1993

1993

15 1

بدأ ذاك المسن يبتعد من أمام ناظري شيئاً فشيئاً حتى اختفى تماماً، نظرت حولي وفجئت لرؤيتي أن القاعة فارغة وليس بها أحد، نهضت وأنا امسك رأسي الذي يكاد ينفجر من الصداع، لم أعلم ماذا أفعل فقررت الخروج من هنا لأستكشف المكان بالخارج قائلاً في نفسي أنه بطبيعة الحال سأظل محتجزاً هنا حتى ينتهي مفعول الدواء وأستيقظ في عالمي.  تقدمت خطوة واحدة خارج تلك القاعة فوجدت شيئاً غريباً، المنازل تبدو مختلفة كذلك ملابس البشر الذين يعبرون من أمامي، ليست مختلفة كلياً بل تبدو وكأن صيحتها قد انتهت منذ ثلاثين عاماً!. اخذتني قدماي إلى أحد الشوارع الرئيسية حيث كان هناك العديد من المحلات التجارية وعدد من الباعة الجائلين وبالطبع الكثير من الأناس.  شعرت بالدوار فجلست على أحد الأرصفة لأستريح قليلاً وجاء رجل وزوجته وجلسوا بموقع قريب لي، كانت اصواتهم مرتفعة وكان الزوج يقول لزوجته: ما كل هذه الأكياس! لقد قلت لكِ مراراً أن لا تشتري أشياء لا قيمة لها يا رئيفة ،ردت عليه الزوجة بتبرير: لا تحكم على الكتاب من غلافه يا عبدالحميد فكل الأشياء التي جلبتها ذات قيمة، فقد اشتريت الخضار وبعض اصناف الفاكهة وثلاثة كيلو لحم ضأن، عقب الرجل متسائلاً: وبكم اشتريتِ اللحم يا رئيفة؟ اجابته رئيفة بنبرة غير راضية وقالت: لقد ارتفعت الأسعار كثيراً يا عبدالحميد، هل لك أن تتخيل أن سعر كيلو اللحم قد أصبح واحد وعشرون جنيهاً!، في هذه اللحظة صحت أنا والزوج في ذات التوقيت وقلنا: ماذا! نظر لي الرجل وقال: لك الحق في الاندهاش يا أخي، من يصدق أن سعر اللحم قد ارتفع أربعة جنيهات في عام واحد! لنا الله حقاً. كنت في صدمة من أمري ولا أعلم ماذا أقول؟ هل سعر اللحم في عالمهم رخيص بهذا الشكل وهم متضايقون! ماذا إن علم عبدالحميد المسكين أن سعر اللحم في عالمي أربعمائة وخمسون جنيهاً؟ أعتقد أنه سيصاب حينها بذبحة صدرية.  ابتسمت بسخرية على الواقع المرير الذي نعيشه ونهضت لأكمل استكشافاتي تاركاً عبدالحميد ورئيفة يتجادلان حول سعر الفاكهة. شردت وأنا أجول الشوارع حتى استوقفني أحد المنازل الفخمة وجائني شعور بأنني أعرف هذا المنزل من قبل، أمعنت النظر على بطاقة التعريف الموضوعة على بوابة ذاك المنزل وقرأت بصوت خافت ما عليها: "منزل رقم ٢٦ ،الأستاذ زين الدين الجمال "، حككت رأسي وأنا أحاول تذكر أي شيء ولكن بلا فائدة!. "هل تبحث عن أحد يا سيد؟"، جاء هذا الصوت من خلفي فاستدرت ببطء وتجمدت في مكاني عندما رأيت صاحب الصوت، انها الخالة جميلة التي أرضعتني عندما كنت صغيراً لأن أمي رفضت فعل ذلك حتى لا يخرب تناسق جسدها، يا له من مبرر فارغ!، نعم نعم هي الخالة جميلة يستحيل أن أنساها، ولكنها تبدوا أصغر سناً أو لأكون أدق...تبدوا أصغر بثلاثون عام! اطلت في الشرود فككرت السؤال مرة أخرى "هل تبحث عن أحد أو تحتاج مساعدة؟"، رددت ببلاهة شديدة وقلت: هل أنتِ الخالة جميلة؟، عقدت حاجبيها وقالت بغضب: هل نعتني بالخالة لتوك؟ يا لك من رجل فظ! أنا أبلغ فقط الخامسة والعشرين من عمري أيها الرجل الأبله، ولكن لحظة... من أين لك أن تعرف باسمي؟ أجبتها بابتسامة وقلت: أنا يائيل ألا تتذكريني؟ تمعنت النظر بوجهي لمدة ثم قالت : لا يا سيدي للأسف لا أعرفك، ولكن أنت من أين تعرفني؟  كنت على وشك فعل أكثر شيء محرج وغير عقلاني واخبرها بأنها مرضعتي ولكن لحسن الحظ أنقذتني فتاة عشرينية اقتربت مني فجأة وأمسكت يدي وهي تقول: عذراٍ يا سيدة جميلة لابد أن هذا الرجل هو الخادم الجديد. ثم نظرت لي وهي تقول: لم تأخرت كل هذا كان من المفترض أن تصل في الصباح!. لم أكد أتحدث حتى جذبتني تلك الفتاة إلى داخل المنزل وأدخلتني إلى إحدى الغرف ووقفت أمامي وقالت: هذه غرفتك التي ستنام بها أنت وخادم آخر يدعى إسماعيل، ستجد ملابس في الخزانة ارتديها ثم اخرج وانتظرني أمام المنزل لأنه يجب علينا الذهاب للسوق.  كنت على وشك مقاطعتها وشرح موقفي ولكنها تركتني وذهبت مسرعة فقلت بصوت مسموع: يا له من عالم غريب! أنا لم أعد أفهم شيئاً، ما الذي جاء بالخالة جميلة هنا وكيف عادت بكل ذاك العمر ؟ أليس من المفترض أن هذا عالم غير حقيقي؟ قررت أن أتوقف عن التفكير حتى لا أصاب بالخرف أو الجنون وهداني عقلي إلى أن أرتدي الملابس وأخرج مع تلك الفتاة للسوق محاولاً فقط أن أقضي وقتي في أي عمل حتى أستفيق. وبالفعل ما هي إلا بضع دقائق وكنت قد تجهزت فخرجت وانتظرت أمام المنزل حتى خرجت تلك الفتاة فقلت لها وأنا أزفر بضيق: ما كل هذا التأخير؟ لقد مللت الإنتظار هنا. نظرت لي بلا مبالاة وقالت: إذن في المرة القادمة لا تنتظر هنا وانتظر هناك، ثم عبرت من أمامي ووخطت بضع خطوات وهي تقول: هيا تحرك ليس لدينا الكثير من الوقت. كنت استشيط غضباً ولكني حاولت التماسك قائلاً في داخلي: اهدأ يا يائيل وتمالك أعصابك، لم يسبق لك أن كنت وقحاً مع أي امرأة من قبل ولن تكون كذلك. مشينا كثيراً وكثيراً وكنت أشعر بالملل فقررت أن أبدأ أنا الحديث معها فقلت: ما هو اسمك؟ لم تنظر لي وقالت بسخرية: هل سيشكل اسمي فارقاً، ما أهمية الاسم بطبيعة الحال ؟. اجبتها بكل منطقية وقلت: بالطبع سيشكل فارق، فالاسم هو الشيء المميز لكل شخص وأيضاً وسيلة جيدة للتواصل، أم أنكِ تفضلين أن أناديك ب "يا هذه" ؟ تنهدت بنفاذ صبر وقالت: يا لك من شخص ثرثار، حسناً أنا ادعى ريمان، هي ارضيت فضولك الآن؟. أجبتها بكل ثقة: صدقتِ بتلك النقطة فأنا شخص شديد الفضول، وبالمناسبة أنا ادعى يائيل. جاءتني اجابة متوقعة بشكل ما منها فقدت قالت: لا أهتم إن كنت يائيل أم دمائيل. "أنتِ ثقيلة الظل يا ريمان لا تمزحي مجدداً " عقبت على مزحتها الغير مضحكة بتلك الكلمات وأمضينا باقي الطريق كما بدأناه، في سكوت تام. وصلنا للسوق وبينما كانت ريمان تفاصل في الأسعار مع أحد الباعة وجدت موكب كبير من السيارات يقترب إلينا والباعة اندفعوا في فزع وكانوا يقفون وهم يرتعشون أمام عرباتهم ومنهم من كان يضع يده بطريقة تأدية التحية العسكرية. قلت بتساؤل لريمان: ما الذي حدث لهؤلاء الناس يا ريمان ؟ ركلتني ريمان بقدمها فتألمت ولكني حاولت كتم ألمي وصحت بها قائلاً : هل جننتي؟ لما فعلتي ذلك؟. سمعت صوت سيارة وقفت خلفي وفتح بابها وتبدلت ملامح وجه ريمان للصدمة وقالت بخوف: أنظر خلفك يا أحمق وتوقف عن الكلام قبل أن تقضي ما تبقى من عمرك بالسجن. لم أفهم ما تقصده وقررت أن التفت لأرى ما يوجد خلفي، ويا ليتني لم أنظر، فقد صرخت بفزع قائلاً: يستحيل! بالتأكيد أنا أتوهم... لا أصدق أن السيد الرئيس حسني مبارك رحمه الله يقف أمامي!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الوعد الأخير

المؤلف Asmaa Mohammed
2024/08/21 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة