بعد الفوضى التي اجتاحت المملكة، وبعد ساعات طويلة من البحث دون العثور على أي أثر...حل الظلام
دخل الأمير إلى قاعة العرش.
كان الملك أثريون جالسًا على عرشه، وإلى جانبه قائد الفرسان، وكبير الكهنة، وعدد من كبار الشخصيات من مختلف أنحاء المملكة.
كان التوتر والخوف يطغيان على أجواء القاعة.
خصوصًا بعد أن علم الجميع بالحقيقة التي كان يُعتقد أنها مجرد خرافة.
وقبل أن ينطق أحد بكلمة، قال أثريون:
"قبل أن تقولوا أي شيء... نعم، لقد اتخذت قرارًا طائشًا."
توقف للحظة، ثم تابع بنبرة حازمة:
"لكن كان يجب إخفاء الأمر قدر الإمكان، وألا يخرج شيء منه خارج القصر. لو علم أحد بأن الأسطورة حقيقية، لعمت الفوضى والحروب بين الممالك و مختلف الأعراق... وربما بدأت محاولات اغتيال أحد طرفي النبوءة."
ساد الصمت للحظات، قبل أن يتقدم أحد الوزراء بخطوة، وقال بحدة:
"كان يجب قتل ذلك الشيء! بسببك الآن حكمت علينا جميعًا بالهلاك!"
رفع كبير الكهنة رأسه وقال بهدوء:
"لا يجب أن يُقتل أو يموت... إلا على يد العنقاء. وإلا، فسوف يُعاقب العالم بأسره."
ضرب أحد المستشارين بيده على الطاولة، وقال بانفعال:
"إذن لماذا لم تعثروا على رمز العنقاء لحد الآن؟!"
لم يجب الملك.
بل أشار بيده إلى ابنه.
ثم قال كبير الكهنة:
"رمز العنقاء... أمامكم."
اتجهت أنظار الجميع نحو ألفاريون.
تجمدت ملامحهم من الصدمة.
"هل أصبح مصيرنا بين يدي طفل؟!"
اقترب الملك من ابنه وقال:
"اخلع قميصك."
نظر ألفاريون إليه باستغراب، لكنه امتثل لأمره.
وبمجرد أن خلع قميصه، ظهرت على ظهره وشمة ضخمة لعنقاء مرفرفة، وكأنها على وشك التحليق من جسده.
ساد الصمت.
ثم أضاف قائد الحرس:
"حسب ما نعرفه عن النبوءة... لا يمكن للعنقاء أن تقتل التنين إلا إذا تحققت شروط معينة."
ارتفعت الأصوات في القاعة.
"ما هي تلك الشروط؟!"
"ما الذي يجب أن يحدث؟!"
أجاب الملك:
"لا نعلم."
صمت الجميع.
ثم تابع:
"النبوءة غير مكتملة... فهي متفرقة بين الممالك والأعراق."
ساد الصمت من جديد.
ثم قال أثريون:
"ولهذا بدأت في تحسين علاقتنا ببقية الأعراق، على أمل جمع ما يكفي من المعلومات."
انفجرت القاعة بالضجيج.
"هذا جنون!"
"لن أتحالف مع المسوخ!"
"افضل أن أحرق حيا على التعامل معهم!"
تعالت الأصوات، واشتدت المشاحنات بين الوزراء والقادة.
لكن وسط كل ذلك الصخب، كان هناك قاسم مشترك واضح بينهم جميعًا...
العنصرية والتكبر.
وفي خضم تلك الفوضى، كان هناك شخص آخر تمامًا.
شخص لم يكن حاضرًا معهم حقًا.
كان الفاريون حاضر الجسد...
غائب الوعي والروح.
ذهنه مشوش.
كتفاه أثقل من أي وقت مضى.
وأنفاسه أصبحت أكثر صعوبة.
وكأن مصيرًا لم يختره قد وُضع فوق كتفيه فجأة.
رفع الملك يده، فخفت الأصوات تدريجيًا.
ثم قال:
"غادروا."
بدأ الجميع بمغادرة القاعة، قبل أن يضيف الملك:
"انشروا الفرسان خارج المملكة. أريدهم أن يبحثوا عن طفل يحمل المواصفات نفسها الذي سيخبركم بها الامير... أو عن رجل يحمل ندبة تمتد على طول خده الأيمن."
ثم التفت إلى أحد مستشاريه:
"وأرسل طلبًا لاجتماع طارئ مع الملوك والإمبراطور."
تردد المستشار للحظة.
فأضاف أثريون:
"نحن في وضع لا يمكن فيه إخفاء الحقيقة عن الجميع أكثر من ذلك."
"نحتاج لكل يد عون ممكنه"
ثم نظر إلى الحاضرين وقال بصرامة:
"لكن قبل أن يخرج أحد..."
توقفت خطوات الجميع.
"إياكم أن تخرج كلمة واحدة من هذه القاعة."
نظر إليهم بعينين حادتين.
"لو علم الشعب بما يحدث... ستعم الفوضى في جميع أنحاء العالم."
عم الصمت.
ثم بدأ الجميع بمغادرة القاعة واحدًا تلو الآخر.
حتى اختفى آخر شخص من المكان.
وبقي الملك ووريثه وحدهما.
نظر الفاريون إلى والده بحيرة.
أما أثريون، فظل يحدق في الأرض للحظات طويلة، قبل أن يقول بصوت منخفض:
"النهاية على الأبواب..."
رفع رأسه، وتغيرت ملامح وجهه.
ثم قال بلهجة قاسية:
"لا يجب أن نضيّع المزيد من الوقت."
نظر الفاريون إليه.
"غدًا ستبدأ رحلتك نحو العاصمة الإمبراطورية."
اتسعت عينا الأمير.
"ستلتحق بالأكاديمية العليا... أفضل مدرسة في أنحاء الإمبراطورية، والتي تخرج منها كل الحكام و كبار العائلات."
ثم اقترب الملك خطوة.
"يجب أن تصبح أقوى... في أسرع وقت ممكن."
صُدم الأمير من سرعة الأحداث.
"لكن—"
قاطعه والده فورًا:
"لا مجال للنقاش يا ألفاريون!"
ساد الصمت.
ثم تابع الملك:
"حتى لو كان ذلك الشيء لا يملك سحرًا، فما يزال تهديدًا لا يمكننا التساهل معه."
توقف قليلًا، ثم قال:
"ولا تقلق. بما أنك سليل عائلة فالثريون الحاكمة، فسيتم التساهل مع شروط دخولك إلى الأكاديمية، على عكس عامة المشاركين."
"ستعيد اختبارك الشهر المقبل، وسيشرف عنه الإمبراطور بنفسه، بما أنك أمير احد الممالك الأربع."
ثم نظر إليه بجدية.
"وبما أن حرب الخلافة بين الملوك الأربعة والإمبراطور الحالي تقترب... يجب أن نكون مستعدين."
استدار أثريون.
"والآن اذهب... وجهّز نفسك... ستغادر مع طلوع الشمس."
خرج الأمير من قاعة العرش، والغضب و الحقد يغلي في داخله.
وفي طريقه إلى غرفته، قال في نفسه:
"لم أرغب في هذه المسؤولية قط..."
شد قبضته.
"ومع ذلك، أُجبرت على حمل مصير العالم على رقبتي منذ ولادتي، أ هذه هدية يوم ميلادي؟!."
---
وبينما كان يسير في أحد ممرات القصر...
توقف فجأة.
استشعر شيئًا.
هالة غريبة.
شيئًا لم يشعر به من قبل.
ضيق عينيه.
"هذه ليست طاقة بشرية..."
اشتعلت النيران في يديه.
ثم قال بصوت حازم:
"من الأفضل أن تخرج من مكانك... أيًا كنت."
لم يجبه أحد.
ثم...
جاءه صوت من خلفه.
صوت مألوف.
"لديك موهبة غير مسبوقة، أيها الأمير ألفاريون."
استدار ألفاريون بسرعة.
ظهر أمامه شخص ذو شعر أحمر طويل، وأذنين مدببتين، بعدما ألغى اختفاءه.
حدق ألفاريون فيه للحظات و هو يرخي دفاعه.
ثم قال:
"ماذا تفعل هنا أيها الأمير؟"
ابتسم الآخر.
وقال:
"حسب ما أعرفه... أليس من المفترض أن يصبح الأمراء أصدقاء، توطيدًا للعلاقة بين العرقين؟"
---
في مكان بعيد...
في غابة شاسعة، كثيفة الأشجار، غمرها ظلام الليل.
كان سيلفار جالسًا فوق إحدى الأشجار العالية، يراقب المنطقة المحيطة بحذر.
وبعد لحظات، نظر نحو الظلال وقال:
"لقد استغرقا وقتًا طويلًا..."
صمت قليلًا.
ثم قال بقلق:
"آمل أن يكونا بخير."
وفجأة...
فتحت بوابة مظلمة أمامه.
خرج راجنار أولًا.
قفز سيلفار من فوق الشجرة واقترب منه.
وقال:
"كنت أقوم بالاستطلاع بينما كنتما في الفراغ. يبدو أننا ابتعدنا بما يكفي."
ثم نظر خلف راجنار، إلى تلك البوابه.
"كيف حال الفتى؟"
لم يجب راجنار.
ظل صامتًا وهو يحدق في البوابة.
وبعد لحظات...
خرج الطفل منها ببطء.
خطوة...
ثم أخرى.
وبمجرد أن فتح عينيه للمرة الأولى ليرى هذا العالم...
كان أول شيء رأته عيناه...
القمر.
كرة ضخمة بيضاء متوهجة معلقة في السماء.
كان ضوء القمر ساطعًا بالنسبة إليه.
لم تعتد عيناه الضوء من قبل.
ومع ذلك، لم يبعد نظره عنه.
ظل يتأمل شكله، وعيناه تلمعان بإعجاب ودهشة.
فتح فمه بصعوبة وقال:
"أ... إنه..."
ابتسم سيلفار وقال:
"جميل... أليس كذلك؟"
حاول الطفل الإجابة:
"م... ما ه... هي ماا... مج... مجيل؟"
تجمد سيلفار.
ثم نظر إلى راجنار بصدمة.
أما راجنار، فاكتفى بابتسامة هادئة.
وقال:
"هناك الكثير لتتعلمه يا داريوس..."
ثم نظر إلى السماء.
"لم ترَ شيئًا بعد."
التفت سيلفار إليه بسرعة.
"اسمه داريوس؟"
ما إن سمع الطفل اسمه، حتى نظر إلى سيلفار بخوف، وتراجع نحو الفراغ.
أسرع راجنار إليه وأخرجه منه، محاولًا طمأنته.
ثم أجاب راجنار عن سؤال سيلفار:
"أنا من سميته."
نظر إلى الطفل.
"لا يعرف أبسط الكلمات... ولا أبسط الأشياء. حتى إنه لم يكن يملك اسمًا."
ساد الصمت.
ثم قال راجنار:
"لا أعرف ماذا مرّ به هذا الصغير..."
خفض عينيه.
"لكنها ليست حياة تتمناها لأي شخص."
ثم نظر إلى سيلفار.
وظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.
"هناك مغامرة طويلة تنتظرنا يا أخي."
---
وأثناء حديثهما، بدأ داريوس يتأمل العشب من حوله.
كان لونه غريبًا بالنسبة إليه.
وملمسه مريبًا...
لكنه كان ناعمًا وجميلًا.
مد الطفل يده ولمسه.
ثم حاول الوقوف.
خطوة واحدة...
وسقط.
حاول مرة أخرى.
فسقط.
وفي كل مرة كان يتألم قليلًا، لكنه يعود للمحاولة.
نظر الشريكان إليه.
ابتسم سيلفار بسخرية و إحباط وقال:
"يبدو أن طريقنا سيكون طويلًا للغاية."
نظر راجنار إلى القرية الواقعة خلفهما.
ثم قال:
"ستبدأ رحلتنا الآن."
حمل الطفل على ظهره، وتوجه الاثنان نحو القرية.
---
وقبل أن يدخل الثلاثة إلى القرية، أوقفه سيلفار.
"مهلًا، مهلًا!"
التفت راجنار إليه.
فقال سيلفار:
"أتريد الدخول إلى قرية قريبة من المملكة بكل هذه البساطة، بعد أن اقتحمت القصر وحررت طفلًا منه؟!"
نظر إليه راجنار دون أن يفهم.
"هل جننت؟!"
ثم أشار إلى الطفل.
"علينا تغطية الفتى، أيها الأبله! غالبًا سيكون الملك قد جنّ بسبب ما فعلته!"
ثم نظر إلى داريوس باستغراب.
"كما أنك مهمل! ألم يعلمك أحد كيف تتعامل مع طفل؟ الجو بارد في منتصف الليل، والطفل لا يرتدي شيئًا!"
توقف راجنار للحظة.
ثم نظر إلى داريوس.
وأدرك الأمر متأخرًا.
"آه..."
أخرج رداءه من الظل، ولفّ به الطفل بعناية.
ثم دخل الثلاثة إلى القرية.
---
وصلوا إلى أحد الفنادق.
تقدم سيلفار إلى المنضدة وقال:
"نريد غرفة لثلاثة."
بدت على وجه المضيف ملامح الريبة.
لكن ما إن تعرف على سيلفار حتى تغيرت ملامحه تمامًا.
ابتسم بحماس وقال:
"السيد سيلفار سينام بنفسه في فندقي المتواضع؟!"
ثم انحنى قليلًا.
"إنه لشرف لي!"
وأشار إلى الدرج.
"الغرفة ستكون مجانية، كهدية امتنان لأفعالك البطولية... يا مغتال الرياح."
نظر سيلفار إلى راجنار بنظرة تفاخر واستعلاء ساخرة.
حدق به راجنار بملل.
ثم قال بانزعاج:
"لا تنظر إليّ بتلك النظرة المزعجة. أنت تعرف أنني أكره تكبرك هذا، أيها المعتوه."
ضحك سيلفار.
ودخل الثلاثة إلى الغرفة.
---
لم يستغرق سيلفار وقتًا طويلًا قبل أن يغرق في النوم.
أما داريوس...
فكان جالسا على الأرض، محدقا في ما خلف النافذة.
ينظر إلى القمر.
ينظر إلى أضواء القرية.
الغابه التي كانوا فيها...
الناس في الشارع.
النجوم التي تغطي السماء.
جلس راجنار بجانبه على الأرض.
ثم قال بهدوء:
"هل يعجبك المنظر يا داريوس؟"
ظل الفتى صامتًا.
عيناه معلقتان بتلك الأضواء في السماء.
ثم، دون كلمة...
اتكأ على راجنار.
وأغمض عينيه.
تجمد راجنار للحظة.
تفاجأ من فعلته.
ثم ظهرت ابتسامة هادئة على وجهه.
وقال:
"استرح أيها المحارب..."
ثم نظر إلى القمر.
"فقد حاربت بشهامة منذ ولادتك... وتستحق هذه اللحظة."
بدأ لعاب الصغير يسيل على ذراع راجنار.
نظر راجنار إليه للحظة...
ثم ضحك.
"هاه... حتى هذا لم تتعلمه بعد."
ثم نظر الى سيلفار و هو غارق في لعاب نومه.
" يبدوا أن الأمر طبيعي اذا..."
حمل الطفل بعناية، ووضعه على سريره.
لكن ما إن ابتعد عنه...
بدأ داريوس بالارتجاف.
كأنه يرى كابوسًا من الماضي.
اقترب راجنار منه وربت على رأسه برفق.
شيئًا فشيئًا...
هدأ الطفل.
وفي تلك اللحظة، اجتاح ذهن راجنار شيء من الماضي.
صوت قديم...
غامض...
"حافظ عليه..."
توقفت الذكرى للحظة.
ثم جاء الصوت من جديد:
"حتى يحين الوقت."
فتح راجنار عينيه.
نظر إلى داريوس طويلًا.
ثم قال بصوت خافت، لكنه يحمل عزيمة لا تتزعزع:
"لن أسمح لك بأن تعيش تلك الحياة مجددًا..."
شد قبضته.
"ليس ما دمت حيًا."
استلقى راجنار بجوار الطفل.
وأغمض عينيه.
وفي تلك الليلة...
نام الثلاثة تحت ضوء القمر.
ليستعدوا لغدٍ جديد.
لحياة جديدة.
لرحلة جديدة...
ومصير مجهول.
مصير طفل يحمل في داخله أسرارًا كثيرة...
أسرارًا ستغيّر حياة الاثنين إلى الأبد.
وربما...
ستغيّر العالم كله.