بداية العاصفة الحقيقية

بداية العاصفة الحقيقية

13 0

لا يزال الظلام فارضا سطوته على المكان . السماء مكفهرة و تراكم الغيوم الرمادية في السماء أضفى وحشة على المكان .

وسائل الإعلام تنذر بقدوم عاصفة عاتية ، داعية الجميع إلى المكوث في منازلهم إلى غاية تحسن حالة الطقس ...

و لكنها الآن دون منزل . خرجت تجر حقيبتها بيد و يدها الآخرى متشبثة بمعطفها تحاول إغلاق أزراره لحماية جسدها من برودة الهواء و قسوته .

ضمن المكان من حولها و ارتفعت أصوات أفكارها لتتلاطم كأنها أمواج بحر هائج .

من يراها تجر حقيبتها خيل إليه أنها تقصد مكانا تأوي إليه في حين أنها تائهة ... تائهة بين أفكارها . تمشي بخطوات ثابتة بين أزقة ذلك الحي دون وجهة كأنها سفينة أبحرت دبون قبطانها ...

نظراتها فارغة و كأنها غائبة عن الوجود ...

تمشي و تتقدم كأنها غائبة ... لم يتبق في داخلها مشاعر أكثر من المشاعر الموجودة في جثة غارقة ...

أدركت أنها ركضت وراء أحلام مستحيلة ...

هذا الخوف الذي بداخلها و هذه الدموع التي في عينيها تريك حجم الخسائر التي عاشتها ، التي طرقت بابها في لحظة غير متوقعة ...

إزدادت الأمطار غزارة . أسندت ظهرها على جدار دكان ...

مرت دقائق لتسمع صوت عجوز يخاطبها :

- هلاّ ابتعدت قليلاً يا ابنتي ؟ سأغلق الدكان .

لا مكان يسعها ...

ابتسمت لتخفي ألمها ... تقدمت بضع خطوات ثم عادت أدراجها و قالت :

- سيدي آسفة و لكن هل تعرف مكانا قريبا أقضي فيه ليلتي ؟

فهم العجوز عجزها فأمسك يدها و قال :

- أعرف يا ابنتي أعرف

- رجائي أن لا يكون باهظا

أشار إلى نهاية الزقاق و قال :

- هناك مبنى قديم به ثلاث شقق و يستطيع مالكه أن يسمح لك بالبقاء فيه ثلاثة أيام مجانا

- ثلاثة أيام دون أن يطلب أجرها ؟!

- أعرف أن الأمر يبدو غريبا و لكن ذلك لقدم المبنى

ابتسمت مكرهة و قررت أن جرب حظها و مع ذلك مع كل خطوة تخطوها يضيق صدرها أكثر ...

« ليس لقدمه فقط يا ابنتي بل لكابوسه أيضا ... أرجو أن تصمدي لا حل آخر أمتمك يا ابنتي ... أعتذر منك ... »

هكذا تمتم العجوز و غادر دكانه ...

وقفت سيلين أمام المبنى. كان شامخًا، لكن كأنما الزمن ترك أنيابه عليه. بابه الخشبي موصدٌ بمقبض صدئ، وسور حديدي يئنّ مع كل هبة ريح. رفعت يدها، ترددت، ثم طرقت الباب.

لا مجيب. دفعته فانفتح بصرير طويل يشبه الأنين. الداخل أظلم من الخارج. الجدران متآكلة، والعتمة كأنها مادة ملموسة تُطبق على كل شيء. صعدت الدرج، خطواتها تصدر صريرًا يتناغم مع دقات قلبها المتسارعة.

مرّت بمرآة مغطاة بقماش أسود. لاحظت طرف القماش يتحرك. تجاهلته. واصلت. الضوء الوحيد كان من هاتفها، لكنه بدأ يخفت رغم شحنه الكامل.

دفعت باب الشقة الموعودة، فانفتح بهدوء مريب. كل شيء داخلها مرتب بشكل يثير القلق: أثاث قديم لكنه نظيف، طاولة، أريكة، ولوحة غريبة.

اقتربت منها. كانت صورة غوريلا ضخمة، بعينين بشريتين... تحدقان بها مباشرة.

شعرت بقشعريرة. استدارت لتغلق الباب، لكنه أغلق بقوة من تلقاء نفسه.

ارتجفت. حاولت فتحه... لا يتحرك. ثم سمعت خطوات خفيفة من الأعلى... تلاها ضحكة خافتة، كأنها من بُعد آخر.

همست لنفسها:

ألم يقل العجوز إن لا أحد يسكن المبنى سواي؟

ثم... انطفأ الهاتف.

ظلّت سيلين واقفة في الظلام، واللوحة خلفها، والعيون من السقف تراقبها.

حينها فقط، أدركت أن العاصفة الحقيقية... لم تكن في الخارج.

أدركت أن الهروب لا يعني النجاة دائما ... أحيانا تهرب من الجحيم لتجد نفسك في حضن كابوس لا اسم له .

أدركت أنه لم يكن الصمت ثقيلا فقط ... بل كان كائنا يتنفس معها في الغرفة نفسها ...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

عندما يهمس القمر

المؤلف Zoghlami Yosr
2025/07/26 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة