يا إلهي… أين أنا؟
فتحت ديانا عينيها بعد فترة بدت وكأنها دهر، الرؤية كانت ضبابية مشوشة. وضعت يدها على وجهها تحاول استعادة وعيها، ثم تمتمت بصوت متألم:
– ظهري… يؤلمني حد اللعنة.
ما إن أزاحت يديها عن عينيها حتى شهقت وجلست بسرعة، تصرخ:
– ما هذا؟! أين أنا؟!
بدأت تنظر حولها بتوتر. المكان غريب عنها تمامًا: جدران رمادية يتخللها لون بنفسجي باهت، سرير في الزاوية، خزانة بنية صغيرة، وبعض قطع الأثاث القديمة. لم تجد أي تناسق يوحي بالراحة، بل زادها الاشمئزاز والريبة.
لكن ما جعلها تتجمد كان ذلك الشاب الجالس بجانب الباب. كان متكئًا على الحائط، شعره فوضوي، وجسده ضخم، إحدى ساقيه ممتدة والأخرى مثنية، وعيناه البنيتان تنظران إليها بثبات يثير القلق. يرتدي قميصًا أسود وبنطالًا رماديًا عاديين، رخيصي المظهر.
نهض الشاب ببطء وتنهد قبل أن يقول بهدوء:
– سأجلب لك كوبًا من الماء، آنسة.
ثم غادر بخطوات ثابتة، لكن عينيه كانتا ما تزالان تراقبانها.
حين غاب، تنفست ديانا بارتباك، تتفحص جسده في ذاكرتها. إنه… نعم، إنه نفس الرجل من الزقاق! لكن… هل يعقل؟
شعرت بوجنتيها تحمران حين أدركت أنها لم تكن ترتدي سوى فستانها الممزق من الأسفل، دون سترتها الكلاسيكية. هل رآني هكذا؟!
حاولت النهوض، لكنها سقطت أرضًا مجددًا متألمة، هامسة:
– آه… يا له من ألم… ساقي لا تتحرك.
رفعت فستانها قليلاً لتفحص ساقها، فوجدت جرحًا سطحياً ملتهبًا محاطًا بالدم الجاف. امتدت يدها تتحسس مكان الألم فشهقت، إذ اكتشفت أيضًا أن معصمها مجروح ومحمر، إضافة إلى بعض الخدوش على كاحلها. تنفست بارتياح حين أيقنت أن إصاباتها سطحية، لكنها ظلت عاجزة عن الوقوف.
بعد لحظات، عاد الشاب يحمل كوب ماء. وقفت عيناه على ملامحها المتلهفة، فاقترب ببطء، ثم انحنى نحوها، يمد الكوب. ترددت في أخذه، عينيها تتفحصان ملامحه القاسية وجسده الرياضي الضخم. لطالما كانت ضعيفة أمام هذا النوع من الرجال.
لاحظ ارتباكها، فسحب يدها ووضع الكوب فيها بنفسه، وأحكم أصابعه حول يدها كي لا تسقط. خجلت ديانا، احمرّت وجنتاها، لكنها ظلت صامتة. جاء صوته العميق، الرجولي:
– هل ستشربين الماء… أم أُسقيك إياه بنفسي؟
ازداد ارتباكها، خفضت رأسها إلى الكوب، حتى قطع صوته مرة أخرى بنبرة ساخرة:
– لا تقلقي، لم أضع فيه شيئًا… لست من هذا النوع من الرجال.
رفعت ديانا رأسها بسرعة، حاجباها معقودان، لم تكن تفكر في الأمر أصلًا، لكنها فقدت تركيزها بسبب جاذبيته وصوته الرزين. شربت الماء دفعة واحدة، ثم تمتمت بخجل:
– هل… يمكنك أن تجلب لي كوبًا آخر؟
ابتسم باستهزاء جانبي وقال:
– هوه… حسنًا.
غادر لبرهة، ثم عاد ومعه قارورة كاملة. وضعها على الطاولة الصغيرة بجانب الكوب، ثم التفت إليها وهو يراها تحاول النهوض فتسقط. اقترب منها وسأل بنبرة هادئة:
– هل تسمحين لي بمساعدتك على النهوض؟
ترددت، ثم قالت بصوت مبحوح:
– أجل… من فضلك. أنا آسفة… أشعر أنني عاجزة. لا أتذكر ما حصل بعد أن حاول ذلك الرجل سرقتي… آه! مهلاً، حقيبتي! هل أخذها؟ يا إلهي… فيها—
قاطعها الشاب ببرود وهو يمد يده إليها:
– لا، لم يأخذها. سأساعدك أولاً على النهوض، ثم أحضر لك أشياءك.
اقترب منها وانحنى، فتراجعت ديانا للخلف بتوتر. قال بهدوء:
– آنستي… سأساعدك على النهوض والجلوس على الكرسي.
– فقط… ضعني على السرير هناك.
– حسنًا.
مد يده وأمسك بيدها، وضعها حول عنقه، ثم أحاط خصرها بقبضته محكمًا عليها:
– استندي عليّ.
فعلت ديانا ما قال، لكن قلبها كان يخفق بجنون. اقتربت منه أكثر مما احتملت، وجهها صار قريبًا من صدره العريض، رائحته تملأ أنفها، وجسدها يلامس قوته. يا إلهي… سأموت من الحرج.
ببطء، وضعها على السرير. جلست ديانا متوترة تحاول إخفاء انجذابها إليه. تحرك مبتعدًا ودخل غرفة أخرى، ثم عاد سريعًا حاملًا حقيبتها وسترتها في يده اليمنى، وفي الأخرى كعب حذائها. وضع السترة والحقيبة بجانبها، أما الحذاء فتركه على الأرض.
توجه إلى خزانته الصغيرة، أخرج علبة إسعافات أولية، ثم عاد إليها. قال بصوت هادئ:
– آنستي، هل تسمحين لي أن أعالج جروحك؟ لست طبيبًا، لكن يمكنني وضع مرهم وكمادات باردة. هذا يتطلب لمسك، ولا أريد أن أنتهك خصوصيتك.
تسمرت ديانا، مذهولة من لباقته واحترامه. أول مرة في حياتي… رجل يطلب إذني قبل أن يلمسني. أيعقل أن هناك فعلًا رجالًا مثل شخصيات ديزني؟! لمعت عيناها، وأجابت بخجل:
– اهتم بمعصمي وكاحلي وساقي… لا بأس. لكن فخذي… لا تلمسه.
قاطعها بأدب، نبرة صوته ثابتة:
– لا تقلقي، آنستي. ليست لدي أي نوايا سيئة.
انحنى على ركبته، أمسك ساقها، ووضع عليها مرهمًا باردًا جعلها ترتجف. لفّ حولها ضمادة عريضة، ثم انتقل إلى كاحلها يعالجه بالهدوء ذاته. أما ديانا، فكانت شاردة تتأمله، مأخوذة برزانته.
ترددت لحظة، ثم قررت أن تسأله:
– ما اسمك أيها الشاب؟
أجاب وهو يواصل عمله:
– إيريك، آنستي.
– إيريك… اسم جميل.
– شكرًا، آنستي.
– لا تنادِني "آنستي"، إنه مزعج.
– بماذا أناديك إذن؟
– ألن تسألني عن اسمي؟
– لا أريد أن ازعجك بالسؤال
– يا إلهي، لماذا سيزعجني سؤالك؟
– ما اسمك اذا؟
– اسمي ديانا...
رفع رأسه إليها وابتسم:
– يليق بك.
ابتسمت هي الأخرى بخفة، ثم قالت:
– هل لي أن أعرف… ماذا حصل؟
جلس بجانبها، تاركًا مسافة صغيرة بينهما. تناول يدها برفق ليعالج معصمها، ثم قال ببرود:
– لقد تخلصت من ذلك الرجل. أبرحته ضربًا حتى غرق في دمه، ووعدته إن عاد… فلن يخرج حيًا.
شهقت ديانا بدهشة:
– لماذا… لماذا ساعدتني؟ بل أنقذتني؟
أجاب ببساطة:
– فتاة في ورطة… تحتاج إلى مساعدة.
ضحكت بخفة، وعادت تحدق فيه، فابتسم هو ابتسامة جانبية وأكمل:
– بعد أن تركك ذلك السارق سقطتِ أرضًا وأُغمي عليك.
– وماذا بعد؟ كيف وصلتُ إلى هنا؟
– حملتك إلى هنا. كنتِ ترتجفين مثل قطة مبللة، هاهاها.
احمر وجهها من الحرج، فالتفتت بعيدًا:
– هل… هل قلت شيئًا أثناء إغمائي؟
– أجل.
استدارت بسرعة، عيناها متسعتان:
– ماذا قلت؟!
– ظللت تهمسين: "أمي… أمي… أرجوكِ لا تتركيني وحدي في الظلام". حتى عندما أدخلتك المنزل رفضتِ أن تتركي يدي. فبقيت بجانبك حتى هدأتِ.
شعرت ديانا بالاختناق من الحرج:
– يا إلهي… آسفة جدًا. يبدو أنني سببت لك المتاعب.
– لا بأس. لا يمكن ترك فتاة تحتاج المساعدة وحدها.
– هل تفعل هذا دائمًا؟ تساعد الفتيات في الأزمات؟
ضحك بخفة:
– هاها، لا. أنتِ أول فتاة تدخل هذا المكان المظلم. ما الذي جاء بك إلى هنا أصلًا؟
– آه... كنت جائعة، اردت البحث عن مطعم أو محل.
– وهل ما زلتِ جائعة؟
– سأكذب إن قلت لا.
نظر إليها نظرة فاحصة:
– لا أظن أن امرأة مثلك ستأكل مما عندي.
– ماذا تعني "امرأة مثلي"؟!
– تبدين غنية… ملابسك، سيارتك.
شهقت ديانا فجأة:
– سيارتي!!
– لا تقلقي، ما زالت في مكانها.
تنفست بارتياح، فوضع إيريك ذراعيه متكئًا وقال:
– إذن… ما الشيء الثمين الذي تحملينه في حقيبتك؟ هل هو مسدس مثلًا؟
ضحكت ديانا بخفة، أمسكت حقيبتها، فتحتها وأخرجت مسدسًا حقيقيًا!
– أجل… صدقت توقعك.
تراجع إيريك قليلًا من الدهشة، ثم ابتسم ممازحًا:
– أنسة مثلك… لا يجب أن تحمل سلاحًا.
أجابت بحدة وهي توجه المسدس نحو وجهه:
– هل تجرؤ على استصغاري؟
رفع يديه مستسلمًا، مبتسمًا:
– لا، لا… أنا أمدحك. لكن ما هو الشيء الثمين حقًا؟
– هاتفي، أموالي، مفاتيح سيارتي… وحقيبتي نفسها باهظة الثمن.
أخرجت هاتفها، ضغطت زر التشغيل، لتجد الساعة تشير إلى الواحدة صباحًا. لا رسائل… لا مكالمات. تذكرت فجأة أن والدها ليس في المنزل…
قالت ديانا وهي تحدّق في ساعة هاتفها بقلق:
– تبا… لقد تأخر الوقت.
اقترب منها إيريك وقال بنبرة هادئة:
– لقد كنتِ مغمى عليكِ لفترة طويلة… سأساعدك على الخروج إذا كنتِ تنوين الرحيل.
اكتفت ديانا بإيماءة موافقة، ثم حاولت الانحناء لانتعال كعبها، لكن ألم معصمها الحاد جعلها تتوقف. لاحظ إيريك ذلك، فانحنى بهدوء، وأخذ الحذاء بيده، وألبسها الكعبين بعناية. رمقتها الدهشة والخجل في آن واحد، فتمتمت بلا تردد:
– شكرًا لك… أنقذتني، عالجت جروحي دون أن أشعر بأي ألم، وها أنت تساعدني على الخروج من هنا… كيف أرد لك هذا الجميل؟
نهض إيريك بثبات، نظر إليها مباشرة وقال:
– أولًا… لا تناديني بالسيد، إيريك فقط. ثانيًا… العفو، لا أريد مقابلًا. فقط لا تعودي إلى هذا المكان أبدًا، إنه خطير جدًا.
سألته بدهشة:
– ولماذا تعيش هنا إذن؟
أجاب ببساطة:
– لأنني أعمل في مكان قريب.
– وأي عمل هذا؟
– مدرب رياضي… في صالة لكمال الأجسام.
اتسعت عينا ديانا في دهشة، وهمست لنفسها:
– هذا يفسر عضلات جسده المثيرة…
سمعها بوضوح، لكنه اكتفى بابتسامة صامتة. ارتدت سترتها، وحملت حقيبتها من جديد، ثم استندت عليه وهي تتهيأ للخروج. مرّت عيناها على منزله الصغير: غرفة واحدة، مطبخ ضيق، وحمام… لا شيء مميز سوى بساطته المتهالكة.
حين وصلا إلى الدرج، توقفت فجأة… تأكدت أنها لن تستطيع النزول، فقدمها ما تزال تؤلمها. لكن قبل أن تنطق بكلمة، شعرت بيديه ترفعانها. حملها تمامًا كما أحضرها. اتسعت عيناها بخجل، وتلعثمت:
– لـ… لم يكن عليك حملي.
لم يرد إيريك، كانت ملامحه جادة، وعيناه مركّزتان على خطواته وهو ينزل الدرج بحذر. أدارت وجهها بعيدًا، خشية أن ترتكب حماقة وهي بين ذراعيه.
عندما خرجا من المبنى، قالت بارتباك:
– لا بأس الآن… أنزلني.
– لا، لن أفعل. سأوصلك لسيارتك. أين ركنتها؟
– في… نهاية الممر.
تابع السير وهو يحملها بخفة، كأنها ريشة، أو هرّة صغيرة بين يديه. وعند نهاية الممر، توقف أمام سيارة سوداء لامعة وقال:
– ها هي، أظن أنها سيارتك… أليس كذلك يا آنسة ديانا؟
– أجل.
أنزلها برفق، فاستندت عليه مرة أخرى لتفتح الباب. سألها بجدية:
– هل تستطيعين القيادة؟
– نعم، لا بأس. سأستخدم وضع التحكم التلقائي بعد تحديد موقعي… شكرًا لك مرة أخرى، إيريك. سعيدة بلقائك.
ابتسم ابتسامة قصيرة دافئة، وتراجع قليلًا ليفسح لها الطريق. جلست خلف المقود، شغّلت السيارة، ولم تزل عينا إيريك تتابعها حتى غابت سيارتها في آخر الطريق. عندها فقط عاد إلى منزله… صامتًا.
kawthar1ink