بين الدفء والصقيع

بين الدفء والصقيع

3 0

البرد. برد شديد قد اجتاح جسدي، وأضعف جوارحي. لا أقوى على متابعة السير في هذا الجو القارس. ما بال يديّ ترتجفان بهذه الشدة؟ أوهن جسدي إلى هذا الحد؟

اللعنة على هذا اللون الأبيض المنتشر في كل مكان.

ماء... ماء... أحتاج لرشفة ماء دافئة.

يا لها من سخرية، أن أكون في مكان كل ما فيه هو الثلج الأبيض، ولا أستطيع أن أنال قطرة ماء واحدة.

كم من الزمن كنت أسير؟ وكيف أتيت إلى هذا المكان؟

بل... من أنا، من الأساس؟

وفي نفس هذا الوقت العصيب، تحديداً، في قرية صغيرة وسط تلك الصحراء الجليدية المقفرة، كانت فتاة صغيرة بشعر زهري اللون، منسدل يصل حتى منتصف ذراعيها، تنظر للقادم من بعيد بعينيها الورديتين، والابتسامة قد ارتسمت على وجهها، مما أخفى النمش الصغير على وجهها، وهي تلوّح بيديها الصغيرتين وتقفز من الفرحة.

رجل ضخم البنية، عريض القوام، يرتدي الفرو الكثيف، انحنى واقترب قليلاً من طول الفتاة، وقال بصوت حنون:

"كيف حالك يا فاردا؟ هل كنتِ تنتظرينني؟"

أجابت فاردا: "أجل يا عمي غافين، انتظر لحظة."

اقتربت فاردا قليلاً من وجه غافين، وأزالت الثلج الذي كان يغطي جُلّ لحيته. ضحك غافين وشكر فاردا، وحملها ووضع قدميها بين رأسيهما، وقال لها:

"أنا أتضور من شدة الجوع. هل أعدت عمتك الطعام؟"

أجابت فاردا: "نعم، وقد ساعدتها في إعداده."

ضحك غافين: "فتاة مطيعة. لنذهب للمنزل بسرعة."

سار غافين وهو يحمل فاردا بضع خطوات، حتى وصل لمنزل صغير. فتح الباب الخشبي وقال بصوت عالٍ، لا يخلو من دفء: "لقد عدت يا عزيزتي."

ردت عليه امرأة بشعر بنيّ وعينين عسليتين، كانت ترتدي مئزراً للطبخ، استدارت وقالت والابتسامة على وجهها: "مرحباً بعودتك عزيزي، كيف كان العمل؟"

جلس غافين على كرسي خشبي والتعب ظاهر عليه، لكنه ظل مبتسماً وقال: "صعب كالعادة، لكن لا بأس. يجب أن نجمع أخشاباً وموارد تكفينا هذا الشتاء."

التفت غافين يميناً ويساراً، وقال: "أين دان؟ لم أره في الأرجاء. ألم... ألا تعرفين مكانه يا دايانا؟"

ردت عليه: "لا بد أنه يلعب مع أصدقائه. فاردا، تعالي إلى هنا."

أسرعت فاردا وقالت: "نعم يا عمتي."

قالت العمة لها: "هل يمكنك أن تذهبي وتنادي أخاك، وتقولي له أن يسرع، فالطعام جاهز؟"

أومأت فاردا بالإيجاب، وأسرعت للبحث عن أخيها. وبينما كانت تسير، كانت تحيي الناس في الشارع، وهم بدورهم يحيونها ويمدحون أدبها ولطافتها.

قالت فاردا في نفسها: "يا ترى، أين يكون أخي؟"

عندها سمعت صوت صراخ أولاد، فابتسمت وقالت: "لا بد أنه هناك"، وأسرعت ناحية مصدر الصوت. وعندما وصلت، وجدت أخاها الذي كان يلعب مع أصدقائه لعبة "الفرسان" — يتبارزون ويتقاتلون لإثبات من سيصبح فارساً في المستقبل.

نادت فاردا بصوت عالٍ قائلة: "أخي، تعال بسرعة، الطعام جاهز!"

سمع دان صوت فاردا، وأشار لأصدقائه: "إنها قادمة." ودّع دان أصدقاءه، واعداً إياهم بجولة أخرى قريباً. وصل دان لمكان فاردا وقال بصوت متعجب: "فاردا، هل عاد العم؟"

أومأت فاردا وقالت: "كنا سنتناول الطعام لولا أن العمة طلبت مني مناداتك."

قال دان: "أكنتِ ستتناولين حصتي لو كنتِ تأخرتِ؟"

ابتسمت فاردا بمكر: "ربما."

قال دان: "فتاة لئيمة!" وابتسم، وركض وقال بصوت عالٍ: "الأول سيتناول أكثر من الآخر!"

صرخت فاردا: "هذا ليس عدلاً!" وحاولت ملاحقته، لكنه كان سريعاً ووصل للبيت قبلها. كان دان ينتظر عند الباب حتى يغيظها، وقال لها: "لقد خسرتِ يا فاردا."

وعندما فتح الباب ليدخل المنزل، وجد العم غافين أمامه. قال للأخوين: "ما بالكما، والتعب قد ظهر على ملامحكما؟"

جرت فاردا ناحية العم وقالت بحزن: "دان أخبرني أنه سيتناول حصة أكبر مني من الطعام."

ضحك غافين: "إنه يمزح، لا تقلقي يا فاردا، هناك طعام يكفينا جميعاً. والآن، اذهبي لتساعدي العمة في إعداد المائدة."

"حاضر يا عمي."

جلس الأربعة على المائدة، التي كانت بسيطة، تتكون من الحساء والخبز الناشف، لكنها كانت في نظرهم أشهى وجبة في العالم.

قال دان للعم: "عمي غافين، متى يمكنني الانضمام معك ومساعدتك؟"

ضحك غافين وهو يقول: "انظروا إلى هذا الصبي، يبدو أنه مستعجل ليصبح رجلاً. حسناً، في المرة القادمة يمكنك أن تأتي معي."

صرخ دان من الفرحة وشكر غافين.

قالت دايانا لغافين: "هل استطعت أن تجمع ما يكفي من الأخشاب؟"

قال غافين: "لا تقلقي، فقد أبكرت السعي للبحث عن الأشجار، ووجدت عدداً غفيراً منها."

تنهدت دايانا وقالت: "هذا مطمئن."

أنهى الأربعة طعامهم، وكان كل من دايانا وفاردا يحملان الأطباق من على الطاولة. وبعد بضع دقائق، كان الأخوان يقفان أمام غافين، ينتظران سماع موافقته.

تنهد غافين وقال: "حسناً، حسناً، لكن لا تتأخرا ولا تبتعدا عن القرية."

فمنذ بضع دقائق، كان الاثنان قد طلبا من غافين أن يسمح لهما بالذهاب واللعب بالزلاقة الجليدية التي كان قد صنعها لهما، ووافق غافين بعد إلحاح طويل منهما.

توجه الاثنان بسرعة للزلاقة، وأزالا الغطاء الذي كان يخفيها — كانت عبارة عن لوح خشبي عريض متصل بقطعتين من المعدن تسمحان له بالعبور فوق الجليد بسهولة.

جذبت فاردا الزلاقة وكان دان يشدها، والاثنان يضحكان، وأصوات ضحكهما تعلو أكثر فأكثر، حتى وصلا لتلة من الجليد. نظر الاثنان لبعضهما بابتسامة، فأسرعا وقاما بشد الزلاقة حتى حافة المنحدر الصغير، وركبا عليها، ودفعا الزلاقة بشدة حتى هبطت من على المنحدر بسرعة.

قالت فاردا: "إنها ممتعة للغاية يا أخي."

قال دان: "تمسكي بي جيداً يا فاردا."

انحرفت الزلاقة عن مسارها، وارتطمت بالأرض، لكن الثلج خفف من ألم السقوط. نهضت فاردا من بين الجليد، فأبصرت رجلاً من بعيد يسير متعرجاً، قد شارف على السقوط.

قال دان: "فاردا، إلى أين تنظرين؟"

أشارت فاردا بخوف: "أخي، هناك... هناك شخص يقترب."

كان هذا الرجل المتعرج يسير بصعوبة، وقد صعبت الرؤية وأصبحت ضبابية أمام عينيه. يفتح عينيه بصعوبة، وقد فقد الأمل في النجاة، حتى لمح أشخاصاً من بعيد. وقبل أن يتمكن من النداء على الطفلين، كان قد سقط مغشياً عليه على الجليد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أثير نفسي

المؤلف Salah
2026/10/16 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة