيع التحدث معك بما أفكر فيه ، احتاج إلى تأكيد شكوكي أولًا ، ربما هذه القرية لم تعد آمنة كما تبدو !
تبادلت جوليت النظرات مع شارلوت ، شعرت جوليت بخوف شارلوت لأول مرة ، ثم قالت لها :
جوليت : شارلوت ! هل أنتِ خائفة عليّ ؟
تغيرت نظرات شارلوت الحذرة و المشتتة إلى نظرات مترددة ،، ثم قالت :
شارلوت : و مـ ماذا بها شارلوت ،، إن شعرت ببعض القلق ،، على صديقتها ؟
ظهرت ابتسامة سعيدة مع دموع حاولت جوليت منعها ، فقالت لها :
جوليت : أحبّك كثيرًا و أنتِ تحاولين منع مشاعرك من الظهور ...
ثم قامت بعناقها بقوة ، فقالت شارلوت :
شارلوت : على رسلك ، حتى مع إصابتك تمتلكين هذه القوة !
ثم سكنت شارلوت قليلًا و قالت :
شارلوت : ربما أنتِ الوحيدة التي أعتبرها قريبة مني إلى هذه الدرجة ، لذا لا أريد أن يصيبك مكروه ...
أمسكت جوليت بيدي شارلوت و قالت لها :
جوليت : ماذا ستفعلين !؟
شارلوت : أعتقد أن لدينا حلَّا واحدًا في هذا الوقت .
جوليت : ما هو ؟
شارلوت : سنذهب عند خالتك لبعض الوقت . ريثما أرتب أموري !
جوليت : خالتي ؟ صحيح ! كيف لم أفكر في ذلك !
شارلوت : سننتظر قليلًا حتى يحل الظلام ،، ثم نذهب إليها .
انتظرت شارلوت مع جوليت حتى صارت الساعة نحو العاشرة مساءًا ، و قامت بتجهيزها مع بعض الثياب و المستلزمات ثم خرجتا إلى شارع الحادي عشر من نوفمبر و مع جوليت حقيبة متوسطة ، بدا المحيط في الخارج هادئًا بشكل غريب ، سيارات قليلة بالكاد تمر من شارعهم ، مضت تسع دقائق من الوقوف حتى توقفت أمامهما سيارة أُجرة طلبتا منه التوصيل إلى غو دو شاتو بالقرب من شاتو دو مونس غرب البلدة ،، بعد أن تحرك السيارة بضع دقائق في الطريق انتبهت شارلوت إلى يمينها ، و رأت أعلى بناية تبدو مثل الكنيسة ،، فتسائلت و قالت لجوليت :
شارلوت : جوليت ، أين تذهب خالتك للصلاة ؟؟
جوليت : إلى لا بوسدوني ، توجد هناك كنيسة سان جاك كما أخبرتك.
شارلوت : أردت أن أتأكد لا أكثر ، شيءٌ غريب ...
نظرت جوليت أمامها للحظات ثم التفتت إلى شارلوت و قالت :
جوليت : ماذا تقصدين ؟
شارلوت : أعني ، لماذا تذهب إلى تلك الكنيسة البعيدة ، و لديها هنا كنيسة في وسط البلدة !؟
جوليت : أوه تقصدين كنيسة سان بيير ، لا أعلم تماما ، قالت لي ذات مرة أن تلك الكنيسة لا تتبع نفس طائفتها .
نظرت شارلوت إليها باستغراب و قالت :
شارلوت : هاه ، هكذا إذا...
استمرت سيارة الأُجرة بالسير نحو الجنوب الغربي مع طريق بلدة لوماس وصولا إلى طريق بلدة كابارتيل ، حيث كانت جوليت ترشد السائق إلى طريق منزل خالتها من بين القرى ، و على يمين طريق كابارتيل بالقرب من غابات دولور و قبل الوصول إلى لا بوسدوني ، أوقفت جوليت السائق عند منزل مشرف على الغابات و حوله أراضي زراعية فارغة ، و أخذت شارلوت تتلفت حولها و شعرت بعدم الإرتياح ، نزلت هي و جوليت من السيارة و سارتا قليلا نحو ذلك المنزل الذي كان بجواره مستودعان صغيران مغلقان ، قالت شارلوت أثناء سيرهما :
شارلوت : جوليت ، ألا يبدو هذا المكان موحشًا قليلًا ؟ لماذا منزل خالتك هنا !؟
جوليت : خالتي لا تحب أوساط المدن و القرى ، إنها ريفية بامتياز !
وصلت الفتاتان إلى المنزل و قامت جوليت بطرق الباب عدة مرات ، فسمعت صوتًا من الداخل يقول :
الصوت : من ؟؟
جوليت : افتحي يا خالتي لديك زوار بدون موعد !
ثم فتحت الباب ، و هنا توقفت شارلوت و بقيت تنظر باضطراب ،، خرجت لهما امرأة ذات قامة طويلة ترتدي فستانًا بطابع ريفي طويل و جوارب حمراء طويلة ، و تربط على رأسها وشاحًا تتدلى منه بعض الخصلات على جبينها ، ذات ملامح قوقازية حادة و عينين بلون أسود بحواجب معقوفة تميز نظرتها ، أطالت شارلوت النظر للحظات دون كلمة ، قالت تلك المرأة :
المرأة : جوليت ! لا تزالين قادرة على المشي ! الحمد للرب !!
جوليت : لدي عتب كبير عليك خالتي راشيل ! طوال هذه الفترة لم تتصلي بي !
امسكت راشيل وجه جوليت و أخذت تلعب بوجنتيها و قالت :
راشيل : اوه نعجتي الصغيرة ! الحق معك ،، تعلمين أنني أواجه المصاعب في مزارعي هنا !
ثم نظرت إلى شارلوت التي ما زالت متسمرة في مكانها ، و قالت :
راشيل : لديك مرافقة اليوم على غير العادة ! من هذه الوردة ؟
جوليت : هذه صديقتي الحبيبة شارلوت ، قدمت لزيارتي اليوم و لكن حد،،
شارلوت : تشرفت بك ! نعتذر عن إزعاجك الليلة !!
راشيل : ماذا بكما ! هل حدث شيء معكما اليوم !؟
شارلوت : لا لا ، لا داعي للقلق ،، فقط أردنا زيارتك للتعرف عليك !
نظرت جوليت إلى شارلوت بتسائل ، فأطالت شارلوت النظر إليها مع رفع بسيط للحاجبين فهمته جوليت ، بينما كانت راشيل تنظر بينهما قالت :
راشيل : مالذي يدور بينكما يا بنات ! هل ستقفان هنا هكذا هيا ادخلا ...
دخلت شارلوت و هي تسير على مقربة من جوليت و أخذت تتفحص المنزل ، كان يبدو تراثيَّا قديمًا ، أدوات الزراعة مركونة بجوار الباب ، الأثاث و الأرضية قد عفى عليهما الزمن ، الصلبان معلقة في عدة أماكن ، ثم انتبهت إلى راشيل التي سارت نحو المطبخ و هي تقول :
راشيل : اجلسا يا فتيات سأحضر لكما الطعام ...
نظرت جوليت إلى شارلوت و قالت لها بصوت منخفض :
جوليت : ماذا بك ! منذ أن وصلنا و أنتِ مضطربة على غير عادتك !!
قالت شارلوت و هي تتلفت :
شارلوت : لا أشعر بالراحة هنا ! هناك شيء ما في خالتك !!
جوليت : ماذا بها !؟ هل أخافتك !؟ -تبتسم-
شارلوت : مالذي تقولينه ! أنا لست خائفة منها ! لكنها تبدو غريبة جدًا ! و ،،
جوليت : و ماذا ؟
صمتت شارلوت قليلا ، و أخذت تفكر ، و وضعت قبضتيها على ركبها ثم قالت :
شارلوت : لا شيء ، ربما لا داعي لتوتري هذا ...
عادت راشيل إليها و معها طبق يحتوي بضع أصناف من الطعام ، قدمت لهما خبزا و طبقين من حساء الخضار و العدس و كأسين من التفاح ، فقالت بصوت ضاحك و هي تضع الطعام على الطاولة :
راشيل : أتمنى منكما عدم التعليق على الطعام ،، هذا هو الموجود هنا !
ردت جوليت بصوت مقتضب :
جوليت : أليس لدينا غير الخضار !؟ لا أحبها !
راشيل : هيا هيا عليكما تناول الطعام قبل منتصف الليل .
جوليت : و لماذا قبل منتصف الليل ؟
راشيل : لا يصح النوم فورًا بعد تناول الطعام ، عليكما إعطاء المعدة فرصة للهضم
جوليت : تحبين عيش دور اخصائية التغذية كثيرًا !
ضحكت راشيل بصوت عالٍ قليلًا و قالت :
راشيل : لا يمكن أن تكوني مزارعة و غير مهتمة بالصحة !
في وسط حديثهما ، كانت شارلوت تنظر إليها بصمت ، و تحدث نفسها قائلة :
شارلوت : تبدو ودودة بشكل مبالغ ، لكنها غريبة الأطوار ،، إذا كنا سننام الليلة هنا ، فلا بد من أن ...
نهضت جوليت إلى الطاولة و أشارت إلى شارلوت بالقدوم بينما كانت راشيل قد عادت إلى المطبخ ، فلحقت بها فورًا و جلست بجوارها ، و قالت بهمس :
شارلوت : لا أحب التفاح البتة !
ضحكت جوليت و قالت :
جوليت : لا بأس ستحضر لنا الماء .
و بعد أن شرعا في تناول الطعام ، عادت راشيل و معها خبز أسمر سميك و إبريقًا من الماء ، و جلست معهما و بدأت تتناول معهما ، و بعد دقائق قاطعت صمتهما فقالت :
راشيل : هل تعلمان لما اخترت لكما هذا الطعام تحديدًا ؟
تبادلت الفتاتان النظرات ، ثم قالت شارلوت :
شارلوت : ليس هناك فرق بالنسبة لي ...
جوليت : لأنه ليس هناك غيره !
راشيل : الليلة هي ليلة التاسع من مايو ، هذا طقس نفعله كل سنة !
شارلوت : تقصدين عيد الصعود !؟
راشيل : هاه ! أنتِ تعرفين عيد الصعود !؟ جوليت المسكينة لا تعرفه !
جوليت : هيه كفي عن إحراجي !
ضحكت راشيل و قالت أثناء ضحكها :
راشيل : و ستقولين أنك لستِ ملتزمة مثلي صحيح !
اتكأت جوليت بوجهها على يدها اليسرى و نظرت إلى شارلوت و قالت :
جوليت : كيف تعرفين عيد الصعود !؟ أنتِ لستِ ملتزمة أيضًا !
شارلوت : لا يعني ذلك ألا أعرف ، خاصة أنها مناسبات هامة لنا كمسيحيين .
راشيل : عيد الصعود هو اليوم الذي نحيي فيه صعود السيد المسيح إلى السماء بعد قيامته من بين الأموات ،، فبعد القيامة ظهر لتلاميذه مدة أربعين يومًا ، ثم صعد أمامهم إلى السماء ، وبالنسبة لنا، الصعود ليس وداعًا للمسيح ، بل إتمام لرسالته على الأرض وعودته إلى مجده عند الآب ، مع وعده لتلاميذه بإرسال الروح القدس إليهم.
شارلوت : هل لهذه الوجبة علاقة به !
راشيل : نعم في مجتمعنا هنا ، نعتبر هذه الأطعمة تقليدًا في عيد الصعود .
جوليت : ليَدُمْ مجدُ المسِيح
شارلوت : فالواقع ، لا أرى الكثير من الناس يحتفل به.
راشيل : نعم نعم ...
سكتت راشيل و هي تنظر إلى الطاولة ، ثم قالت :
راشيل : انظرا إلى بلادنا ، الكنائس تفرغ ، والإلحاد ينتشر ، وذكر المسيح أصبح عندهم شيئًا يُخجل منه ، حتى التجديف صارًا حقَّا مشروعًا ! يظنون أنهم يستطيعون أن يديروا ظهورهم لله ثم لا يحدث شيء ،،، أغبياء ،،
ثم تغيرت نبرتها و قالت بصوت ينم عن الغضب :
راشيل : ليضحكوا ما شاءوا ، لقد قيل لنا منذ زمن إن الناس سيبتعدون ، وإن الإيمان سيبرد في قلوبهم. لكن الرب لا يُستهزأ به إلى الأبد ، وما يزرعه الإنسان ، سيأتي يوم يحصد فيه ثماره ، يوم الرب ...
ثم رفعت رأسها لترى نظرات جوليت و شارلوت الممتزجة بالقلق و الاستغراب ، ثم قالت بعفوية و ضحكة خفيفة :
راشيل : اعذراني استطردت قليلا في خواطري ...
ثم نهضت و قالت لهما :
راشيل : هيا اشربا كؤوسكما حتى تستعدا للنوم !
شارلوت : سأشرب الماء ، لا يمكنني شرب العصير .
جوليت : إنها عدوة للتفاح !
نظرت راشيل إلى شارلوت بتمعن ثم قالت بابتسامة :
راشيل : لا بأس ، لا بأس كما تشائين ...
ثم حملت الأطباق و غادرت إلى المطبخ ، و توجهت جوليت لشارلوت قائلة :
جوليت : ماذا قالت للتو ؟
ردت عليها شارلوت و نظرها إلى المطبخ فقالت :
شارلوت : لا أعلم ،لكنها غريبة الأطوار ، هل كانت هكذا دائما ؟
جوليت : لا أجلس معها كثيرًا ، لكنها حقَّا غريبة الأطوار ...
شارلوت : هل كنتِ جادَّة عندما قلتِ لها أنها لم تسأل عنك طوال فترة علاجك ؟؟
جوليت : نعم ! لم أكن أمازحها ،، لكن قد أعذرها لكونها ابنة الريف ، لا تعرف كيف تستخدم الهواتف الذكية .
شارلوت : لا أعتقد أن الذهاب بسيارة الأجرة إلى المستشفى أمر صعب إلى هذه الدرجة !
جوليت : ما أدراني يا شارلوت ! لا أريد التفكير في هذا الأمر ، أشعر بالخيبة عندما أتذكر ذلك.
سكتت شارلوت و قامت باحتضانها ، فلم تكن تعلم أن صديقتها تعيش هذا الواقع لوحدها ، ثم قالت لها :
شارلوت : كنت أظن أن حياتك أفضل من حياتي ، لديك والدة و خالة ...
جوليت : يمكنني تفهم بعد والدتي ، لكن وجودك يعوضني عن كل شيء.
بعد عناق حار دام لعدة ثوانٍ ، نهضت الفتاتان الى المطبخ ، فوجدتا راشيل تقوم بغسل الأطباق و أظهرت لهما ابتسامة مصطنعة ، ثم غادرتا إلى غرفة النوم و بها سرير واحد كبير ، قالت جوليت :
جوليت : أتمنى أن تنال ضيافتنا لك بعض الرضا ، خاصة أنك ستضطرين للبقاء في سرير واحد مع شخص آخر ...
شارلوت : إنها ليلة واحدة ، لا بأس.
بدأت جوليت بالتثاؤب ، و جلست على السرير فورً ثم نظرت إلى الساعة على الحائط ، فقالت :
جوليت : إنها الحادية عشر و الربع ، أشعر أنني نعست مبكرًا !
نظرت إليها شارلوت بفضول ، ثم اقتربت منها و قالت :
شارلوت : متى تنامين في هذه الأيام ؟
جوليت : أصل في بعض الأحيان إلى الساعة الثانية ليلًا ، ليس لدي نظام بسبب إصابتي .
فتحت راشيل الباب فجأة و بيديها بطانيات ، فقالت بصوت مرح :
راشيل : حسنًا يا بنات ، أتمنى أن تأخذا راحتكما و هذه لأجل برودة الجو الليلة.
و فورا سلمتها لهما و خرجت على عجل ، توقفت شارلوت مستغربة ، ثم قالت :
شارلوت : جوليت ، لماذا خالتك تبدو متعجلة هكذا !!؟؟
جوليت : دعيك منها أرجوك ، هيا تعالي لنتحدث قبل النوم .
لم ترد شارلوت ، و أطالت في شرودها ، فنادتها مرة أخرى و قالت :
جوليت : شارلوت ! أين ذهبتِ ؟
شارلوت : هاه ، شردت قليلًا ... ماذا قلتِ ؟
جوليت : دعينا نتحدث قليلًا قبل النوووم !
ابتسمت شارلوت ثم جلست بجوارها ، لاحظت أن نعاس جوليت أصبح واضحًا أكثر ثم قالت لها :
شارلوت : جوليت ؟
جوليت : هاه ، ما بك ؟
شارلوت : لا أظن أنك قادرة على التحدث ، من الواضح أن النوم سيأخذك قبل الأحاديث !
تثائبت جوليت مطولًا ، و وضعت رأسها لتنام ، قالت و هي تغمض عينيها :
جوليت : سأتحدث معك فالمنام ، نعم ،، فالمنام ..
دهشت شارلوت من سرعة استغراق جوليت فالنوم ، و بدأت تشعر بالقلق ، فقامت بهزها عدة مرات ، ثم قالت جوليت تحت تأثير النوم :
جوليت : أحبك شارلوت ، دعينا ننام معًا !!
نظرت شارلوت إليها هي تقول في نفسها :
شارلوت : كأنها نامت بسرعة ، أشعر بشيء غير طبيعي في ذلك !
ثم وضعت رأسها بجانبها بعد أن غطتها بشكل صحيح ، و أغلقت عينيها لتستغرق فالنوم ، استمرت محاولاتها فالنوم قرابة النصف ساعة ، و قبل أن يبدأ النوم بالوصول إلى عينيها ، بدأت تسمع أصواتًا خفيفة و مزعجة ، فتحت عينيها بقلق و نظرت إلى مكان جوليت ، فوجدتها غارقة جدَّا في نومها ، تنفست بارتياح بعد أن رأتها ، ثم عادت تسمع تلك الأصوات ، فقالت في نفسها :
شارلوت : ما هذا ! هذه الأصوات غير مألوفة !
ثم سمعت صوت شيء كأنه يحتك بالأرض ، و كان هذا الصوت أوضح من غيره ، فشعرت بالقلق و التوتر ، و كانت تضع معطفها بجوارها و فيه سلاحها ، فقربته منها ، ثم قالت :
شارلوت : سيدة راشيل ؟ هل أنتِ هناك !؟
شيئًا فشيئًا بدأت تلك الأصوات ترتفع ، و بدت كصوت خطوات على العشب ، شعرت شارلوت بقلق و خوف شديدين لكنها حاولت الحفاظ على رباط جأشها و حاولت النظر إلى النافذة من مكانها فلم تستطع ،، فنهضت و أبعدت الستارة قليلاً و حاولت أن تشاهد ما بالخارج ، فلم تستطع بسبب شدة الظلام و عدم وجود إنارة للطريق ، فجأة عاد صوت الإحتكاك بالأرض و سمعته بقوة و هذه المرة قريبًا منهم داخل المنزل ! فاتجهت نحو معطفها و أخذت سلاحها ، و أنفاسها أصبحت أسرع قليلا ،، و بينما هي واقفة عند السرير ، سمعت تلك الأصوات حول المنزل ،، كانت أصوات أشخاص ، يتمتمون بشيء غير واضح ، ثم اقتربت من الباب فحاولت فتحه ، فلم يفتح ! و فورًا نادت بصوت واضح :
شارلوت : سيدة راشيل ! سيدة راشيل هل أنتِ بخير ؟
عادت الى السرير لتوقظ جوليت ، هزتها عدة مرات فلم تستجب ، ثم نادتها قائلة :
شارلوت : جوليت ! جوليت !! جوليت !!!
أصيبت شارلوت بالذعر و قالت :
شارلوت : هذا مستحيل !!!
سمعت صوت الإحتكاك يقترب من باب الغرفة ،،، ابتلعت ريقها و اقتربت بهدوء ،، و استندت إلى الحائط عن يمين الباب ، فسمعت صوتًا خشنًا مزمجرًا و مألوفًا جدَّا يقول :
الصوت : يوم الرب ... قادم !!!
شهقت شارلوت و وضعت يدها اليمنى على فمها ، و في نفس الوقت سمعت الأصوات من الخارج تردد :
وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الآثِمِ ! وَيْلٌ لِلأُمَّةِ الْخَاطِئَةِ، الشَّعْبِ الثَّقِيلِ الآثِمِ !
وقع الرعب في قلب شارلوت ، أمسكت بسلاحها بيدين ترتجف ، عيناها تنتقلان بين النافذة و الباب ،،، و صدر صوت من خلف الباب مرة أخرى يقول :
يوم يهوه آتٍ، لا يرحم، بسخطٍ وغضبٍ متّقد، ليجعل البلاد خرابًا، وليستأصل منها الخُطاة !!!
نهاية الجزء الثاني ... يتبع