صباح يوم 14/7/2007 استيقظت من نومي كالعادة في بيت العائلة الذي كنا نسكن جميعًا به، كان بيت قديم متهالك هذا ما يبدو عليه لكنه كان شديد القوة والغضب، كان بيت يملأه شتى المشاعر من حزن وفرح وغضب ومحبة، بيت يسوده الأطمئنان، بيت من الطوب اللبن، جدرانه مطلية باللون الأزرق الفاتح، ولا يوجد به من الغرف سوى أربع غرف وحمام صغير، وكانت كل غرفة بها سرير قديم حديدي بناموسية وكان يجلس بكل غرفة أبناء هذا المنزل وزوجاتهم وبعض من أخواتهم كانوا متزوجين خارج المنزل، كانت جدتي ذات ملامح حادة، قاسية القلب، كل ما تلفظ به يسري علي كل أفراد المنزل حتي جدي طيب القلب، لقد كان جدي رجل يمشي على الأرض فكانت الأرض تفرح وتسعد به كثيرًا لقد كان كثير الشيم الطيبة، ذو قلب أبيض يغفر لكل شخص يأذيه مهما كان الأذي، كان يأخذ بيدنا جميعًا، ويصنع لنا ألعاب خشبية ويجلس معنا كل ليلة نحن الأحفاد يلقي على مسامعنا من القصص والأساطير وكنا نسعد كثيرًا وكانت هذه أصعب أيامنا، كان أبي الأبن الثاني لجدي وجدتي كان نسخة من والده تمامًا فلم يضربني أبي يوما حتي لحظة وفاته، أما أمي فكانت الدواء لكل مريض، كانت سيدة مكافحة، طيبة القلب، طباخة ماهرة، كانت ممتازة لأقصي حد، كنت أحبها كثيرًا ولم أكن أعلم أنها ستتركني هي وأبي يومًا ما. _صباح الخير يا جدو، عاملة اي يا حبيبة قلبي، انتي قاعدة لوحدك بدرى كدا ليه؟ _جدو حبيبي صباح الفل، أنا كنت قاعدة سرحانة شوية، أنت عارف أنا بحب أشوف الشمس وهي بتشرق كل يوم. _طيب خلى بالك من نفسك، أنا رايح الشغل، وهجبلك البسكوت اللى بتحبيه أنتي واخواتك كلهم. _حبيبي يا جدو، قمت بإحتضانه وتركني وذهب جلست شاردة الذهن في تلك الأشعة الذهبية التي أضاءت كل الأرجاء ونسمه الهواء البارد في هذا الصباح كانت تُشعِرني بالأنتعاش والهدوء. _يا آريانا!!! فزعت من شرودي على صوت أمي تنادي كالعادة فذهبت مسرعة _ايوا يا ماما _تعالى يلا علشان نفطر، وصحي جدك _جدو مشي من بدرى وقالي مش تستنوا _طيب صحي تيتا يلا أحمر وجهي عندما قالت لي أمي أن أوقظ جدتي، فهذا بالنسبة لي كابوس، لأنها بالعادة تستيقظ باكرًا بمفردها فماذا دهاها اليوم؟ ذهبت للغرفة وأنا متوترة ومترددة من ردة فعلها، طرقت الباب حتي سمحت لي بالدخول _صباح الخير يا تيتا، الفطار جاهز _مش هاكل، افطروا انتوا _ازاى بس يا تيتا؟ _اسمعي الكلام يلا روحي ارتعدت من كلمتها وذهبت مسرعة من الغرفة، لكني قلقت عليها لأن من صوتها كان يبدو عليها التعب فأخبرت أمي فذهبت إليها ووجدت حرارتها مرتفعة كثيرًا، فذهب أبي لأحضار دكتور وكان من الصعب إيجاد دكتور في منطقتنا فهي عبارة عن منطقة فلاحين نائية عن جميع مرافق الخدمات الإجتماعية والصحية فكانت المسافة تبعد ثلاث ساعات على الأقل، لكن أبي نسي محفظته فخرجت أمي مسرعة خلفه وكان هناك ع طريق القطار ابي يجري مسرعا خوفًا علي جدتي ولكنه لم يكن يسمع صوت القطار وهو قادمًا فصرخت أمي عندما عبر أبي أمام القطار وكان يحاول العبور من أمام القطار لكن أخذه القطار في طريقه وصرخت أمي صرخة قسمت قلبي لنصفين وأنا أقف أشاهد أبي يموت أمامي وأمي فاقدة الوعي والناس الواقفين قائلين'لا حول ولا قوة إلا بالله'وكان يلتف العالم حولى وأنا لا أسمع شيء سوى صراخ أمي وصوت القطار الذي قتل أبي. أفقت على مشهد الناس وهم يحملون أمي للداخل فاقدة الوعي وأفاقوها بطريقتهم ولم تكن تنظر إلا لجدتي التي نهضت من فراشها متعبة لتستفسر عن ماذا حدث، فقطع همهمات الجميع صراخ أمي بجدتي _أنتي السببب، أنتي اللى قتلتي جوزي، ياريتك كنتي مكانه وهو لا، وظلت أمي تبكي بصمت وجدتي تنظر للفراغ تحاول إستيعاب الصدمة، وظل المنزل مليء بالجيران وصراخ أمى وزوجات أعمامي، لكنى كنت أجلس أمام طريق القطار وأرى دماء أبي على الطريق بإنتظار أبي أن يأتي! فكيف لطفلة في عمر الخامس عشر أن تستوعب مقتل والدها أمامها، قطع ذلك الصمت جدي الذي علم الخبر من المنزل وخرج ليبحث عني برغم جرحه الذي ينزف ألمًا على ولده _حبيبة جدو، قاعدة هنا لى؟ _لا رد _طيب قومي معايا _لا رد _ بابا مماتش يا آريانا، أنا هنا اهو، أنا مكانه فخرجت تلك الكلمات التي جعلت جدي ينزف دمًا من عينيه _بابا معتش موجود يا جدو، بابا جثته خدها القطر ومشي، بابا القطر قتله يا جدو وقمت من مكاني أركض إلي مالا نهاية، لا أعرف أين أنا لقد فقدت الطريق لمنزلنا، لا أعرف لأين أذهب، حتي استوقفني يد وضعها أحد على فمي وسحبني في بيت مجهول لا أعرفه فقد حل الليل منذ بضع ساعات، نزع يدي وهو يحدثني _إياكي تصوتي هقتلك وربنا فاهمة. لم يكن صوته غريب على أذني، إنه ابن عمتي'عاصي' _أأأنننتت!!!! _ايوا أنا، انا بحبك اوي يا آريانا وأخذ يقترب مني ويحاول لمس جسدي فسارت بجسدي رعشة غريبة وأفقت من صدمة وفاة والدي في تلك اللحظة وبدأت بالصراخ حتي كتم فمي فحاولت ضربه كثيرًا لكن قوته كانت اكبر مني بالرغم من أني أكبره بسنتين ظللت أقاوم وأنا أبكي بشدة وقلبي يكاد أن يقتلع من مكانه حتي ضاع كل شئ........... #يتبع