كنتُ دائماً اتساءل : "هل هذا هو قدري؟ أم يمكنني تغييره؟".
وسط صهيل الخيل الشاهقة، صاح القائد الذي يتقدم رجاله «اسرعوا»
مئة رجل على خيولهم كثيب أسود من الفرسان يجتاح البلدة، يملؤها الغبار، و تصدح اصوات الاستغاثة في الهواء.
كانت البلدة تغطس في بحر من الدماء والفوضى. ترتفع صرخات الاستنجاد، وكأنها ترثي نهاية وشيكة.
الا ان ذلك القائد القادم من المجهول ذو الخوذة الحديدية سحب سيفه وصاح بصوتٍ مُدوي يشجع رجاله«أهزموهم شر هزيمة»
في خضم المعركة كان ابناء البلدة يحاولون الهرب بين تعثرات وضربات السيوف والرصاص من رجالٍ بدو همجيين في قتالهم، لا رحمة لديهم،يسحبون النساء من شعرهن وينحرون الرجال، ويجرون الأطفال كالبهيمة .
لكن ذلك القائد ورجاله كانوا نداً لأعداء اهل البلدة وواجهوهم بقوة، قابلوا همجيتهم بأشد منها، كل رجل يقاتل رجلين في آن واحد، دافعوا عن البلدة كأنها بلدتهم حتى انتصروا بأنسحاب العدو
وقف القائد يأخذ انفاسه ويرى حوله لِما خلفته المعركة من دمار، نساء تبكي واطفال تتصارخ ورجال ذو جروح قاتلة، فجاء اليه رجل ذو شعر اشقر طويل وقَدم له ورقة.
نظر القائد الى الصورة المرسومة لفتاة جميلة واخرج من جيبه رسمة لنفس الفتاة وهو يسمع رجله يقول« خسرنا سبعة رجال واثنا عشر جريح»
خلع القائد خوذته وظهرت ملامح القسوة في عينيه وشفتاه البائسة كما حمل وجهه بعض ندوب حروب سابقة.
تقدم نحوهما شاب، ذو شعر بني ووجه جميل وخلفه ستة رجال
الشاب«شكراً لكم على مساعدتكم»
مدّ يده مصافحاً« استو، قائد فرسان بلدة اورمايا»
بادله الاخر المصافحة «جيد انك قلت ذلك، أوبوارت فايد قائد جيش بلدة نودا، وأريد مقابلة رئيس بلدتكم»
استو مُرحباً «تفضل معي انتَ ورجالك، فرئيس القرية سيشرفه مقابلتك»
سار اوبوارت مع آستو ورجاله، وهو يتفحص البلدة ويقول «أولئك الذين هاجموكم، يعرفون ما يريدون»
انتبه استو وشعر بالخوف من كلامه واردف «مهما كان ما يريدون فلن يحصلوا عليه»
لم يعبأ الاخر لكلامه.
دخلوا منزل كبير لرئيس البلدة لم يكن بذلك المنزل الفاخر جدا كان يبعث على الهدوء والسكينة
دلفا إلى قاعة الاستقبال حيث كان يجلس على كرسي موازي لباقي الكراسي التي امامه من الجانبين،يظهر أنه بنفس مرتبتهم فلن يرفع الكرسي من مرتبته شيئا.
وقف كبير البلدة وهو رجل تجاوز الخمسين عاماً بلحية بيضاء طويلة وتجاعيد واضحة وملامح حكيمة.
ابتسم كبير البلدة بحرارة وفتح ذراعيه «اهلا بك ايها القائد، نحن شاكرون لوجودك»
اوبوارت بأبتسامة طبيعية «شكرا لك»
«تفضل بالجلوس، ستكون ضيفاً عزيزاً»
«أتمنى ان لا تغير رأيك بعد سماع سبب مجيئي»
انتبه كبير البلدة وشاهده يجلس في احد الكراسي واستو قبالته
كبير البلدة «كيف يمكنني مساعدتك؟»
«انا مبعوث سيدي كورون بيلينوس حاكم مدينة نودا، الذي يرغب بالزواج من ابنتكم »
تجهم الاثنان من كلامه وهنا دخلت شابة يافعة بجمال آخاذ، بشرة ناصعة البيضاء كشعرها المجعد الطويل وعينان بلون الذهب بملامح بريئة وجميلة، بحيث الرسمتين اللتان بحوزة اوبوارت قد ظلمتا جمالها
وقف اوبوارت بابتسامة خفيفة فحنت رأسها تحييه، اكملت سيرها وجلست بجانب آستو.
عاد اوبوارت للجلوس قائلا«جيد ان صاحبة الشأن هنا»
آستو «لا يمكن ان نوافق على زواج الاميرة برجل من خارج البلدة»
انتبهت الاميرة لكلامه
ووقف اوبوارت «لا تتعجلوا في الرد، فالاربعمئة جندي يمكنهم الصبر ليومين اخرين وبعدها سنحصل على ما نريد بكل سهولة»
تركهم مغادراً فتبعته الاميرة منزعجة وقالت بحذر«كيف تهددنا في منزلنا؟ خذ رجالك وغادروا الان»
التفت اليها «لا اريد اثارة غضب زوجة سيدي المستقبلية ولكن، تدمير بلدتك أمراً سهلاً»
وعاد للسير مغادرا
فخرج آستو خلفها «لن يحصلوا على ما يريدون»
دخلت إلى والدها «هذا مؤكد»
«أبي، علينا ان نفعل شيئاً»
الحاكم «آستو، اجمع الرجال على الفور»
عند سطح منزلها وقفت الاميرة تتأمل البلدة تحت ضوء التربيع الاول من القمر وتذكرت وقوفها امام قاعة الاجتماع الطارئ
آستو«انهم يتمركزون خارج البلدة، عددهم يفوق عددنا»
آخر«رجال كورون بيلينوس خاضو حروبا كثيرة ولم يخسروا في احدها، اخشى ان يدمروا بلدتنا»
الحاكم «بلدتنا لن تصمد من دون الاميرة أيمورا، نحن نعيش حياة جيدة بسببها، فعدم وجودها سيعني هلاكنا»
أستمرت بالنظر لمنازل البلدة الجميلة ونسمات الهواء الدافئة تُلاعب شعرها
شعرت بشيء من الحزن
قال أحدهم من خلفها «عرفت انني سأجدك هنا»
نظرت وكان آستو ابتسمت له
«ماذا سيحدث الآن؟»
«لن نتخلى عن تميمة حظنا، وايضا انتِ تعرفين لا استطيع ان اراك مع رجل آخر»
عادت لتأمل الهدوء الذي يشعر به سكان البلدة «انهم لا يستحقون ان يُقتلوا بسببي»
«لن يكونو أفضل حالاً من دونك»
عند أطراف البلدة وعلى مسافة بعيدة نصب رجال اوبوارت فايد خيامهم، مستغلين وقتهم بالتدريب فيما بينكم او القتال والمرح
في احدى الخيام كان اوبوارت ببنطاله فقط امام مائدة من الطعام الذيذ والطيب
دخل إليه رجله ذو الشعر الاشقر الطويل
«ما الامر دولان؟»
«عليك ان ترى ذلك بنفسك ايها القائد»
استاء لتركه كل ذلك الطعام ونهض يخرج من خيمته ولكن ما رآه امامه انساه جوعه
كانت الاميرة أيمورا تقف امامه وحولها رجاله كلهم
أيمورا«خُذني الى حاكمك واترك بلدتي وشأنها قبل ان أغير رأيي»
بأبتسامة نصر صغيرة صاح«لقد سمعتم الاميرة، شدو رحالكم»
.
.
.
.
.
. "اذكرني، فقط حين تبتسم 🍀 – جيلبرت"
مـريـم الـرمـاحـي