فـي الـبـحـر..

فـي الـبـحـر..

29 0

طريقٌ يشبه الصحراء، يسيرون فيه على خطى ثابتة. جنود القائد أوبوارت فايد يتقدمهم، وهو يقودهم بثبات. خلفه، عربة جميلة يجرها جندي على حصانه، وداخلها تجلس الأميرة أيمورا القرفصاء، تحدق في العدم. فجأة، توقفت العربة. انتبهت ونظرت خارج النافذة القريبة منها، وسمعتهم يهمسون ببعض الكلمات:

1

«إنهم قريبون.»

«خذوا الحيطة.»

وقبل أن تنطق: «لماذا توقفنا؟»، رأت السهام تُرشق عليهم من كل جهة.

صاح أوبوارت: «تصدوا لهم!»

سحب سيفه ونظر إلى التلال التي أمامهم، حيث مجموعة من الرجال تهاجمهم على خيولهم، وخلفهم مجموعة أخرى تُطلق السهام.

هجم أوبوارت ورجاله عليهم بقوة. وبينما هو يضرب ظهر أحدهم، سمع صوت صراخ.

التفت إلى العربة ورآها قد انقلبت. اعتراه الغضب وركض باتجاهها.

وجد اثنين يسحبان أيمورا خارج العربة، أحدهما يمسكها من يدها والآخر يحملها من الخلف، وهما يصيحان بها: «ستأتين معنا، أيتها البيضاء!»

1

صاحت أيمورا: «اتركاني! اتركاني الآن!»

كاد أوبوارت أن يصل إليهما، إلا أن رجلين آخرين تصديا له. كل ضربة من سيفه كانت مصحوبة بنظرة إلى أيمورا وهي تُسحب رغمًا عنها.

تخلص من الرجلين وتوجه إلى الآخرين. ضرب الأول منهما، وتجمع حوله أربعة يساعدون الثاني في توجيه ضربة خلف عنق أيمورا، مما جعلها تفقد الوعي. ثم حملها على كتفه وركض بها إلى حصانه القريب. وضعها عليه بأسرع ما يمكنه، ليحاول امتطاء جواده، لكن أوبوارت لم يسمح له بالتحرك، فرشقه بسيفه الذي اخترق عنقه.

بقيت أيمورا على ظهر الحصان حتى جاء آخر وضرب مؤخرة الحصان بقوة. انطلق الجواد بكل سرعته، فشعر أوبوارت بالخطر وكأنه انتقل إلى مرحلة أخرى من القتال السريع. ضرب وركل الذين أمامه، وأسرع خلف الحصان الجامح.

أخرج سيفه الآخر وظل يصيب من يتصدى له بجروح بليغة، حتى أدرك أيمورا التي فتحت عينيها. وما إن تحركت، حتى سقطت من على ظهر الجواد وتدحرجت على الأرض. إلا أن أوبوارت قفز بسرعة وأوقف تدحرجها، الذي أصابها بجروح طفيفة، لكنها كانت ترتجف بين ذراعيه.

نظرت إليه بألم، وعيناها تكادان تنفجران من البكاء. إلا أنه أزال عباءته وغطاها بها، وحملها قائلًا: «تمالكي نفسك، ستكونين بخير.»

نظر إلى رجاله، وقد حققوا انتصارًا متوقعًا. ثم عاد لينظر إلى أيمورا، وقد غفت من الألم.

**بعد مغيب الشمس:**

فتحت أيمورا عينيها بهدوء، وشعرت بالأشجار تهتز. حاولت استيعاب ذلك، وعلمت أن القائد أوبوارت فايد يمسكها من الأمام وهي على حصانه.

قال فجأة: «هل أصبتِ بأي أذى؟»

لم تستطع الرد، كونها تشعر بالإرهاق. لكنه عاد وسألها: «هل أصابكِ الصمت؟»

1

ردت بإمتعاض: «لا.»

أكملوا المسير، ثم توقفوا في مكان ما وسط الغابة.

ترجل أوبوارت عن حصانه، ثم حمل أيمورا وأنزلها.

نظرت حولها، وسمعت أوبوارت يتحدث إلى دولان: «أخبر كريستو أن يعتني بها.»

ابتعدا عنها، وآخر كلمات سمعتها منه: «هل هناك مصابون؟»

تنهدت وأكملت تفحص المكان، ثم اتخذت لها زاوية تستريح فيها. جاء لها رجل في أوائل الخمسين من عمره، نحيف وطويل، ذو لحية شقراء. قدم لها بطانية وقال: «لا بد أنكِ جائعة.»

أخذت الغطاء منه ولفت نفسها به دون أن تجيبه.

كان المكان هادئًا، وكأنه مناسب لأخذ قيلولة.

رأت أيمورا أوبوارت يجلس أمام النار، وحوله رجاله وقد بدؤوا بتناول الطعام. وسلمها الرجل إناءً فيه لحم مشوي وقطعة خبز، قائلًا: «أخبريني إن احتجتِ شيئًا.»

ردت: «شكرًا لك.»

**بعد أن غفى الجميع:**

اقترب أوبوارت من أيمورا، ورأى الجروح في ذراعيها وساقيها. شعر بالانزعاج قليلًا وقال: «حاولي أن ترتاحي، سيكون الغد مُرهقًا.»

احتضنت نفسها ولم تجبه، فتركها وعاد إلى مكانه.

**بعد شروق الشمس:**

كانوا قد بدؤوا المسير من جديد، وكانت أيمورا على حصانها خلف أوبوارت بخطى ثابتة.

على مسافة بعيدة جدًا، انطلق ضوء أحمر إلى السماء.

توقف أوبوارت والبقية.

قال دولان بغضب: «السفينة!»

وقف أوبوارت قرب حصان أيمورا ومد يده: «ستكونين معي.»

أمسكت يده: «ماذا يحدث؟!»

ساعدها في الانتقال إلى حصانه، وجلست أمامه.

قال بصوت خافت كان واضحًا لها: «أظنكِ ورطة متنقلة.»

انطلق كالبرق يتقدم رجاله. وما إن خرجوا من الغابة، كانت هناك سفينة كبيرة، وأمامها يقف القائد آستو ورجاله يحيطون بالسفينة ويأخذون ثلاثة رجال كرهائن.

صاحت أيمورا: «آستو؟!»

وقف أوبوارت وآستو ينظران إلى بعضهما بازدراء.

التفتت أيمورا إلى أوبوارت: «لا تقتلوهم! إذا أصاب أحدهم أي مكروه، فأعلم أنني لن أستمر معكم.»

رد أوبوارت وعيناه على آستو : «لا أظن ذلك ممكنًا، أيتها الأميرة.»

قالت أيمورا: «دعني أتحدث إليه أولًا، أرجوك.»

نظرت إلى آستو الذي صاح: «اترك الأميرة الآن، وإلا انتهى أمر رجالك!»

أجابته بنبرة حازمة: «عد يا آستو، أرجوك. أنا من سلمت نفسي لهم.»

قال آستو: «فعلتِ ذلك لإنقاذنا، ولكننا لن نستطيع النجاة من دونك.»

ردت أيمورا: «أرجوك يا آستو، ستكونون بخير، أعلم ذلك. عد واعتنِ بأبي.»

صرخ آستو بغضب وهو يستل سيفه: «أوبوارت، أيها الوغد، سأنحر عنقك هنا!»

صاحت أيمورا بكل قوتها لدرجة إغماض عينيها: «آستو، توقف!»

سحب أوبوارت سيفه وأحكم ذراعه حول أيمورا: «لقد فعلتِ ما بوسعك، حان دورنا.»

انطلق ليستعيد رجاله وسفينته، ويحتفظ برهينته.

هجم آستو وجنوده عليهم.

لم يكن صعبًا على أوبوارت القتال بيد واحدة، فهو يضرب بكل قوته لإنهاء خصمه. أما أيمورا، فكانت نظراتها تتخاطف على جنود بلدتها خوفًا عليهم. حتى استطاع آستو الوصول إليها.

تصادم السيفان، وقوة ذراع أوبوارت حول الأميرة كانت كبيرة، كأنها فولاذ يلتف حولها.

لكن آستو استغل ذلك وزاد من سرعة هجماته، وأوبوارت كان ندًا لا يستهان به. حتى وجه له ضربة بالسيف أفقدت آستو سلاحه، ولم يسمح له خصمه أن يجد وقتًا للالتفات، فقد وجه ضربة نحوه كادت أن تؤدي إلى نحره، لولا أن أيمورا ضربت ذراعه فأختل توازن ضربته، وخدش وجه آستو.

قال أوبوارت: «اللعنة عليكِ!»

تركها، وفي لحظة واحدة كالبرق، وقف ووجه ركلة إلى صدر آستو أسقطته عن حصانه.

صاحت أيمورا: «آستو!»

رمى آستو بالتراب على وجه أوبوارت، وما إن انشغل الثاني به، التقط آستو سيفًا على الأرض ووجهه نحو أوبوارت بسرعة رهيبة، خدش فيها ذراعه. لكن الثاني قفز إلى الخلف، ثم تقابل سيفاهما مرة أخرى.

أحكم أوبوارت قبضته على سيفه، وظل يوجه ضربات ثقيلة على آستو، الذي ظل يتراجع للخلف مع كل ضربة. كما أنه لم يعد يسمع صوت قتال رجاله. نظرة خاطفة رأى فيها أتباعه على الأرض مغمى عليهم، مما جعله يخسر القتال. فقد ضربه أوبوارت ركلة على صدره أثناء ذلك.

خسارته للمعركة وضربة أوبوارت الأخيرة أفقدته العزيمة على إكمال القتال، فسقط السيف من يده وبقي على الأرض على ركبتيه، منخفضًا رأسه.

اقترب منه أوبوارت بخطى واثقة، ووضع السيف على كتفه.

ترجلت أيمورا من على الحصان بسرعة، كادت أن تسقط بسببها.

ركضت ومسكت أوبوارت من يده، وأبعدت السيف عن آستو، ووقفت بينهما.

نظر إليها أوبوارت، ورأى الخوف والقوة معًا في عينيها، وهي تقول: «اتركه، لا تلمسه، سآتي معك، لكن لا تلمسه.»

آستو بيأس شديد: «أيمورا...»

أوبوارت: «اصعدي على متن السفينة.»

ردت أيمورا: «سأفعل، لكن...»

«لن أقتله، افعلي ما آمرك به.»

شعرت أن كلمته أمام رجاله كفيلة بتصديقه.

استدارت إلى آستو، الذي لا يزال ينخفض رأسه شاعرًا بالخزي.

لكنها عانقته باكية، ووضعت رأسه على كتفها: «سأكون بخير، أرجوك عد إلى البلدة واعتنِ بالجميع.»

بادلها العناق، وقال: «وماذا عني؟ كيف تظنينني سأكون بعد ذلك؟»

لمست وجهه بابتسامة حزينة: «أنا آسفة، كن بخير، أرجوك.»

تركته وسارت تلتفت إلى الخلف بين الحين والآخر، وآستو ينظر إليها حتى صعدت السفينة.

أوبوارت: «أيها العاشق، إن رأيتك مجددًا، سأقتلك أمامها.»

رفع آستو نظره إليه بعينين مليئتين بالحقد والشر: «أعلم أنني لن أتركها، وأقسم أنني سأقتلك في المرة القادمة.»

لكمه أوبوارت بقوة وتركه.

**بعد لحظات:**

كانت أيمورا تنظر إلى آستو ورجاله وهي تبحر على متن السفينة برفقة أوبوارت وجنوده.

قال دولان وهو ينظر إلى أيمورا ويتحدث إلى قائده: «هل نراقبها؟»

رد أوبوارت: «لا، ماذا يمكن أن تفعل وسط البحر؟»

**بعد أن ابتعدوا عن اليابسة:**

نظرت إلى أوبوارت وصاحت به: «لماذا آذيتهم؟»

رد ببرود: «إذن، كان يجب أن أتركهم يقتلوننا؟»

قالت: «كنتُ سأذهب معك، ولا داعي للقتال.»

«توقفي عن الثرثرة، أنتِ فتاة مدللة تشعرين بأنها لم تعد تستطيع اللعب كالسابق، وهذا ما يحدث بالفعل. فتوقفي عن إثارة المشاكل وكوني مطيعة.»

تركها ودخل إلى غرفته وسط السفينة.

**الوضع كان أكثر من هادئ:**

الجميع في الأسفل يستمتعون بالشرب والقتالات.

وفي منتصف الليل، خرج منها يحرك جسده ليستعيد نشاطه بعد الغفوة الطويلة.

وما إن نظر إلى يساره، فوجئ برؤية أيمورا تقف على سور السفينة. شعرت بوجوده وهو يقترب منها بخطوات بسيطة، فصاحت: «لا تقترب!»

أجابها بجفاء: «وإن فعلت، ستقفزين؟»

«سأفعل.»

فكر أوبوارت: «لا أظنها تملك الشجاعة الكافية لذلك، ولكن ماذا تريد بوقوفها هنا؟ التفاوض؟»

أسند ظهره على السور، وقد لاحظ أنها لا تغطي جسدها إلا بما ترتديه. فملابسها كانت قسمين: الأول يغطي صدرها ويمتد إلى بطنها ومتصل بأكمام طويلة، والثاني يشبه تنورة عريضة ومريحة بفتحة تصل فوق ركبتها.

فقال دون اكتراث: «هيا افعليها، وإلا ستموتين من البرد قبل ذلك.»

تنهد وأكمل: «كما أن المياه قاسية البرودة في الأسفل.»

أجابت وهي تنظر إلى البحر الهائج بجدية: «إنها تناسبني.»

انتبه لعزمها، فحاول تخفيف حدة الأمر: «لن تموتي، سأرمي بنفسي خلفك وأعيدك.»

«لا أنصحك بهذا، فستموت من البرد.»

رد: «وكذلك أنتِ.»

«لم يكن يجب عليّ ترك البلدة.»

«الزواج بسيدي ليس أمرًا سيئًا للغاية، إنه شخصٌ جيد ويحاول إنقاذ بلاده بأي وسيلة كانت.»

نظرت إليه: «لن أتزوج سيدك، أفضل الموت على ذلك.»

توسعت عينا أوبوارت وهو يقول في نفسه: «هل ستفعلُها؟»

وقد أجابته برمي نفسها بعزيمة وثقة، فأصابه الذهول. لكنه لم يتردد في رمي نفسه خلفها، وكأن حياته تعتمد على بقائها حية.

**وفي داخل البحر:**

فتح عينيه ليبحث عنها، ولكن ما رآه كان عجيبًا...

.

.

.

.

يتبع....

"اذكرني، فقط حين تبتسم 🍀 – جيلبرت"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

اوبوارت فايد (الحورية البيضاء)

المؤلف مـريـم الـرمـاحـي
2025/06/25 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة