قَلبَان عَلى حَافَةِ الخَطَر

قَلبَان عَلى حَافَةِ الخَطَر

24 0

ها قد وصلت ديانا أخيرًا إلى المنزل بعد عناءٍ طويل، يرافقه ألمٌ حادٌّ ينهش جروحها المبعثرة. كان الليل قد ابتلع آخر أنفاس المدينة، والساعة متأخرة إلى حدٍّ يجعل الصمت نفسه قلقًا.

في المدخل الحجري الكبير، كان ألبرت، سائق والدها، يقف متوجسًا، يذرع المكان جيئةً وذهابًا، تملأه الحيرة والاضطراب. لم يكن بوسعه الخروج للبحث عنها، فكيف له أن يهتدي إلى مكانها وهو لا يعلم أين ذهبت؟ وما إن لمح من بعيد أضواء سيارتها تشق العتمة وتتقدم نحو البوابة الحديدية العملاقة، حتى أسرع الخطى كمن رأى بصيص نجاة.

أما ديانا، فقد ركنت سيارتها بشكل عشوائي، فقط كي تنزل وتدخل بسرعة، غير آبهة بالنظام المعتاد. رفعت بصرها ورأت ألبرت يهرع إليها؛ شعرت بطمأنينةٍ غريبة، إذ وجدت شخصًا يكترث بغيابها، غير والدها الجامد الذي لا يُظهر مشاعره مهما حدث، وغير أمها التي اختارت الغياب طوعًا بعد طلاقها وسفرها إلى كندا، وانقطاع تواصلها بعدما أنشأت عائلة جديدة هناك، ناسِيةً أمر ديانا تمامًا.

فتحت باب السيارة ببطءٍ وحاولت النزول، لكن ساقها وفخذها المتورمين رفضا الانصياع لها، فشهقت من الألم وترددت لحظة. حين رفعت رأسها، وجدَت ألبرت أمامها، يضع يديه على ركبتيه، يلتقط أنفاسه بعجلة، وصوته يخرج متقطعًا:

— "أين… أين كنتِ؟!!!"

ابتسمت ابتسامة باهتة تحاول بها تهدئته رغم ألمها، ثم أجابته بصوت متعب:

— "كنتُ في الاجتماع مع فوكس."

قطّب حاجبيه بشدّة، وصاح بها بلهفةٍ غاضبة:

— "اليوم بأكمله؟!!!"

نظر إليها نظرة فاحصة، فلاحظ تمزّقًا في أسفل فستانها، بعض الأوساخ على قماشه، شعرها الفوضوي قليلًا، والكمّادات التي تُغطي كاحلها ومعصمها، إضافة إلى التورم الكبير في ساقها الممتد حتى فخذها. لم يجرؤ على التدقيق أكثر، لكن الغضب اشتعل في عينيه، وقال بنبرةٍ حادة كالسيف:

— "هل فعل لك رئيس الشركة شيئًا في الاجتماع؟! هل لمسَك أو تعدّى عليك أحد؟!!"

ضحكت ديانا ضحكة خافتة كمن يحاول تبديد غيوم القلق، ثم هزّت رأسها:

— "لا، لا، لا شيء من هذا."

اشتد صوته:

— "إذاً بما تفسّرين كل هذه الكدمات وشكلك الفوضوي؟!"

تمتمت مبتسمة، محاولة إخفاء وجعها:

— "قصة طويلة… ساعدني أولًا على الخروج من السيارة ثم سأحكي لك ما حصل."

تنهد ألبرت بعمق، محاولًا ابتلاع غيظه، ثم مدّ يده لها. استندت عليه ولفّت ذراعها حول عنقه كما فعلت مع إيريك من قبل. نادي على أحد الحراس ليأخذ حقيبة ديانا وأغراضها ويركن السيارة مكانها.

دخل بها ألبرت إلى القصر، عابسين على ضوء الثريات المترفة. أسندها على أريكة غرفة المعيشة، ثم خرج قليلًا ليأخذ أشياءها من الحارس. لم يشأ أن يُوقظ الخادمات حتى لا يثرثرن ويُحدثن ضجة، أو ينقلن الخبر لوالدها؛ لذلك تكفّل هو بكل شيء.

أحضر كوب ماء وزجاجة، ثم مسكّنًا للألم وعلبة الأدوية، وعاد إليها. رآها تتأوه من شدّة الألم، غير قادرة على الجلوس باستقامة، فوضع وسادتين بجانبها لتتكئ عليهما براحة. مدت يدها للماء، فأعانها وسكب لها الكأس بنفسه. وحين انتهت من الشرب، قال بهدوء، يخفي خلف نبرته قلقًا عارمًا:

— "إذن… كيف جرى الاجتماع مع شركة فوكس؟"

مسحت ديانا قطرات الماء عن ذقنها بظهر يدها، ثم بدأت تحكي تفاصيل الاجتماع: عن الرجل المريب "دانيال كوردوفا"، كيف كان اللقاء في كازينو داخل غرفة بعيدة مريبة، وكيف بدا أقرب إلى مدمنٍ سكير منه إلى رجل أعمال. وأشارت للملف الملقى جانبها الذي يحوي أوراق الاندماج المقترحة.

جلس ألبرت مقابلها، مصغيًا بدقة، ثم قال:

— "هل تفكرين في الأمر؟ هل تبدو صفقة مربحة؟"

أجابت بنبرة ممتزجة بالانزعاج:

— "إنها مربحة، أجل… لكن عندما بدأتُ أنسجم معه وأفكر بالأمر، أخذ يستخفّ بي. قال إن والدي هو من يجب أن يتولى الصفقة، لأنني "امرأة"، وهذا مجال رجال. تسك!"

ارتسمت على شفتي ألبرت ابتسامة صغيرة، لأنه يعرف طبيعتها التحديّة، ويعلم كيف كانت تصنع من الإهانة دافعًا للنجاح، تمامًا كما تفعل مع والدها. لكن سرعان ما جَمُدَ وجهه، وسألها بصرامة:

— "وما سبب كل هذه الجروح والكدمات إذن؟"

خفضت ديانا رأسها، تنظر للكأس بين يديها. لكن ما لبثت أن ارتسمت ابتسامة شاردة على محيّاها، وهي تتذكر إيريك، إنقاذه لها، لمسته الحنونة رغم خشونة يديه، شهامته ورجولته.

قاطع شرودها صوته القلق:

— "سيّدتي؟"

رفعت رأسها وقالت:

— "سأختصر الأمر… لقد كنت جائعة جدًا، فنزلت من السيارة أبحث عن محل أو مطعم، وفجأة غافلني لصّ وحاول سرقة حقيبتي، بل تعدّى عليّ واراد خنقني حتى الموت. لكن… أنقذني شابٌ شهم، أبرحه ضربًا، وأسقطني الإغماء فوق الحصى و الارض المشقوقة، فأُصبت بهذه الجروح. عالجني ذلك الشاب بهدوء وساعدني حتى أركب السيارة وأعود."

تجمّد ألبرت، الغضب يتصاعد في صدره كبركان، كاد يصرخ بها: "لماذا لم تأكلي في الشركة؟ لماذا تمشين في شارع مظلم؟ لماذا لم تتصلي بي؟!" لكنه كبَح انفعاله بصعوبة، وعوض أن يُثقل عليها بوابل الأسئلة، أجاب بهدوء، عارفًا بحساسيتها:

— "هل تعرفين من هو هذا الذي أنقذك؟ اسمه؟ مكان عمله؟"

ارتبكت ديانا؛ تعرف كيف أن فضول ألبرت قد يقوده للتدخل في حياة إيريك وربما إيذائه بلا قصد، وهي لا تريد أن تُكافئ شهامته بالمتاعب. أجابت ببساطة:

— "لا، لا أعرف عنه شيئًا. فقط ساعدني وانتهى الأمر."

— "هل طلب منكِ مقابلاً؟"

— "لا."

— "هل فعل لكِ شيئًا سيئًا؟"

— "لا! لما كل هذه الأسئلة؟!" ارتفعت نبرتها بانزعاج. "لقد ساعدني بهدوء، لم يطلب شيئًا، لم يلمسني بسوء، بل عالج جروحي وساعدني للخروج من ذلك المكان، وكنت ممتنة له! حتى إنني عرضت عليه مقابلًا، لكنه رفض بأدب!"

تنهد ألبرت مطولًا، ثم قال:

— "حسنًا… فهمت. دعيني أساعدك إلى غرفتك. هل تريدين أن أوقظ إحدى الخادمات لتبديل ملابسك أو معالجة جروحك؟"

قاطعت بسرعة:

— "لا! لا تخبر الخادمات بشيء. سأقول إنني سقطتُ عن درج ما فقط. سأتدبر أمري وحدي."

أومأ موافقًا، ثم ساعدها على النهوض، حاملاً ملف الشركة وبعض أغراضها، وتركها عند باب غرفتها كما يليق.

دخلت ديانا غرفتها متعبة، خلعت كعبيها برجلها ورمتهما بعيدًا، عرجت نحو السرير. لم تشعر بالنعاس بقدر ما شعرت بالجوع. بدلت ثوبها بصعوبة، ارتدت ثوبًا بسيطًا للنوم بدل البيجاما المعقدة. حدقت في فستانها الأسود الممزق وقالت بأسى:

— "لقد كلّفني شراءك مالًا كثيرًا… يا لها من خسارة!"

ثم ألقت به على الأرض، وتقدمت نحو المرآة الطويلة، تتفحص جروحها. ساقها المتورم ملونٌ بالأزرق والأخضر والبنفسجي، معصمها ملفوف بضمادة، كاحلها مشدود، جروح طفيفة على ذراعيها… كلها شواهد على يومٍ شاق.

تنهدت ببطء، وأحست في لمسة إيريك، حين كان يعالجها، حنانًا غريبًا افتقدته حتى من أبيها. تساءلت في سرّها: كيف لرجلٍ كهذا أن يعيش في مكانٍ بائس؟ أليس جديرًا بأن يكون تحت الأضواء؟

جلست على السرير، انتعلت خفّها وارتدت سترة صوفية، ثم توجهت للمطبخ عرجاء. فتحت الثلاجة، أخرجت حصتها من العشاء لتسخينه، وأعدّت طبقًا بسيطًا مع بعض الفاكهة والعصير. جلست تأكل ببطء، تتأمل وتفكر.

فجأة، لمعت ببالها فكرة: أن تساعد إيريك، لكن سرًا، دون أن يدري. ربما تُرسل له عروض عمل في شركات مرموقة، أو فرصًا كعارض أزياء، أو على الأقل ان كان يريد الاستمرار كمدرب رياضي ستدبر له وظيفة مدرب في صالة راقية. فكرت في أن تُرسل له المال ليغير مكان عيشه… لكنها ترددت. لم يسبق لها أن اهتمت بمن هم أقل منها مالًا أو شأنًا، بل كانت تنافس الجميع وتغار حتى من نجاح والدها.

لكن الآن؟ لماذا تفكر فجأة في تغيير حياة رجل غريب؟ لماذا تشعر أنه يستحق أن يُنقذ من قاع الظلام؟

حركت شوكتها في الطبق وتمتمت:

— "لكن… كيف أساعده دون أن أعود لذلك المكان المخيف؟! أنا لا أعرف حتى أين يعمل…"

ارتشفت قليلًا من العصير، ثم خطرت ببالها فكرة:

— "ربما… أحتاج لشخص يرافقني. حارس شخصي… أو حتى كلب حماية!"

----

ما إن انطفأت أضواء سيارة ديانا وغابت عن الزقاق المظلم، حتى عادت الوحشة تسكن المكان. وقف إيريك لحظة أمام الباب الصدئ لشقته، يحدق في الفراغ الذي تركته خلفها، كأن بقاءها كان يبدد شيئًا من ثقل الليل. زفر ببطء، ثم دفع الباب ودخل.

الغرفة الضيقة استقبلته برائحتها المعتادة: مزيج من العرق والحديد الصدئ وأثر بخور قديم أحرقه منذ أيام ليغطي على رطوبة الجدران. رمى سترته على الكرسي الوحيد، ثم جلس على حافة السرير المهترئ، واضعًا كفيه على وجهه. لا يعرف لماذا يعاوده ذلك الإحساس… إحساس بالقلق، بالانجذاب، وكأنه ارتكب خطأ بمجرد أنه مد لها يد المساعدة.

نهض فجأة، كأن شيئًا في داخله يأبى أن يتركه يهدأ. اتجه نحو خزانة حديدية قديمة في زاوية الغرفة، فتحها بصوت صرير مؤلم، وأخرج صندوقًا خشبيًا صغيرًا. جلس على الأرض، ووضعه أمامه، وأطال النظر فيه قبل أن يفتحه. كان داخله بعض الأوراق البالية وصورة قديمة… لوجه فتاة شابة، ابتسامة باهتة تحت ضوء شمس قديم. تشبه ديانا في شيءٍ ما… في عينيها أو في ملامحها المستقيمة.

مد أصابعه الخشنة على إطار الصورة المرتجف، ثم قبض عليها حتى كاد يحطمها. تمتم بصوت منخفض، تكاد الحيطان وحدها تسمعه:

— "لماذا تعودين بي إليها…؟ ألم يكفِ ما حدث؟"

ارتعشت أنفاسه، أغلق الصندوق بعنف، وأعاده إلى مكانه، لكن قلبه ظل مفتوحًا على جرح قديم لم يندمل.

لم يكد ينهض حتى دوّى صوت قصير في الغرفة. رنين هاتفه القديم، ذلك الجهاز المكسور الذي بالكاد يعمل. مد يده إليه بتردد، قرأ الرسالة التي ظهرت على الشاشة بخط باهت:

"لقد رأيناك مع فتاة. لا تعلّق نفسك بها."

اتسعت عيناه قليلًا، لكن ملامحه بقيت جامدة. كأنه توقّع هذا. كأن الماضي يلاحقه مهما حاول أن يدفنه. أطفأ الهاتف ببطء، ألقى به جانبًا، ثم جلس على الكرسي يحدق في العتمة.

مرّر يده على شعره وهو يهمس بغلظة، كأنما يتحدث إلى نفسه:

— "لا… لن أسمح أن يحدث معها ما حدث من قبل. الأفضل أن تبتعد… قبل أن يبتلعها ظلي."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنتَ إستثنائي(متوفقة)

المؤلف kawthar1ink
2025/08/22 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة