السفر إلى بعيد

السفر إلى بعيد

27 0

من أول ما دخلت قاعة المحاضرة وأنا حاسة إن الجو ثقيل… مو ثِقَل حرارة المكيف المعطّل، لا… ثقل من نوع ثاني، ثقل العيون اللي تراقبك وكأنها تعرف كل سر فيك.

وهي العيون؟ عيون ريان.

من أول الترم وهو يجلس جنبي، لكن الحِدّة اللي في نظرته ما ظهرت إلا من يوم رجعنا نتقابل. ما يتكلم كثير، بس حضوره يكفي يخربط أفكاري، وكأن فيه نار صغيرة تحترق تحت جلده كل ما شافني أضحك أو أتكلم مع أي أحد ثاني.

اليوم بالذات، الجو كان أغرب من العادة. أنا وهالة واقفين قدام القاعة، وهي كالعادة تحكي لي عن آخر إعجاب جديد عندها. تضحك وتقول:

«ليان، قلبك صغير… لازم تكبرينه وتوزعينه مثل قلبي.»

ضحكت وهززت رأسي:

«يكفيني شخص واحد… قلبي ما يتسع لغيره.»

ما كنت أعرف إن الجملة هذي راح تزرع نار جديدة في عيون أحد كان واقف وراي. لمحت من زاوية عيني… ريان، واقف وعيونه مو بس تراقب، عيونه تحفر المشهد وكأنها تحفظه في ذاكرته.

دخلنا القاعة وجلست مكاني المعتاد، وهالة كملت قصصها. فجأة، دخل واحد من زملائنا وسلّم علي بابتسامة بسيطة. رددت السلام بهدوء، لكن ريان رفع حاجبه بطريقة واضحة… وكأنه يسجل مخالفة جديدة باسمي.

بدأ يكتب ملاحظاته بعنف، القلم يكاد ينكسر من قوة ضغطه. والصوت؟ كأنه متعمد أسمعه.

ما به اليوم؟!

المعيدة طلبت منّا نشتغل بمجموعات. كنت مع بنتين، لكن فجأة ريان وقف قدامي وقال ببرود:

«أنا معكم.»

حتى البنتين انصدموا، وحدة منهم ابتسمت بخجل، وأنا؟ كنت على وشك أغرز القلم في عينها من قهري.

كل كلمة كنت أقولها، كان يرد بكلمة مختصرة، وكأنه يقيم كل حركة مني.

بعد ما خلصنا، شفت هالة برا القاعة مع واحد من الشباب تضحك معه. ابتسمت تلقائيًا، لكن ريان التفت وقال بنبرة ما قدرت تخفي الغيرة:

«أنتِ بعد ناوية توقفين مثله؟»

رجعت البيت وأنا أسأل نفسي… هل هو فعلًا يغار؟ ولا أنا أتخيل؟

لكن اليوم اللي بعده، الوضع زاد.

كنت أتمشى مع هالة في ممر الجامعة، وفجأة راحت وسحبت المنديل من يدي ومسحت به يد شاب وقع عليه عصير. أنا وقفت مكاني مصدومة:

«هالة!!»

«إيش؟ ساعدته بس.»

من بعيد، شفت ريان واقف، وجهه جامد، لكن عيونه تقول كل شيء.

جلسنا بعدها بالكافتيريا. كنت أحاول أغير الموضوع، لكن فجأة دخلت ياسمين، أخت ريان، وجلست معنا. ابتسمت وقالت:

«غريبة… أنتِ ليان؟ ما تغيرتي كثير.»

ضحكت، لكن في داخلي كنت أقول: ليش أخوك ما قال نفس الشي؟

ياسمين كانت تحاول تربطني بالحديث عن الطفولة، لكن كل كلمة منها كانت تزيد تركيز ريان علينا من الطاولة المقابلة.

ولما هالة راحت تشتري عصير، ياسمين اقتربت وقالت بصوت منخفض:

«ريان مو مثل أول… بس بعض الأشياء ما تتغير.»

كلمتها علقت في بالي طول اليوم.

رجعت البيت، وفجأة أمي تمسك ذراعي وتدخلني غرفتي بسرعة:

«هيا، نريد أن نسافر. جهزي أغراضك.»

«أمي! لكن أريد أكمل دراستي هنا!»

تنهدت وقالت:

«حسنًا، يمكنك البقاء… لكن لن تعيشي وحدك.»

«اصلا متا قررتو تروحو!!»

«سأتصل بليال لا يمكنني تركك وحدك»

«أمي!!!»

أخذت هاتفها واتصلت بالخالة ليال، وأنا أحاول أوقفها:

«ألو، ليال؟ ليان ما تبي تروح، ممكن تبقى عندكم مع ياسمين، وريان يهتم فيها.»

«امي!!»

«انتي اخرسي»

«بالطبع، خليها تجي. ياسمين أساسًا تبغى أحد في البيت.»

أغلقت أمي الهاتف وقالت بارتياح:

«جهزي أغراضك.»

بعد ثلاث ساعات تجهيز، كنت أمام بيت الخالة ليال. هي فتحت الباب بابتسامة، ووراها كان ريان. انحنيت أسلم، فاقترب وأخذ حقيبتي، وجاءت ياسمين تركض تحتضنني.

غرفتها واسعة، سرير بطابقين… أنا أخذت العلوي، وهي تحب السفلي. لكن النوم ما زارني تلك الليلة.

طلعت للصالة وجلست على الأرضية، أحاول أقاوم النعاس. كنت لابسة بيجامة طويلة على غير العادة… ريان هنا، ما أقدر ألبس القصير.

دموعي نزلت فجأة… بدون سبب واضح. لكن خطوات ثقيلة قربت… والتفت، لقيته.

وقف أمامي وسأل بقلق:

«أنتِ بخير؟»

رفعت عيني الباكية ببطء، فقال:

«ليش تبكين؟»

اقترب وجلس جنبي، يده على كتفي، ربت بخفة. توتري تضاعف.

«تبغين تروحين مع عائلتك؟»

«لا.»

«إذن… ليش تبكين؟»

«ما أدري.»

ابتسم بسخرية:

«ما تدرين؟»

«هل تسخر مني؟»

اجل

مددت لساني وقلت:

«ليس من شأنك يا رأس البرغر.»

«رأس البرغر؟»

ضحكت ودخلت الغرفة. لكن وجه البرغر ظل عالق في بالي… وحتى وأنا أغفو، حسيت إني جوعانة

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حين وعدتك

المؤلف larse★
2025/08/13 مستمرة
قائمة الفصول (11)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة