وعد ووداع

وعد ووداع

15 2

يا له من يوم رائع ، أنا اليوم أشبه بشخص يعاني من الإنسومنيا طيلة حياته ووجد دواء يمكنه من النوم بل ويوفر له ميزة تحقيق أي حلم يريده. أنظروا لمن تجلس بجانبي على طاولة عقد القران، إنها امرأة كالأميرات ترتدي فستان زفاف أنيق يلائمها وكأنه صُمِمَ فقط لأجلها، تمسك باقة من الزهور وهي لا تعلم أنها أزهى من كُل الأزهار، تنظر لي بعينيها البنية اللامعة وتبتسم لي بين الحين والآخر. حقاً أود كثيراً أن أحملها وأخرج بها راكضاً غير آبه لجميع الحضور، لكن صبراً يا يائيل، يجب عليك أن تتمالك نفسك لبضع أيام. أخيراً سمعت أخي الأصغر يحيى يهلل من بعيد قائلاً: لقد وصل المأذون يا يائيل !. اعتدلت في جلستي ومِلت بجسدي نحو زوجتي المستقبلية فداء وهمست قائلاً: بعد بضع دقائق ستصبحين زوجتي رسمياً، ووقتها سأمسك ذراعك وأخرج بكِ من هنا متجهاً إلى مكان لا يعلمه أحد. ابتسمت فداء وقالت: يحزنني أنني سأهدم قصر أحلامك الوردية لأن أبي الذي يقف خلفك تماماً لن يسمح بحدوث شيء كهذا إطلاقاً حتى زفافنا والذي هو بعد سبعة أيام من الآن. التفت ونظرت خلفي لأجد الأستاذ "فريد" والد فداء يرمقني بنظرات غريبة وكأنه يتمنى في داخله أن يخرج سلاحه ويطلق على رأسي، كيف لا وأنا ذلك الشاب الأهوج الذي سرق منه ابنته على حدِ تفكيره. ابتسمت له بتكلف ورد لي ذات الابتسامة، ثم نظرت أمامي وزفرت بخيبة أمل، بينما ضحكت فداء على حالتي . بعد ذلك وجدت المأذون يتقدم نحوي ويجلس بجانبي وبالجانب الآخر والد فداء، وضع المأذون تلك القطعة القماشية المزخرفة بأسماء العروس والعريس فوق يدي التي تصافح السيد فريد الذي انتهز الفرصة وصار يضغط على يدي وكأنه يخبرني بشكل غير مباشر بأنني لن أستطيع أن أسلب منه ابنته. مرت تلك الدقائق كالساعات ولكن بالنهاية ابتسمت بفرح فور سماعي لتلك الجملة الرائعة: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"، وبعد ذلك تعالت الزغاريد والتهليل والمباركات. لم أكترث لكل ذلك وانطلقت نحو زوجتي الجميلة وأمسكت يدها لأول مرة ونظرت لعينيها اللتان كانتا تلمعان بالدموع، وقلت بكل هيام وعشق: مبارك عليّ أنتِ يا أجمل نساء الأرض. نظرت لي فداء نظرات لم استطع تفسيرها، أهي نظرات حب أم اشتياق أم محض تأمل، وفي ظل  شرودي سمعتها تقول: يائيل... هل تتذكر ما وعدتني به؟ فكرت قليلاً ثم أجبت بتعجب : لقد وعدنا بعضنا البعض بالكثير من الوعود، عن أيها تتحدثين؟ رفعت إحدى يديها ومررتها على وجهي وكأنه ترسم ملامحي في عقلها ثم نظرت بتركيز بداخل عيناي وقالت: كُل الوعود قد تُنسى عدا الوعد الأخير ، لن أسامحك بحقي إذا نسيته. كنت على وشك الاستفسار عن ذلك الوعد الذي نسيت، ولكن... ما هذا الصوت؟ أهو صوت أعيرة نارية؟ نعم إنه كذلك !، ما الذي يحدث؟ صراخ يملأ المكان، وأمطار من الرصاصات تتناثر في كل مكان. نظرت أمامي لأجد أخي يحيى ممدداً على الأرض والدماء تغطيه، أمسكت بيد فداء وسحبتها لخلف أحد الطاولات وطلبت منها الاختباء هنا حتى أعود. لم أنتظر ردها واندفعت نحو شقيقي، وجدته فاقداً للوعي فضربته بلطف على وجهه عدة مرات ولكنه لم يستفق، نظرت لأجد أنه أصيب في بطنه بجرح سطحي فخلعت معطفي وحاولت إيقاف نزيف جرحه. نظرت حولي لأجد أن قاعة المناسبات قد أصبحت مقبرة جماعية لا يوجد بها ركن إلا وبه جثة، توقف نزيف أخي فتركته وصرت أزحف أرضاً محاولاً تلاشي الطلقات وصرت اتفقد كل من أعبر بجانبه لأرى إن كان حياً أم لا، لم يتدارك عقلي بعد ما يدور من حولي، يا إلهي لا أصدق هذا ! هل مات الجميع؟ نظرت إلى فداء فوجدتها تصرخ باسمي وتبكي طالبتاً من العودة إلى جانبها. لم أكد اتحرك من مكاني حتى شعرت بألمِ يمزق كتفي الأيسر، لقد أُصبت بإحدى الرصاصات... الدماء تناثرت على ملابسي ووجهي وأشعر أنني فقدت القدرة على الحراك، ولكنني ما زلت على قيد الحياة . ما الذي تفعلينه أيتها البلهاء!؟ ابقي في مكانك إياكِ أن تأتي، رجاءً لا تفعلي! كانت تلك العِبارات التي تلفظت بها تجاه فداء التي اندفعت نحوي بعد إصابتي، لكنها لم تنصت لي... وما إن اقتربت مني حتى صُبغ فستانها الأبيض بلون أحمر قاتم، كانت تلك دماؤها... نعم لقد ثقبوها بثلاث رصاصات أمامي مباشرة، تناسيت كل آلامي وكافحت للوقوف على قدمي وركضت إليها ، ولكن ما إن أدركتها حتى وقعت بين يداي، كانت تنزف بشدة وتلفظ أنفاسها بصعوبة ومع ذلك لم تزح نظرها عن وجهي ، لم أستطع فعل أي شيء سوى أنني مددتها على الأرض وجلست بجوارها وظللت أردد بهستيرية: فداء لا تخافي ستكونين بخير، أقسم لكِ ان كل هذا سيمر يكفي أن تتحملي قليلاً فقط . ابتسمت فداء بألم ثم أغمضت عينيها، هنا لم أستطع التحمل، وقفت وحملتها بصعوبة بين يداي واتجهت نحو باب الطوارئ. فتحت الباب وخطوت خطوة واحدة فقط وبعدها سمعت شخصاً يقول من خلفي: يا لك من ساذج وغبي يا يائيل، كوالدك تماماً... هل تظن أنك ستخرج من هنا بهذه السهولة؟ وبعد ذلك لم أسمع سوى دوى إطلاق النار من جديد ولكن هذه المرة كنت أنا الهدف ، يا له من شعورٍ قاسٍ، ولا أتحدث هنا عن الألم... بل أتحدث عن العجز. وقعت على ركبتاي ووقعت فداء من يدي أرضاً، وبدأ العالم يظلم من حولي ، فقدت توازني تماماً فارتطم جسدي بالأرض بقوة، كان الأمر أشبه بليل قاتم يبتلعني ولا أستطيع المقاومة، أو بشخص يغرق في محيط عمقه عشرون ألفُ متر، تعددت المشاعر في تلك اللحظة ولكن النتيجة واحدة... إنها النهاية بالنسبة لي ولجميع من كانوا هنا، لنرقد في سلام.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوعد الأخير

المؤلف Asmaa Mohammed
2024/08/21 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة