من هنـاك؟!

من هنـاك؟!

9 0

« يعـرفُ كـل تفاصيـلي وأدقهـا.. كـم هـو مجنـون »

.

.

.

ڤينيسا عام 1879

جالسة على سريرها، محاطة بكتبها ورواياتها التي لم تنته من قراءتها بعد، تبتسم تارة على سطر قرأته، وتضحك تارة أخرى على نكتة سخيفة ساذجة خرجت من فم إحدى شخصيات الكتاب..

كانت تتمنى لو تحققت أمنيتها ودخلت إحدى الروايات التي تقرؤها لتعيش في عالمها إلى الأبد..

"أنت وسيم جدًا، ليتك تعلم أنني معجبة بك.." تهمس وهي تقرأ عن تلك الشخصية التي أثارت اهتمامها منذ البداية

تايلر موريسون، إحدى شخصيات رواية بدأت بقراءتها مؤخرًا، وأعجبت بشخصيته وحبه لكل ما هو جميل من الرسم إلى العزف على البيانو والطهي لحبيبته كارلا، وغيرته الشديدة عليها..

كانت الرواية تتحدث عن تايلر، شاب منظم مهووس بالسفر والرحلات وتعلم كل شيء، يلتقي بكارلا في نيويورك، الفتاة الطائشة المتهورة وحياتها فوضوية نوعًا ما، لتبدأ بينهما قصة حب رغم تناقضها وصعوباتها، وينجذب كل منهما إلى الآخر بطريقة غريبة نوعًا ما الرواية كانت بعصر يثير فضولها وإستغرابها عصور حديثة لم يتفهمها عقلها بعد..

روايـة عشقتها حدّ الجنون

وأحداثها بعصر حديث جدًا في نيويورك

أحيانًا تتسائل الكاتب الذي يكتب كل تلك الكتب الذي تقرأها أما مجنونًا أو مختلًا..

وأحيانًا أخرى تنتظر بفارغ الصبر إرساله لكتب

أخرى وقصص لاتنتهي..

أكملت القراءة إلى الجزء الحادي عشر، حيث كان تايلر غاضبًا جدًا، وعيناه أصبحتا كجمرتين حادتين عندما تقدم لخطبة كارلا وقام أهلها برفضه

خرج من منزل محبوبته حزينًا وغاضبًا ومكسورًا، وهام في الشوارع يمشي ببطء، حتى قرأت مشهدًا استوقفها عن الحراك..

كان تايلر واقفًا في مكان مرتفع، والهواء يداعب شعره ووجهه الحزين، وعيناه الزرقاوان بارقتان بالدموع، وقد بلغ به اليأس حدًا مخيفًا، حتى بدا وكأنه على وشك اتخاذ قرار لا رجعة فيه..

أغلقت الكتاب بقوة قبل إكمال الفصل الحادي عشر، وكان لا يزال متبقيًا فصلان آخران

تسارعت أنفاسها واشتدت قبضتاها على الكتاب بقوة، وهي تحاول كتم الدموع التي تجمعت حول عينيها، حتى أصبحت الرؤية لديها مشوشة

وقفت من على السرير، وأخذت نفسًا عميقًا محاولة تهدئة نفسها، ثم جلست مجددًا وهي تحدق في الكتاب باضطراب..

لم يكن مرضًا.. لكنها كانت دومًا، عندما تحزن أو تغضب، تشعر بضيق شديد وكأن قلبها لا يحتمل ذرة حزن صغيرة

"ڤينيس.. عزيزتي، ألا زلت تقرئين لوقت متأخر؟"

دخلت عليها ابنة خادمة القصر التي تدعى إيلين، في عمر ڤينيس، وكانت مساعدتها وصديقتها المقربة جدًا

"لحظة.. ما الذي يحدث معك؟ ڤينيس! أنتي بخير؟ " وجدت صديقتها تحاول تنظيم أنفاسها، فاقتربت منها بقلق

"اهدئي، أنا هنا.. ماذا حدث؟"

نظرت إليها ڤينيس للحظات، ثم أخذت نفسًا عميقًا وأبعدت الكتاب عنها قليلًا "لا شيء.. فقط تأثرت بما قرأته الآن"

عقدت إيلين حاجبيها وتكتفت قائلة وهي تجلس على حافة السرير: "ما الأمر الآن؟ هل ستبقين صامتة؟!"

"لا رغبة لي بالتحدث الآن، إيلين.. اذهبي للنوم ليلة سعيدة "

أجابتها وهي تنظر إلى السقف بتفكير..

" آهو! تايلر؟ " ضحكت وهي تشير إلى الكتاب "ماذا فعل هذه المرة؟ هل أحرق الكاب كيك الذي يصنعه من أجل كارلا؟ "

"لا، بل وصل به الأمر إلى اليأس بسبب كارلا!" زفرت بضيق " الحب سيء، أليس كذلك؟ إنه يجعل الشخص يفكر بأشياء غريبة وتؤثر على أفعاله "

"لا، بل الحب جميل وأيضًا أنت لم تكملي الفصل الحادي عشر بعد! ربما تجدين الإجابات في النهاية.." ابتسمت إيلين وهي تمسك الكتاب وتقدمه لها " لا أعلم كيف أثرت بك شخصية ورقية إلى هذا الحد.. ڤينيس، أفيقي! "

فتحت عينيها بضيق: "لست نائمة.. وأيضًا لا حاجة لي بقراءة النهاية.. فالنهاية بالنسبة لي هي موت تايلر "

"ربما لن تكون هذه النهاية.. أكملي القراءة، وربما تجدين ما يسعدك " أجابتها إيلين بابتسامة مطمئنة

نظرت إليها ڤينيس، ثم أمسكت الكتاب من بين يديها واستقامت متجهة إلى النافذة ألقته بصعوبة قائلة:

"لم تعد لي رغبة بإكمال قراءة ذلك الكتاب.. ما كان يسعدني رحل "

استلقت على السرير مرة أخرى..

"والآن أريد النوم، إيلين "

تنهدت الأخرى بابتسامة، لتقوم بتغطية صديقتها جيدًا والعبث بشعرها الأحمر بشقاوة قبل أن تقول:

"ليلة سعيدة، ڤينيستي "

"ليلة سعيدة لك أيضًا، إيلينتي "

.

.

.

غادرت إيلين جناح الأميرة الملكي، لتلتقي بوالدة ڤينيس في الرواق الفاخر المضيء بفوانيس ذهبية..

"آه.. سيدة كاثرين هل تحتاجين لشيء، جلالتكِ؟"

انحنت باحترام لتكمل:

"كنت أطمئن على ڤينيس قبل أن أذهب للنوم.. والآن هي نائمة "

نظرت كاثرين ناحية باب غرفة ڤينيس، على بعد أمتار، لتقول بهدوء:

"لا شيء، إيلين.. كنت قادمة للاطمئنان عليها، ولكن بما أنها نائمة.. هذا جيد. لا أحتاج إلى شيء، بإمكانك الذهاب "

"حسنًا، جلالتك ليلة سعيدة "

انحنت مرة أخرى بهدوء وتهذيب، لتبتعد بخطوات متزنة على البلاط الملكي في أرجاء القصر، وصوت البحر الهادئ القادم من النوافذ يصدر لحنًا عذبًا لجميع من في القصر♡

كانت تتقلب وتنظر إلى نافذتها الزجاجية الكبيرة في غرفتها، التي تطل على البحر والسماء وحديقة القصر الخلفية

تنهدت بضيق وهي تفكر في كتابها المفضل الذي ألقته

ماذا لو كانت إيلين محقة؟!

ماذا لو لم تكن نهاية تايلر؟

ماذا لو جاءت لحظة تفكير تبعده عما كان سيفعله؟

ماذا لو جاء شخص ما وأنقذه من نهايته؟

.

.

.

حال القارئة ككل القارئات تعشق شخصيات قرأتها حد الجنون، وتتأثر عند فراق شخصيتها المفضلة

لماذا الكتاب سيئون؟ عندما يكتبون، ألا تكون لديهم مشاعر تجاه شخصياتهم التي عاشت معهم في أفكارهم، وجعلوها حية تتنفس بين صفحات الورق.. ثم يضعونها في أصعب المواقف والنهايات؟

تذكرت الكاتب الغامض الذي كتب هذا الكتاب وكتب أخرى قرأتها سابقًا..

لا يكتب اسمه ولا عنوانه ولا أي معلومة عنه، ولا يظهر للعلن.. اسمه على كل كتاب ينشره دون ظهوره، هو فقط حرف واحد:

𝑫 ♡

" كم هو كاتب سيء! "

همست وهي تنظر للنافذة، محتارة بين النزول لإحضار الكتاب الذي ألقته من النافذة أو البقاء في سريرها تصارع أفكارها..

"لست سيئًا.. "

جاءها صوت عميق من جانبها

التفتت بسرعة وقلبها مفزوع، لكنها لم تجد أحدًا غادرت في عقلها فكرة البقاء في سريرها، واستقامت بسرعة ببجامتها البيضاء القطنية وغادرت غرفتها متعثرة..

مشت في الرواق حافية القدمين، تنظر إلى الخلف بين الحين والآخر كانت الأروقة في مثل هذا الوقت خالية من الخدم والحراس الجميع في الخارج يحرسون البوابات..

تعثرت بخطواتها حتى وصلت إلى الحديقة الخلفية، وتحديدًا المكان الواقع تحت نافذة غرفتها..

وجدت الكتاب على الأرض، ولكن كانت عليه وردة بيضاء جميلة بل ناصعة البياض، وكأنها تتوهج في الظلام، موضوعة بعناية فوق الكتاب، وبجانبها ورقة بيضاء صغيرة.. «مكتوب صغير»

اقتربت بحذر، والتقطت الوردة البيضاء وهي تلتفت حولها جثت على ركبتيها لتلتقط الكتاب والورقة، وكان المكتوب:

♡ أنا لست سيئًا، لكنني أحبكِ..»

وتحت الجملة توقيع صغير باسم تايلر موريسون ♡

تراجعت إلى الوراء بعينين متسعتين، تتلفت حولها بجنون..

من هذا الشخص؟ وكيف دخل القصر الممتلئ بالحراس ليضع لها وردةٌ ورسالة؟

فكرت هل يعقل أن تكون شخصية تايلر خرجت من الكتاب لتغازلها؟

سمعت قهقهة غريبة ولكن جميلة، وهمسًا بصوت بالكاد مسموع:

"حمقاء.."

" مـن.. هـنـاك؟ "

اعتَصرت الكتاب والوردة بيديها، لتتراجع إلى الخلف أكثر، وكادت أن تقع بعدما تعثرت بحجر صغير..

فجأة شعرت بشيء بارد يلامسها، فتغبشت الرؤية أمام عينيها وغرقت في الظلام..

.

.

.

إستيقظت صباحًا مستقيمة من السرير، عيناها نصف مغلقتين، وتتثاءب بنعاس، بينما أشعة الشمس تداعب سريرها بلطف

اجتاحتها ذكريات الأمس، وظنت أنه كان حلمًا تنهدت بارتياح ورفعت الغطاء، وكادت أن تستقيم لتجد تحت الغطاء:

♡ الكتاب، الوردة، الرسالة الموقعة بأسم تايلر، ومكتوب آخر مطويٌ بعناية لم يُفتح بعد.. ♡

نظرت إليهما بإرتباك وتردد

هل يحاول أحدهم العبث معها؟!

إيلين بالتأكيد لن تفعلها!

ترى من يكون؟!

أمسكت بالرسالة الأخرى بتردد وفتحتها، وكان المكتوب فيها جعلها تبتسم لا إراديًا:

♡ تبدين جميلة وأنت بين ذراعيّ نائمة.. خطواتك ليلة أمس متهورة ككارلا في القصة، ولولا أنني ساعدتك لكنت قد وقعت على رأسك.. متهورة صغيرة..

لا تنسي أن تتناولي قطعة الشوكولاتة البيضاء التي خبأتها تحت وسادتك قبل أن تبدئي يومك، وإذا كنت تتساءلين كيف أعرف نكهتك المفضلة في الشوكولاتة البيضاء

فكفي عن العبث بأفكارك، فأنا أعرف الكثير عنك حتى عدد أنفاسكِ..

والآن صباح الخير، عزيزتي. كيف حالك هذا الصباح؟ »

أغلقت الرسالة مبتسمة ومرتبكة، وألف فكرة وسؤال برأسها..

رفعت الوسادة لتجد قطعة شوكولاتة بيضاء من النوع الذي تحبه، ووردة بيضاء بجانبها..

أمسكت بالوردتين معًا وبدأت تشمهما.. رائحتهما ليست كرائحة الورود، بل رائحة شيء آخر.. رائحة عطر رجولي هادئ وعميق.. ساحر لا وصف له بكلمات

استنشقتها بعمق، لتقاطع لحظتها صوت طرق على الباب..

إيلين..

خبأت كل شيء تحت الوسادة، بما في ذلك الكتاب، لتدخل إيلين وهي مبتسمة:

"صباح الخير، يا سمو الأميرة ڤينيس!"

نظرت إليها ڤينيس مبتسمة بعبوس لتقول:

"صباح الخير.. لكن لا تنعتيني هكذا مجددًا."

ضحكت وفتحت الستائر، سامحة لدخول أشعة الشمس بشكل أقوى..

"ماذا تريدين أن أنعتك مثلًا؟ بالصهباء الجميلة ذات العينين الخضراوين والشعر الناري؟!"

" أمم، لا أمانع "

ابتسمت ڤينيس بعبث لتكمل بغرور مصطنع:

"والرائعة والحالمة والأنيقة والمحبوبة أيضًا "

"وأيضًا والدتك ستدخل بعد دقائق إذا لم تحضري للفطور "

كتفت إيلين يديها برفعة حاجب واكملت كلامها..

"هيا.. لنختار لك ثوبًا "

قفزت ڤينيس من على السرير وهي تركض إلى الباب الآخر من الجناح، وكان الحمام، لتدخله وتغلق الباب قبل أن تقول:

" دقائق وسأكون مستعدة.. لا تقلقي، إيلينتي "

أمالت إيلين برأسها، غير مصدقة نشاط ڤينيس هذا الصباح، فكانت كعادتها توقظها من نومها بصعوبة لكثرة سهرها على القراءة في الليل..

ضحكت بهدوء لترتب غطاء السرير الأبيض باهتمام.

أرادت رفع الوسائد لترتيبها، لتخرج ڤينيس من الحمام وتقاطعها قائلة:

"لقد غسلت وجهي ونظفت أسناني، بقي الثوب واختياره بعناية.. فهذا اليوم جميل"

نظرت إليها إيلين بإستغراب لتقترب منها قائلة:

"أوه، ما هذا النشاط؟ هل زار تايلر موريسون أحلامك؟"

لمعت عينا ڤينيس من سؤالها، وتذكرت ذلك الغريب، لتبتسم برفعة حاجب قائلة:

"لا تكثري من الأسئلة.. أنا فقط أشعر أنني بخير"

"دومًا ستكونين كذلك.. أتمنى"

ابتسمت على حال صديقتها، لتبتعد قائلة:

" لنختار ثوبًا يليق بك ولهذا الصباح إذًا.."

أومأت ڤينيس برأسها بابتسامة، بينما فتحت إيلين باب غرفة زجاجية كبيرة ممتلئة بالألبسة والأثواب، وهي تتجول بينهما لتختار لصديقتها كالعادة كل صباح..

" أمم، ماذا أرتدي.. هذا يبدو ضيقًا.. وهذا يبدو قصيرًا.. آه، وهذا لامع جدًا.. وهذا لونه فاقع! لا أحب الألوان الفاقعة.. وهذا يبدو جريئًا زيادة عن اللزوم "

كانت ڤينيس تتكلم وهي تقلب في أغراضها بملل..

لتبتسم إيلين وتخرج ثوبًا لونه وردي طويل مطرز بخيوط فضيـة، بأكمام شفافة طويلة كان الثوب يجمع بين الرقة والأناقة بطابع كلاسيكي كالأميرات..

"ما رأيك؟ لم ترتدي هذا النوع من قبل، وقد سمعت أن الأثواب بهذه الألوان تليق بالصهباء ذات الشعر الأحمر"

نظرت ڤينيس إلى الثوب مبتسمة، وأخذت تدور حوله وحول صديقتها قائلة بانبهار:

" رائع، لم أره من قبل.. أتعتقدين أنه سيليق بي؟ "

"بل سيكون بغاية الجمال عليك.. هيا ارتديه بينما أحضر لك حذاء يليق به "

سلمتها الثوب لتخرج من الغرفة إلى غرفة أخرى بها الحقائب والأحذية وأشياء أنثوية ومستحضرات التجميل.. وغيرها الكثير..

ارتدت ڤينيس الثوب، وحاولت إغلاق سحابه أمام المرآة في غرفة الملابس، وشعرت بأنفاس هادئة تداعب رقبتها، ورائحة عطر مألوفة كالعطر في الورود الذي استنشقته منذ قليل

التفتت بسرعة، ولم تجد أحدًا سوى نسمة هواء باردة داعبت شعرها ظنت أنها من النافذة في غرفتها في الخارج..

دخلت إيلين وهي تحمل حذاء بكعب ذهبي يلمع وقلادة ذهبية لامعة ناعمة..

"إيلين، هل يمكنك إغلاق سحاب ثوبي من الخلف من فضلك؟ لقد حاولت إغلاقه ولم أستطع و.."

صمتت ونظرت إلى إيلين خلال المرآة، التي قاطعتها قائلة:

"ولكن الثوب مغلق، ڤينيس."

التفتت ڤينيس إليها بذهول قائلة:

"ماذا؟! ولكن أنا لم أغلقه بعد، هل أنت متأكدة أنه مغلق، إيلين؟"

"نعم، إنه مغلق.. حقًا ربما أغلقتيه ولم تشعري.."

أجابتها صديقتها بهدوء، لتضع الحذاء أرضًا قائلة لها:

"هيا، ارتدي الحذاء. وأحضرت لك قلادة تليق بالثوب أيضًا "

أومأت ڤينيس برأسها بصمت، لترتدي الحذاء، وبعدها أزاحت شعرها الطويل الأحمر الذي يصل إلى خصرها، للسماح لإيلين بمساعدتها على ارتداء القلادة وهي تفكر..

هل يعقل أنني أغلقته ونسيت؟ ربما.. لا أعلم.. أشعر أنني مشوشة..

"حسنًا، انتهينا.. لننزل ڤينيس، وتذكري لا تتهوري كعادتك، أنت أميرة ويجب أن ننزل بهدوء وأناقة "

ابتسمت ڤينيس وهي تتذكر عادتها سابقًا بنزول سلم القصر الملكي، فكان ما يحيط بالسلم رخامات تمتد حول الأسفل، فتجلس وتنزلق عليها وصولًا إلى طاولة الإفطار مسرعة، حيث والدها ووالدتها ينتظرانها بإستغراب على تصرفها المتهور

نظرت إلى إيلين ببراءة مصطنعة مجيبة:

" لن أفعل ذلك.. ليس اليوم! "

خرجت ڤينيس أولًا من جناحها بخطوات هادئة، تتبعها إيلين بزي الخادمة اللطيف وهي تغلق خلفها أبواب الجناح الكبير

.

.

.

وصلا إلى مائدة الطعام، لتنحني إيلين باحترام وتغادر صامتة، بينما ڤينيس وقفت لبرهة تنظر إلى والدها ريكارد دي ماركو، حاكم ڤينيسا..

"صباح الخير، أمي! صباح الخير، أبي "

اقتربت لتقبل أمها على وجنتها ووالدها على جبينه♡

"صباح الخير، عزيزتي. كيف حالك؟"

أجابت كاثرين، بينما والدها اكتفى بالابتسامة وأومأ لها برأسه بصمت، وأشار إلى الكرسي الفارغ بجانبه لتجلس عليه.

"أنا بخير، أمي. ماذا عنك؟ كيف حالك يا أبي؟"

ابتسمت وهي تجلس بجانب والدها على الكرسي الذي أشار لها إليه

"بخير.. "

أجابها بهدوء ليكمل تناول طبقه

كالعادة، ريكارد لا يحب التحدث أثناء الطعام، بينما والدتها راقبت ڤينيس بابتسامة وهي تمد لها بكأس عصير الفراولة الذي تحبه..

نظرت ڤينيس إلى الكأس لتأخذه وتبادلها الابتسامة بهدوء

.

.

.

الساعة 12:50 بعد الظهيرة..

كانت ڤينيس تتمشى بحديقة القصر الأمامية بثوبها الذي اختارته صباحًا، وشعرها يتطاير بالهواء، بينما إيلين تراقبها من نافذة القصر وهي تقوم بمسحها من الأعلى.

"انتبهي لخطواتك، ڤينيستي!"

نادتها من الأعلى، لترفع ڤينيس رأسها للأعلى وتلوح لها قائلة:

"تعالي وشاركيني المرح.. ولنذهب إلى الأرجوحة الهواء جميل بالأسفل "

"حسنًا، عندما أنتهي من تنظيف النوافذ سألحق بك "

أجابتها إيلين متحمسة وأكملت:

" لن أتأخر.. اذهبي "

أومأت برأسها بشقاوة، لترجع خصلات شعرها الأخمر خلف أذنها ، وقد خطرت برأسها فكرة عابثة..

خلعت حذاءها الذهبي وألقته بإهمال على العشب بعيدًا، وبدأت تركض حافية القدمين ناحية الجانب الآخر من الحديقة، حيث الأرجوحة البيضاء الضخمة..

جلست على الأرجوحة وبدأت تدفع نفسها بقدمها، لترفع رأسها إلى السماء وتتأمل الغيوم وجمال مدينة ڤينيسيا، مع صوت البحر الجميل الذي لا يفارق لحنه هذه المدينة الخلابة..

فـشعرت.. شعرت بذات الرائحة خلفها، وقد أحست بقلبها يرتجف، ولم تقرر بعد إذا كانت ستلتفت أم لا

لأنها ربمــا إذا التفتت قد تختفي الرائحة أو يختفي أيًا من كان خلفها..

أرادت فقط أن تبقى تلك الرائحة الجميلة تعطر أنفاسها بكل ماهو ساحر♡

أغمضت عينيها، والأرجوحة تتحرك ببطء، والرائحة تداعب حواسها، لتشعر أيضًا بشيء يلامس رقبتها من الخلف، وأنفاس دافئة..

توقفت الأرجوحة عن الحراك، وفتحت عينيها لتجد بجانبها مباشرة، على المقعد الفارغ من الأرجوحة، رسالة مطوية بعناية ووردة بيضاء عليها قطرات الندى.

والرائحة كالرائحة المعتادة عطره الرجولي الأنيق..

التفتت حولها مرة أخرى بحيرة وارتباك، لتمسك بالرسالة وتقرأها بعناية، كل حرف، كل كلمة، كل سطر.

فإبتسمت كـعاشقة! ♡:

♡ أعلم أنك تشعرين بي! رائحتي جميلة، أليس كذلك؟!

رأيتك صباحًا بهذا الثوب الجميل، وقد شعرت بالهوس لرؤيتك بهذا الجمال..

صحيح ڤينيس، أنت تفكرين كثيرًا، عقلك لا يتوقف عن التفكير وأنا لا أتوقف عن التفكير بك..

أحب شقاوتك وابتسامتك وتهورك وتظاهرك بالبراءة.. أنتِ مختلفة بكل انفعالاتك وجنونك..

والآن ارتدي حذاءك الذي أسفل قدميك قبل أن تصابي بالبرد من العشب المبلل بقطرات الندى..

فأنا لا أريد لك أن تصابي بالبرد بسبب شقاوتك، وإلا قد أعاقبك بعدم إرسال الورود لك مع كل مكتوب.. كوني بخير، وتذكري، كلما شعرت بالهـواء سأكون بجوارك..

بالمناسبة، أنا من أغلقت ثوبك. لن أدعك تحتارين في أمره مرة أخرى ♡

وتحت الرسالة توقيع باسم العاشق المجهول، وليس التوقيع الأول الذي كان باسم شخصية روايتها التي تحبها:

تايلر موريسون♡

نظرت أسفل قدميها لتجد حذاءها الذهبي بجانبها

اتسعت عيناها بذهول، وتعبث بشعرها بتفكير، تنظر تارة إلى حذائها، وتارة إلى الورقة التي بيدها، وتارة إلى الوردة البيضاء بجانبها...

تتنقل بينها، تحاول إيجاد إجابة لما تعيشه..

هل العاشق المجهول وهم من عقلها العاشق للخيال؟

هل تحققت أمنيتها وأصبحت تعيش في عالم سحري؟

أم أنها لا تزال نائمة بهذا الحلم الجميل ولم توقظها إيلين بعد؟!

"كفي عن التفكير، أيتها العابثة، أسمعك بوضوح.. ألم ترتدي حذاءك بعد؟!"

جاء صوت من خلفها، قهقهة غريبة جميلة، وصوت عميق ساحر كالذي سمعته بالأمس، ولكنه أعمق وأهدأ الآن..

التفتت للخلف لتهمس بارتباك:

" من هناك؟! "

لكن لا إجابـة..

بقيت للحظات تستمع إلى هدوء الحديقة وصوت البحر الذي يقبع خلف أسوار القصر..

شعرت بالحيرة مجددًا، لترتدي حذاءها على عجل وتمسك الورقة وتهم بالمغادرة

" لاتنسي الوردة حلوتيً.. "

جاء ذات الصوت مجددًا، وكأنه يخرج من رأسها

تعبت من الالتفات، لتتراجع إلى الوراء وتلتقط الوردة، تشتمها هامسة:

" مجنـون "

عقدت حاجبيها ثم غادرت مبتعدة عن الأرجوحة باتجاه القصر..

في المساء، بينما كانت جالسة بغرفتها على سريرها الكبير، مرتدية بيجامتها الخضراء كخضرة عينيها، دخلت إيلين بعد أن طرقت الباب، لتدخل معها مدربة الرقص السيدة ماليسيا، منحنية باحترام للأميرة..

"دروس الرقص.. بدأت بالقاعة الكبرى "

قالت إيلين رافعة حاجبها بهدوء

زفرت ڤينيس بضيق لتلقي بنفسها على السرير قائلة:

"لا أريد.. لست مستعدة بعد! "

ضحكت إيلين لتقترب من السرير قائلة:

"هيا، لا تكوني كسولة، وإلا لن أخبرك ما حدث معي صباحًا مع لوكاس! "

غمزت لها إيلين بشقاة

إستقامت بسرعة وبفضول، وانهالت عليها بالأسئلة:

"ماذا؟ هل اعترف لك بمشاعره؟ هل تقدم لخطبتك؟ هل طلب منك أن تنتظريه؟ أخبريني؟!"

ضحكت مجيبة على أسئلتها بهدوء يشعل فضولها أكثر:

"لن أخبرك إلا بعد دروس الرقص، والآن هيا، أحضرت ثوبكِ المعتاد "

نظرت إليها ڤينيس بعبوس لتستقيم وتتجه ناحية غرفة الملابس، تتبعها إيلين محاولة كتم ضحكتها قائلة:

"سأنتظرك مع المدربة، لا تتأخري "

كان ثوب الرقص كالمعتاد، ثوبًا أبيض طويلًا، يصل إلى ركبتيها، مرصعًا بالخيوط البيضاء اللامعة دون أكمام..

ارتدته بهدوء ووقفت أمام المرآة وهي ترفع شعرها بعفوية للأعلى وتنتظر..

أن يأتي مرة أخرى ويغلق لها السحاب كما فعل صباحًا

ثانية..

ثانيتان..

دقيقة..

لم يأتِ...

أرادت الخروج لإيلين لتساعدها على إغلاقه، ولكن أُغلق الباب بخفة بنسمة هواء باردة..

تراجعت إلى الوراء مرتبكة حتى التصق ظهرها بالحائط

استنشقت ذات الرائحة لتغلق عينيها وتبتسم هامسة:

"أنت هنا؟"

لا إجابة

وكأنها تحادث نفسها..

فتحت عينيها تنظر من حولها، لتجد نفسها ممسكة بوردة بيضاء.

نظرت إلى الوردة ورفعتها إلى أنفها لتشتمها وتنظر من حولها، تبحث عن مكتوب يكتبه لها مع كل وردة، ولم تجده..

شعرت بخيبة أمل لعدم رؤية كلماته، ولكن عندما التفتت لتهم بالمغادرة وهي تحمل الوردة، رأت أن سحاب ثوبها قد أغلق..

عقدت حاجبيها بتفكير

كيف لم تشعر بذلك؟!

لحظة إمساكها للوردة؟ أم لحظة إغلاقه لسحاب ثوبها؟

لكنها اكتفت بالصمت، وخرجت من الغرفة ناحية إيلين ومدربة الرقص ماليسيا..

رأت إيلين الوردة بين يدي ڤينيس، لتبتسم متسائلة:

"من أين لك بهذه؟ لم أرَ في حديقة القصر مثل هذه الزهرة الجميلة. تبدو لامعة جدًا."

ابتسمت ڤينيس لتضع الوردة على وسادتها وتجيبها:

"لا أعلم، وجدتها في الحديقة وحسب.. أحببت رائحتها، سأعتني بها في وقت لاحق "

خرجتا معًا ناحية قاعة الرقص للتدريب، ودخلتا من باب خشبي ضخم انفتح، وظهرت أمامهما القاعة..

كانت القاعة جميلة وضخمة جدًا، تتسع لمئة شخص أو أكثر. بلاطها العاجي لامع جدًا لدرجة رؤية انعكاسك به، وأضواء هادئة مناسبة تنبعث من فوانيس مطلية بالذهب.

أعمدة خرسانية ضخمة بلون البلاط تمتد للسقف، أو بالأحرى للسماء.

السقف كان كالقبة البلورية، مصنوعًا من الزجاج، لدرجة تستطيع رؤية النجوم وانعكاسها على البلاط..

اقتربت المدربة قائلة لها بهدوء واتزان:

"اخلعي حذاءك أولًا حتى لا تتعثري كما حدث في المرة السابقة، أو قد تؤذي كاحلك، يا سمو الأميرة "

أومأت لها بلطف لتجلس على أحد الكراسي وتخلع حذاءها الأبيض، ثم تضعه جانبًا وتقترب من المدربة حافية، بينما إيلين واقفة جانبًا تراقب مكتفة يديها بهدوء.

اقتربت إيلين من آلة الموسيقى وشغلتها، ليخرج لحن إيطالي هادئ..

أمسكت المدربة بيد ڤينيس تعدلها قائلة:

"ارفعي يدك للأعلى قليلًا، وكأنك تمسكين بيد شخص ما.. أمسكي بيدي.. نعم، صحيح. واليد الأخرى ضعيها هكذا وتحركي معي بهدوء. يجب أن تجاري خطواتي حتى لا تتعثري.. تخيلي أنك ترقصين مع أمير وسيم وحاولي ألا تقعي أو تؤذي قدمك هذا يساعدك على التعلم.. إنه حافز للتقدم لا أكثر.."

بدأت ڤينيس تجاري خطوات المدربة وتعليماتها بدقة وهدوء، وهي تتخيل أميرًا وسيمًا تراقصه بدلًا من المدربة..

فجأة سمعت صوته مجددًا:

" تخيلي أنك تراقصينني أنا.. "

اختل توازنها، لتدهس بقدمها على قدم المدربة وتتعثر، وكادت أن تقع لولا نسمة الهواء التي مرت من خلف ظهرها وأعادتها إلى مكانها، وكأنها لم تكن لتقع..

نظرت إلى المدربة، ثم إلى إيلين المستاءة بحزن من فشل صديقتها دومًا في دروس الرقص..

" المعذرة "

همست بإرتباك وخجل، لتحمل حذاءها بيديها وتركض مسرعة من قاعة الرقص باتجاه غرفتها

هل هو في كل مكان؟!

هل يراني وأنا لا أراهُ؟!

هل هو في عقلي؟!

هل يراقبني دومًا؟!

هل أنا أتوهم؟!

هل جننتُ بسبب حبي لشخصيات خيالية؟!

أم إن الشخصيات التي أحبها في الكتب قررت الخروج والعبث معي؟!

وصلت إلى غرفتها لاهثة بتعب بعد أن ركضت في أروقة طويلة وصولًا من قاعة الرقص إلى غرفتها.. أغلقت الباب خلفها واستندت عليه متوترة

نظرت إلى مكان الوردة على وسادتها، ووجدت أن تحتها مكتوبًا..

وقفت..

وإبتسـمت..

ألقت الحذاء من يديها ومشت لا إراديًا ناحية سريرها، متشوقة لقراءة كلماته..

أمسكت الورقة، وإشتمتها أولًا، قبل أن تلقي بنفسها على السرير مستلقية..

فتحت الرسالة، وهذه المرة عقدت حاجبيها بذهول:

♡ أعلم أنك شعرت بخيبة أمل لأنك لم ترين المكتوب مع الوردة في غرفة الملابس..

يدك ناعمة كالثلج كالورود التي أهديك إياها.. عندما أعطيتك الوردة شعرت بملمسها الناعم..

بالمناسبة، لم أعطك المكتوب لأنني أردت أن أراك كيف تتعلمين الرقص

لأكتب لك: أحسنت، أنت بارعة في الرقص وفي سرقة قلبي أيضًا

ولكنك تحتاجين إلى التعلم أكثر.. أتمنى لو كنت أنا مدرس الرقص لأجعلك تعيدين كل خطوة تخطئين بها حتى تحترفي الرقص أكثر وتراقصينني..

والآن، خبئي الوردة والرسائل في درجك كما خبأتِ الورود والرسائل السابقة.. وارتدي البيجامة الخضراء، فقد أحببتها جدًا، تبدو كلون عينيك تمامًا. لا تنسي أن تضعي من عطرك المفضل، رائحة اللافندر، فهو جميل عليكِ.. تصبحي على خير، ولا تفكري كثيرًا.. ♡ »

توقيع العاشق المجهول..

أغلقت الرسالة مبتسمة، لتجيب هامسة لنفسها:

"تصبح على خير لك أيضًا.. أيها المجهول الغريب "

استقامت وخلعت ثوبها لترتدي بيجامتها الخضراء

اقتربت من المرآة ورشت من عطرها المفضل على رقبتها وشعرها، لتعود إلى سريرها..

استلقت على جانبها الأيمن من السرير، والذي تحبه فهو بجانب النافذة الزجاجية الضخمة القريبة منها قليلًا، وتستطيع رؤية النجوم..

أطفأت المصباح بجانبها، لتغرق الغرفة في الظلام، سوى من ضوء القمر الذي يلقي بظلاله الهادئة على سريرها، ممتزجًا بصوت البحر العميق، وليبعث في نفسها وقلبها شعورًا غريبًا بالهدوء..

لكن سؤالًا واحدًا ظل يرافقها قبل أن تغمض عينيها:

من يكون ذالك العاشق المجهول؟! ♡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

𝑴𝑶𝑰𝑹𝑨𝑻𝑯𝑰𝑨

المؤلف Miss Venice
2026/09/24 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة