صُدفَة قد تَصنَعُ القَدَر

صُدفَة قد تَصنَعُ القَدَر

37 0

- "أنا انفصل عنك."

- "ماذا؟! لماذا؟!"

- "عجبًا! لِمَ أنت متفاجئ؟"

- "ديانا... انتظري، ما الذي تقولينه؟!"

- "ابتعد عن طريقي، دعني أذهب. لقد حلّ الليل بالفعل، ويجب أن أعود إلى المنزل قبل أن يكتشف والدي أنّني لست في الشركة ولا في البيت أيضًا."

نفضت يدها بعصبية، وأبعدت قبضته التي كانت مشدودة على مرفقها، ثم سارت بخطوات سريعة. صرخ خلفها جون بنبرة غاضبة:

- "ما الذي تظنّين نفسك فاعلة، أيتها السخيفة اللعينة؟!"

ركض نحوها، فلحق بها قائلاً:

- "حسنًا... لا أعلم ما الذي فعلته لك، لكنني آسف. رغم ذلك لم يكن عليك أن تتركي الحفلة وتخرجين هكذا... اللعنة! لقد جعلتِني أبدو بمظهر أحمق أمام الجميع!"

توقفت ديانا فجأة، واستدارت نحوه وعيناها تلمعان بالغضب:

- "اللعنة عليك أنت، أيها المنافق الكاذب! أتحسب أنني لا أعلم بأمرك مع إيميليا؟ الفتاة التي كانت عدوتي لفترة طويلة و انت تعلم انني لا اطيقها! لقد غضضت الطرف ألف مرة، لكن هذه المرة... لقد قبّلتها أمام عينيّ في الحفلة! أي وقاحة هذه؟ أنت وغد تافه، وضيع يستغل الناس من أجل أموالهم. لم تحبني قط! كنت تسرق اموالي وتحشرها في جيوب عشيقتك الحقيرة... ابتعد عني فورًا!"

تركت ديانا المكان بخطوات سريعة، تاركة إياه متجمّدًا في موقعه، عاجزًا عن الكلام. وما لبثت أن عادت بضع خطوات إلى الوراء، وقفت أمامه وقالت ببرود:

- "آه، عذرًا... نسيت شيئًا."

ابتسم لها بجنون، ليوشَك أن يتقدّم، لكن يدها ارتفعت فجأة لتسقط صفعة نارية على خده، جعلته يرى الطيور والنجوم في لحظة. ابتسمت بسخرية وقالت:

- "هذا أقل جزاء لك على أفعالك، أيها الوضيع."

ثم تابعت سيرها نحو المنزل في ليلٍ بارد، وقد عانقت نفسها من شدّة الصقيع، وهي تهمس:

- "تبا لهذا البرد... كان يجب أن آخذ معطفًا."

كانت ترتدي فستانًا زهريًا قصيرًا ضيقًا لامعًا بلا أكمام، يزيدها تألقًا، لكنه أثقلها مع كعبها العالي الذي تعثّرت به أكثر من مرة. حقيبتها الصغيرة لم تحمل سوى هاتفها، بعض المال، وأحمر شفاه. وجهها، المتزيّن بمساحيق التجميل، ظلّ متلألئًا حتى وسط عتمة الليل.

وبينما تمشي مسرعة، اقتربت سيارة رياضية فارهة من نوع "باجاني هوايرا" فضية اللون، تساير خطواتها بجانب الرصيف. فتح نافذة السيارة شاب جالس بجوار السائق، وقال بنبرة متعالية مملوءة بالغرور:

- "أرى ملاكًا تائهًا في شوارع الليل... هل نوصلكِ، أيتها الجميلة؟"

تجاهلته ديانا ولم تلتفت، وواصلت سيرها. عندها تدخّل السائق:

- "هيا أيتها الملكة الصغيرة، ما بالك منزعجة؟"

وأضاف الآخر ضاحكًا:

- "هل تريدينني أن أنزل وأحملكِ بيدي وأضعك في السيارة؟!"

انفجرت قهقهاتهما تتردّد في الطريق. توقفت ديانا أخيرًا، واستدارت نحوهما بعينين تلمعان بالاحتقار، وقالت بسخرية لاذعة:

- "يا إلهي! هذه سيارة باجاني... ظننتها للرجال، لا عربة صبيانٍ يستعرضون! أشعر بالشفقة على هذه السيارة المسكينة، فلا بد أنها تخجل من أن يقودها تافهان لا يعرفان حتى كيف يتغزلان بفتاة جميلة مثلي. عجبًا... عجبًا!"

ثم استدارت من جديد، وتركتهم خلفها كالأحمقين، تتمتم مع نفسها:

- "الرجال حمقى وتافهون... بل إنني أفضل أن أواعد كلبًا على أن أرتبط برجل ساقط مثل هؤلاء."

مرّت السيارة الرياضية بجانب ديانا مرة أخرى، فصاح أحد الشابين من الداخل بسخرية:

- "هاه! لسانك أمضى من سيف... تظنّين نفسك ملكة، لكنك تجوبين الشوارع ليلاً!"

ضحك الآخر وأردف باحتقار:

- "الآن أفهم سبب وجودك في الطرقات ليلًا... يا لها من رخيصة على قارعة الطريق!"

ثم انطلقت السيارة بسرعة، تتردد قهقهاتهما في أذنها.

اشتعل الغيظ في صدر ديانا، وضربت بحذائها العالي حصى الطريق، تلعن وتتمتم بغضب، حتى قطع ثورة نفسها رنين هاتفها. أخرجته على عجل، لتسمع صوت والدها الغاضب يصيح:

- "أيتها الشقية! عودي إلى المنزل حالًا!"

- "أبي... لقد تأخرت، وأنا الآن في الشارع وحدي و..."

قاطعها بصوت صارم:

- "الشارع؟! أين أنت بالضبط؟ سأرسل لك السائق، أرسلي موقعك وانتظري مكانك."

وأغلق الهاتف في وجهها.

تنهدت ديانا وأرسلت موقعها بسرعة. ولحسن الحظ، كانت قريبة من منتزه صغير، فاتجهت إلى أحد مقاعده وجلست. المقعد كان باردًا، لكنها لم تجد خيارًا آخر. ضمّت جسدها من شدّة البرد، والليل من حولها لا يسمع فيه سوى طنين الحشرات وحفيف الأشجار. رفعت رأسها نحو السماء الصافية يتوسطها هلال مضيء، لكن المنتزه خلفها بدا مخيفًا كأنه مسرح لأفلام الرعب المليئة بالمهرجين القاتلين. ارتجفت من الفكرة، وما زادها توترًا صوت معدتها الفارغة تقرقر.

- "اللعنة... أنا جائعة جدًا. ولا محلّ واحد مفتوح بالقرب."

بينما كانت تبحث بعينيها عن أي ضوء، لمحت رجلاً طويل القامة، عريض المنكبين، مفتول العضلات، يحمل حقيبة رياضية. كان يرتدي قميصًا بأكمام قصيرة وسروالًا يصل إلى ركبتيه، وكل شيء عليه باللون الأسود. حاولت التعرف على ملامحه لكي ترى وجهه لكنه كان يرتدي قبعة سوداء حجبت بظلها وجهه. سار بخطوات واثقة قبل أن ينعطف إلى زقاق مظلم بين المنازل. أثار هيئته المريبة الجذّابة فضول ديانا، بل شدّها إعجاب غامض به، فأرادت اللحاق به... لكن بوق سيارة خلفها قطع تيار أفكارها.

ارتجف جسدها، واستدارت لترى سيارة والدها، يقودها السائق "ألبرت" و ليس سائقها الخاص. فتح النافذة وناداها:

- "هل ستقفين هنا يا آنستي؟ هيا، تعالي."

اقتربت ديانا، وعيناها ما زالتا معلقتين نحو ذلك الزقاق المظلم، ثم صعدت السيارة بعد أن فتح لها ألبرت الباب. جلست شاردة، تفكر في الرجل الغريب، حتى قطع صوت بطنها الخاوي صمتها من جديد.

لاحظ ألبرت وسألها بلطف:

- "هل الآنسة جائعة؟"

هزت رأسها موافقة بصمت. ابتسم وقال:

- "في الخلف صندوق طعام لم أتناوله بعد... فيه بعض الحلوى والكعك والأرز."

استدارت ديانا وأخذت الصندوق ثم وضعته فوق حجرها، فتحته بهدوء وبدأت تلتهم قطع الحلوى والكعك دون توقف. صمت ألبرت، ولم يعلّق بشيء، وقاد السيارة بهدوء نحو المنزل.

وبينما فمها ممتلئ بالطعام، تمتمت بصوت غير واضح:

- "لقد... انفصلت عن جون."

رفع حاجبه باستغراب:

- "عذرًا آنستي، لم أفهم."

ارتشفت قليلًا من الماء ثم أعادت بوضوح:

- "لقد انفصلت عن جون."

تجهم وجه ألبرت للحظة، فقد كانت علاقتها بجون تمتد لست سنوات، وكانت تحبه كثيرًا وتعتز به. لكنه ردّ بهدوء بارد:

- "لا بد أن لآنستي سببًا وجيهًا... وأنا أتفهّم ذلك تمامًا. آنستي تستحق من هو أفضل بكثير."

ابتسمت ديانا بمرارة وقالت:

- "نعم... السبب مقنع جدًا."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتَ إستثنائي(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة