أنا إنسانة مرحة إلى حدّ الجنون، أتعامل مع كل المواقف وكأنها لعبة، حتى إن كان الموقف خطيرًا أو يستحق الرهبة. فما رأيكم لو اختُطفت وأنا أقرأ رواية رومانسية؟ ألن يكون الأمر أشبه بقصص البطلات المتهوّرات اللواتي لا يعرفن الخوف؟
ذلك اليوم تغيبت هالة عن المدرسة، فقررت أن أعود إلى المنزل وحدي. كان ريان قد عرض أن أذهب معه وياسمين في السيارة، لكنني رفضت لأن صديقه المقرّب سالم كان برفقته، وأنا لا أحب أن أُثقل على أحد.
كان الجو غريبًا، ساكنًا أكثر من اللازم، ومع ذلك قررت أن أمر من أحد الأزقة لأصل أسرع. أنا كسولة بعض الشيء ولا أحب أن أضيّع وقتي في المشي الطويل. لم أعلم أنّ اختياري ذلك الطريق سيغيّر يومي بأكمله.
فجأة شعرت بيد قوية تُطبق على فمي وتشدّني إلى الوراء. حاولت المقاومة لكن قبضته كانت أقوى من أن أفلت منها… وبعدها انطفأ كل شيء.
ــ ✦ ــ
عندما فتحت عينيّ، كان المكان شبه مظلم، رائحته خانقة، والجدران متسخة. أمامي وقف رجل… لا، ليس رجلًا عاديًا، بل أقرب ما يكون إلى بطل رواية سوداء. شعره أسود مجعّد قليلًا، منسدل على جبهته، طويل القامة عريض المنكبين. كان وسيمًا بطريقة مزعجة، حتى إنّني، وأنا مقيدة اليدين، لم أتمالك نفسي من الضحك.
تقدّم نحوي وحدّق بي بدهشة:
"لِمَ تضحكين؟"
قلتُ وأنا أضحك بلا توقف:
"ذكرتني بروايتي الأخيرة… أنت أشبه بالبطل الذي يختطف البطلة من أجل سرّ غامض!"
زمّ شفتيه بحدة:
"وهل تظنين أن الحياة مثل الروايات؟"
لم أُجبه، بل انفجرت ضاحكة أكثر. اقترب مني ببطء حتى ركع أمامي، وهذا زاد من جنوني فضحكت حتى دمعت عيناي.
"أنتِ مجنونة… لقد اختطفتك أيتها الفتاة!!"
توقفت لحظة ثم ابتسمت بوقاحة:
"أوليييي! إذن اخترتني من بين مئات الفتيات… أشعر بالفخر!"
أخرج سكينًا صغيرة ووضع طرفها أسفل فكي:
"في البداية سأأخذ كليتك… ثم قلبك… وبعدها بقية الأعضاء النافعة."
أجبت بحماس طفولي:
"دعنا ننظر إلى الجانب المشرق! على الأقل لن أضطر للذهاب إلى الجامعة بعد الآن! ياي!"
ارتفع حاجباه بدهشة حقيقية هذه المرة، ثم تنهد بضيق:
"تمنّي أمنيتك الأخيرة."
فكرت قليلًا، ثم قلت بجديّة مصطنعة:
"أريد الذهاب إلى الحمام."
قطّب جبينه: "هنا؟"
رفعت كتفيّ: "هل تفضّل أن أفعلها على الأرض؟"
زفر بملل: "لا توجد أمنية أخرى."
"إذن… أريد أن أودّع أمي."
"غير مسموح."
"على الأقل اتصل بها أنت."
حدّق بي بجمود: "تلك أمك، لا أمي!"
قهقهت: "لم أشتمك أصلًا!"
اقترب أكثر، حتى كدت أشعر بحرارة أنفاسه:
"هل أنتِ حمقاء؟"
ابتسمت بثقة: "أجل."
نظر إليّ بذهول: "ماذا؟!"
"لا شيء، لا تهتم."
أمسك الحبل وبدأ يفكه عن معصمي:
"سأحررك لأجل العملية فقط."
أطلقت صيحة انتصار وهمية:
"أوووه! حتى الحبل غالٍ… يبدو أنك خاطف فاخر!"
توقف لحظة، ثم تمتم: "أنتِ رسميًا مجنونة."
رفعت حاجبي بفخر: "أجمل مجنونة! … حسنًا، وماذا ستفعل بعد ذلك؟"
وقف فجأة، واتجه نحو الباب. قبل أن يخرج التفت وقال:
"لا تتحركي من مكانك، سأعود بعد خمس دقائق."
لوّحت بيدي: "بالطبع سأكون هنا… مع أنني كنت أنوي الخروج لشراء آيس كريم!"
صفق الباب خلفه، وبقيت أنا أتمتم مع نفسي:
"إما أن أهرب وأصير بطلة فيلم أكشن… أو أبقى وأرى ما قصته. من يدري؟ ربما يخرج خاطفًا طيبًا مثل أبطال الروايات."
ــ ✦ ــ
لم يمضِ وقت طويل حتى سمعت خطوات ثقيلة. فتح الباب، ودخل الخاطف ومعه رجل أكبر سنًّا، ملامحه قاسية وعيناه الشريرتان تمسحاني من أعلى إلى أسفل.
قال خاطفي ببرود: "هذه هي… الهدف."
ارتجف قلبي، لكنني بدل أن أصرخ ابتسمت وقلت:
"الهدف؟! إذن أنا في مهمة سرّية؟ أوه ما هذا الحظ!"
ضحك الرجل الكبير بسخرية: "واضح أنّ عقلها مختل… لكن قد ينفعنا هذا."
أجابه خاطفي بحدة: "سأتولى أمرها بنفسي."
التوتر بينهما كان واضحًا. عندها فهمت أنّ الموضوع أكبر بكثير من مجرد عملية خطف عشوائية. ومع ذلك لم أتخلَّ عن روحي المرحة، بل ابتسمت بخبث.
بعد أن خرج الرجل الأكبر، جلس خاطفي أمامي وقال:
"بالمناسبة، ما اسمك؟"
أجبته ببرود: "ولماذا أخبرك؟ أخبرني أنت أولًا."
قال بلامبالاة: "تريستان."
قطبت حاجبيّ: "اسم صعب جدًا… سأختصره إلى (تريس)."
رمقني بنظرة باردة: "ستموتين قريبًا."
أجبته بابتسامة واسعة: "إذن لن تستفيدوا من أعضائي بعد موتي."
صرخ: "اخرسي!"
أخفضت رأسي بتصنّع: "آسفة…" ثم رفعت عينيّ بفضول: "متى سننطلق؟"
"غدًا."
شهقت بفرح: "غدًا؟ حسنًا! لكنني جائعة الآن."
قال بلا مبالاة: "تحمّلي إلى الغد."
قضيت باقي الوقت وأنا أعدّ البقع على الجدار. إحداها بدت لي كخريطة إيطاليا، فتمتمت ساخرًة: "لو كان هناك بيتزا، لكان الوضع أفضل."
في المساء عاد تريس ومعه كيس صغير. ألقى أمامي زجاجة ماء وقطعة خبز. نظرت إليه بعيون متصنعة الدموع:
"أنت أرقى خاطف في التاريخ… حتى جلبت الخبز!"
جلس قبالتي وسأل بجدية غريبة:
"لِمَ لستِ خائفة؟ أي فتاة أخرى كانت لتصرخ أو تبكي."
ابتسمت وأنا أقطع الخبز نصفين:
"من قال انني لست خائفه"
نقل نضراته لعيني:
"لماذا تضحكين كالمجنونه إذن"
تنهدت بضيق:
"لا اعلم مأخرا اصبحت ابكي واضحك بدون سبب"
ظل يراقبني طويلًا، في عينيه شيء لم أفهمه، خليط من الحيرة والاهتمام. أخيرًا قال:
"غدًا صباحًا… سنرحل إلى مكان بعيد، وهناك ستعرفين لِمَ أنتِ بالذات."
حاولت التظاهر بعدم الاهتمام، لكن قلبي خفق بقوة. رأيته يخرج هاتفه ويرسل رسالة باسم "أ. مورغان". شعرت أنّ قصتي ليست مجرد نكتة… بل بداية لعبة خطيرة.
ومع ذلك ابتسمت:
"فقط لا تنسَ القهوة غدًا، خاطف بلا قهوة لا يعمل جيدًا."
لم يُجبني… لكن ابتسامة خفيفة ظهرت على طرف شفتيه.
وهنا أدركت شيئًا… ربما لم أكن مجرد ضحية. اللعبة الحقيقية بدأت للتو.
ــ انتهى ــ
larse★