كانت تلك الفتاة صاحبة الأثنان وعشرون عامًا تتحرك بخفة مثل الفراشة، هنا وهناك بإبتسامة تزيين وجهها الحزين، الذي أحتله البؤس بعد وفاة والديها وتركهم لها بمفردها؛ تواجه تلك الأيام وحدها دون سند، دون أمان، دون روحٍ وبمفردها تمًاما، صاحت فيها تلك السيدة الغليظة: «مش معقول أنتي مبتفهميش خالص، فين اللي مشغل الأشكال اللي زيك في Restaurant فخم زي دا؟!!» كتمت غزل غيظها من حديث تلك السيدة الشمطاء، ثم تحدثت بغضب لا تدري من أين حصلت عليه: «ومالها الأشكال اللي زيي يا حيزبونة أنتي! والله لو ما لميتي نفسك، هوريكي أنا تلمي نفسك إزاى وإزاى تتكلمي مع أي إنسان بأسلوب محترم» وكادت أن تمسك بشعر تلك السيدة وتُربحها ضرًبا، لولا تلك اليد التي أوقفتها وأبعدتها للخلف؛ فكانت تلك مديرة هذا المكان، فتحدثت بلبقائة لتلك السيدة الجالسة: «أنا بعتذر لحضرتك جدًا يا فندم، بس أنا مش بعتذر عن اللي حصل أنا بعتذر عن اللي هقوله؛ حضرتك هتعتذريلها دلوقتي وإلا تاخدي بعضك وتمشي من غير مطرود» صُعق كل الجالسين من الحديث ومن ردة فعل المديرة، كانوا يعتقدون أنها ستطرد تلك الموظفة أو تعنفها عن ما فعلته حتى وإن كانت مخطئة، وكان هناك من يقوم بتصوير ما حدث منذ البداية فتدخلت قائلة: «أنا شوفت اللي حصل من البداية خالص يا هانم، البنت دي مغلطتش هي قدمت المشروب ومشت والست هي اللي زودت سكر في المشروب وجابت الغلط على البنت المسكينة دي، واضح أنها متضايقة منها بسبب حاجه، وأنا كنت فاتحة لايڤ وكل الفلورز بتوعي شافوا اللي حصل» أحمر وجه تلك السيدة من الخجل والغضب وكل النظرات متوجهه إليها فهتفت بحقد: «أيوا أنا قاصدة أعمل كل دا، علشان البنت دي ترفض ابني أنا، ابني المهندس ناصر العدوي يترفض من بنت خدامة زي دي!!!» كادت أن غزل أن تتحدث وتخسف بها الأرض هي وابنها ولكن تدخلت مارلين صاحبة المطعم تنهي هذا الشجار قائلة: «ابنك يترفض عادي جدا وميترفضش ليه دا مهندس فاشل وبلاش اتكلم أكتر من كدا علشان كلامي مش هيعجبك وأتفضلي يلا من غير مطرود» ذهبت ورحلت ورائها تلك الفتاة المسكينة منكسرة من حديثها ومن تقليلها لشأنها، حاولت مادلين أن تراضي الذبائن ولكن بالأساس هم لم ينزعجوا بل أعجبهم أن تلك المديرة لم تهين الفتاة التي تعمل بمطعمها، سحبت مارلين غزل من يدها وذهبت لمكتبها: «مش عايزة اللي حصل يأثر عليكي، دي ست متربتش ولا هي ولا ابنها ومش لازم كلامها يأثر عليكي، انتي مش شايفة شكلها عامل ازاى، دي شبه حيوان الشمبانزي» ضحكت غزل بشدة علي حديث مارلين ولا تستوعب إلى الأن أن تلك السيدة تربت في تركيا وعاشت بمصر عشر سنوات وأصبحت تتحدث أفضل من المصريين: «أولًا حرام نتريق على حد أو على شكله دا أسمه تنمر ومفيش حد أحسن من حد كلنا مخلوقين من طين وكلنا بشر، مش مستاهلة أنها تاخد حسناتك وانتي تاخدي ذنوبها، وبعدين أنا مش زعلانه أنا هروح أكمل شغل، خلي بالك من نفسك وأعملي حسابك هتيجي تتغدي معايا النهارده» ذهبت وتركت مارلين تنظر في أثرها بحزن وهي تعلم كم هي تتألم وبشدة ولكنها ستحاول دائما من أجلها وستحاول إسعادها كما تفعل دائما. ______________________________________________ أمام شاطيء عروس البحر المتوسط يجلس شاردًا في حياته وما وصل إليه بسبب أبيه والذي أوصله لحالة من الأضطراب والخوف وضعف الشخصية، دائمًا ما كان يهدم شخصيته وكيانه حتى جعله بلا شخصية وبلا هدف وبلا حياة من الأساس، قطع تفكيره صوت شقيقته ليلي: «مش كفاية بقا يا فؤاد قعدة قدام البحر، الجو بقا سقعة أوي وهتتعب وتاخد برد، قوم يا حبيبي يلا» خوفها عليه يُشعره بضعفه أكثر وأكثر، ابتسم لها بخفوت وذهب معها حيث منزلهم «اى رأيك يا فؤاد ننزل القاهرة كم يوم نغير جو؟» هتفت ليلي تلك الجملة بتوتر كإقتراح لكي يذهب لرؤية والدته ووالده، نظرت له بترقب وخوف من ردة فعله، أما هو عند ذكر اسم تلك المحافظة التي يكرهها لأنها تُذكره بكل ما حدث له، توتر وظل شاردًا بضع دقائق فتيقنت أنه رفض بصمت ولا يجب أن تحادثه مرة أخرى ولكن قطع تفكيرها حديثه الصادم بالنسبة لها: «م.موافق نرروح بس مش هنطول، يوم بس م.مكن» ابتسمت له وأحتضنته بشده، وبعد قليل من الوقت كانوا بمنزلهم يرتبون أغراضهم التي سيأخذونها معهم، كانت ليلى من ترتب الأغراض ولكنه كان يجلس بصمت في غرفته ويفكر في تلك المقابلة التي ستحدث بينه وبين والده، يفكر في حياته التي يقضيها بصعوبة بالغة تذكر يوم تخرجه من كلية الأداب قسم علم النفس، تلك الكلية التي درس بها رغمًا عنه بسبب رغبة والده وحبه لهذا المجال ولكن ما علاقته بحب والده لعلم النفس بأن يجعله يدرسه، إنه حتمًا ظلم شديد! تذكر ذلك الحلم الذي ضاع منه؛ حلمه أن يصبح باحثا في علم الأثار، كان شغفه شديد بذلك العلم وكان حلمه الوحيد أن يلتحق بكلية الأثار وأن يتخصص في علم المصريات ولكن هيهات كل هذا أصبح سراب الآن قطع تلك الذكريات رنين هاتفه: «السلام عليكم، ازيك يا دكتور أنا هيام المريضة اللي عند حضرتك، كنت حضرتك شخصتني إنى محتاج حب وحنان وقولتلي أكلمك بعدين تقولي أعمل اى وأنا دلوقتي مش عارفه أعمل أى خالص، هااا قولي يا فوفو بقا أعمل أى!» كانت تتحدث بنبرة لعوب ممحونة، تلك غريبة الأطوار جعلته يتوتر وبشدة من حديثها ذي المعانى الكثيرة فأردف بصعوبة بالغة في تجميع الكلمات: «أنا قولت محتاجة دفء يعني عيلة، قربي من أهلك وأتكلمي مع والدتك وأحكيلها أنها م.مقصرة في حقك وبس كدا مع السلامة يا أن.نسة» أغلق الهاتف بسرعة وهو يتنفس بسبب توتره من تلك الفتاة الغريبة، تلك المهنة حقًا بالغة الصعوبة بالنسبة إليه. انتهت ليلي من ترتيب الحقائب وذهبوا لمدينة القاهرة وتأمل هي في فرصة لأخيها وأبيها معًا وهو يأمل أن لا يتقابل مع أباه أبدًا وأن ينتهي ذلك اليوم سريعًا وذلك الكابوس الذي سيظل ملازمًا له طيل حياته..... ________________________________________________ في مدينة إسطنبول التركية، يجلس بغرفته يتحدث بالهاتف، مُعلنًا عن موعد عودته ويبدو أنها عودة حتمية ولا رجوع لتلك البلدة مجددًا فلقد خسر كل أمواله في صفقة من صفقاته الفاشلة التي نادرًا ما تتم: «أيوا يا أمي راجع، معتش في فلوس خلاص ومضطر أنزل أشوف business في مصر، أنا من يوم ما جيت هنا وأنا بيتنصب عليا بس!» «يعني أنا بطفح الدم لما باخد من أبوك القرش بالعافية، علشان تقولي هنزل وفلوسي خلصت؛ أنت فاكر بقا أن محمود باشا يسيب السنيورة مراته وولادها السنكوحة ويجي يشوفنا أو يصرف علينا كدا، دا أنا بطفح لما باخد منه تمن الكوافير والمكياج بتاعي!» تنهد بملل من حديث والدته الدائم الذي لا ينتهي بتاتًا، وعن حقدها على زوجة أبيه الثانيه وأولاده، أغلق معها الخط مقررًا العودة لبلده، وإن انتظر يومان آخران حتمًا لن يتبقي معه ثمن تذكرة السفر. «أي يا چو مسافر بقا وكدا يا عم» قالها رفيقه إدوارد بغمزة «بقولك اي سبني في حالي أنا فيا اللي مكفيني» «طب عايز منك خدمة يا صاحبي بما أنك نازل مصر» «مارلين، أمي يا يوسف بالله عليك تسأل عليها وتعرفلي مكانها فين، شوفها نزلت مصر أصلا ولا» «نفسي أعرف أنت أمتى هتبطل تدور ورا الست دي، دي سابتك ومشيت من عشر سنين ومهتمتش ليك ولا خافت عليك، ليه بقا بتتزفت تسأل عنها، ليييييه؟!!!» بكى إدوارد متذكرًا رحيلها عنه بسبب والده الذي كان يضربها كل يوم، فقررت الرحيل وتركت ابنها وحيدًا، ينزف ألمًا وشوقًا لأجلها ولكنها لم تهتم! «أنا أسف يا إدوارد، أسف يا صاحبي بس كل ما افتكر قهرتك ووجعك بتعصب أنا مقدرش أشوفك كدا يا صاحبي، أنا ماصدقت أنك فوقت وبقيت كويس، ويسيدي أوعدك هدورلك عليها بس أنت لسا مصمم متجيش معايا وتسبني لوحدي!» «مش هقدر يا چو، مش هقدر أنزل خليني هنا وهنبقي على إتصال علطول» «طيب أنا هقوم أعمل العشا النهاردة أنا مع أنه يومك بس يلا هعطف عليك لأني مسافر ومش هتدوق أكلاتي الطيبين تاني بس تعالى ساعدني Hadi Arkadaş» ☆" ان الله عادلٌ سيؤتي كُل ذي حقٍ حقه ولو بعد حين. " __________________________________________________ «فؤاد يا حبيبي في مطعم قريب من هنا نروحله نستريح حبة أحنا لسا قدامنا نص ساعة ونوصل البيت وأنا جعانة أوى» «ه.هشوف لو فيي» بعد خمس دقائق وصلوا أمام مطعم Ezmır، الأسم غريب، هل هو مطعم مأكولات تركية أم ماذا؟ جلسوا وهما ينظران بكل مكان، تصميم المطعم من طراز تركي ورائحة الطعم أكثر من رائعة، كانا يأكلان في صمت ثم تحدثت ليلى: «أنا عارفة أنك خايف ومتوتر يا حبيبي، بس أنا عايزة الأمور تتحل بينكم مش عيزاك تفضل كاره أبوك ولازم تواجهه باللي جواك علشان متتعبش أكتر» أحقًا تريده أن يمحو كل سنوات عذابه بهذه السهولة ومجددًا تُشعره بضعفه أكثر وأكثر، أختنق من الحديث وأستأذن للذهاب للحمام وعيناه ممتلئة بالدموع يجاهد ألا تخرج والرؤية مشوشة بالنسبة له وفي ثانية أصطدم بجسد فتاة فأوقع المشروبات على ملابسها ولحسن الحظ أنها مشروبات باردة ولكن حقًا البارد هنا هو تلك الفتاة: «أي يا أستاذ ما تفتح، ينفع كدا يعني بوظت الأوردر وكمان بوظت هدومي دا أنت غبي بقا والله وكمان شكلك عبيط» كان تظن أنه فعلها قصدًا بغرض المعاكسة أو شيء من ذلك ولكن مالا تعلمه أن قلبه كان ينبض بشدة من حديثها الجارح، ذهب سريعًا للحمام في صمت ودموعه تسيل على وجنتاه، أما هي فستتلقي صدمتها الأن: «أنتي إزاى تعملي كدا مع أخويا، إزاى؟!!!! أنتي والله مريضة وغبية هو عملك أي لكل دا، حرام عليكي أخويا عنده إضطراب نفسي وغصب عنه مشافكيش لأنه كان بيبكي حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا شيخة!!» صمتت بحرج وخوف مما قالته وأنه بالتأكيد سيكون تأثيره عليه ليس بهين حاولت التحدث والأسف لكن قاطعتها ليلى بغيظ دفين: «أنتي عارفة أنا أقدر أخسف بيكي الأرض في ثانية، أسألي كدا أي حد عن محمود النجار وشوفي هيقولك أي وبتليفون واحد بس أقدر أخد حقي منك كويس» هل حقًا تخاف من تهديد الروايات السخيفة هذا! لم تخف بقدر ما صُدمت من الأسم وهل حقًا هؤلاء أولاده وهل ذلك الفتى هو صديقها مُنذ الطفولة، فؤاد قلبها الذي سافر مُنذ زمن وافترقت الطرق، حقًا يا إلهى أنها صُـدف صادمة.... _______________________________________________ دُمتم سالمين ♡ _ما تحليلكم للشخصيات؟ _ما الذي حدث لفؤاد ليصبح بهذا الشكل؟!
نـدىٰ بـرعـي`غـرام`