نجد – قرية السليمي – سنة ١٤٠٥هـ
كان الصبح يطلّ بهدوءٍ كعادته، لا يعجّل ولا يبطئ، وكأنه يوقّع على الأرض بريشة نورٍ ذهبيّة. في أطراف قرية "السليمي"، حيث تلتقي الكثبان برمالها الذهبية مع أشجار الطلح القديمة، كان "سالم" يقود إبله إلى المرعى، والريح تهمس في أذنه كأنها تذكّره بشيءٍ نسيه.
السماء صافية، لا غيم يعكّرها، ولا صوت يكسر سكونها إلا نقيق الضفادع من بعيد، وصهيل فرسٍ عتيقٍ عند بئر الجدّ "ناصر".
---
سالم (وهو يربّت على سنام الناقة):
"يا أمّ عيّاف، لا تتأخّري اليوم... الجو حار، والماء قليل. إذا وصلنا الظِّل قبل الزوال، نرتاح شوي."
الناقة لم تُجب لكنها مشت أسرع، كأنها فهمت.
---
وفي فناء الدار الطينية، كانت "أم فهد" تفرش الخبز على الصاج، ودخان النار يتصاعد كدعواتٍ صامتة نحو السماء. جارتها "أم مشعل" جلست على الحصير، تمسك فنجان قهوةٍ صغير، وعيناها تراقبان الأفق.
أم مشعل:
"والله يا أم فهد، هذا العام ما عرفنا له طعم... لا مطر، ولا خير. حتى الحيوانات صارت تعرف تشتكي!"
أم فهد (وهي تقلب الخبز):
"الله يرزق يا أختي... نحن نزرع ونصبر، والباقي على اللي يسوق الرزق. شفتِ فهد بالأمس؟ جاب لنا من السوق كيس سكّر وعلبة شاي، وقال: 'هذا عشان ما تتعبين'."
أم مشعل (بتنهيدة):
"فهد ولدٍ ذهب... أما سالم، فما يكلمني إلا إذا احتاج دراهم!"
ضحكت أم فهد، ورشّت قليلًا من الماء على الصاج ليصدر صوت الطقطقة المحبّب.
أم فهد:
"خلّيه... الشباب دحين صاروا يتكلمون بلغة الجوالات والسيارات. بس قلبهم على أهلهم، ولو ما يبين."
---
عند الظهيرة، عاد سالم، والإبل خلفه كالجند المطيع. توقف عند البئر، وشرب من الدلو، ثم جلس في الظلّ يمسح عرقه بكمّه.
ظهر فهد من خلف النخلة، وهو يحمل كتابًا قديمًا.
فهد:
"يا سالم، شفتَ الشيخ حمدان؟ قال لي: 'إذا جيت قبل العصر، أعطيك الجزء الثالث من سيرة عنترة'."
سالم (بلا مبالاة):
"عنترة؟ ذاك اللي يضرب بالسيف ويركب الخيل؟ والله يا فهد، أنا أفضّل سيارتي من أيّ فارس... على الأقل ما تقول لي: 'عطشان' كل نص ساعة!"
فهد (يضحك):
"بس سيارتك ما تقدر توّنسك!"
سالم:
"تكفيك أغاني المذياع! 'يا طير طيّر يا ناعس العين'... تسمعها وأنت تقود، وتنسى حتى إنك بنفسك!"
---
وعند الغروب، جلس الرجال حول النار، كما جرت العادة. الشيخ "حمدان" رجل السبعين، ذو لحية بيضاء وعينين كأنهما تقرآن ما في القلوب بدأ يقصّ حكاية.
الشيخ حمدان:
"في زمانٍ، كان فيه رجل اسمه متعب... ما كان يخاف من شي، إلا من كلمة 'ما قدرت'. قال يومها: 'إذا خفت، خسرت. وإذا تراجعت، ضعت.' فسار في الصحراء سبعة أيام بلا ماء... ولما وصل، كان أول شي قاله: 'الحمد لله اللي سخّر لي ريح الشمال... لأنها تعرف طريقها.'"
سكت الشيخ، ونظر إلى سالم.
الشيخ حمدان (بنبرة هادئة):
"يا سالم... الريح تعرف طريقها. وأنت؟،أنت تعرف طريقك؟"
لم يجب سالم. لكنه نظر إلى الأفق، حيث كانت الشمس تنزل كأنها تودّعهم بلطف.
---
وفي غرفة صغيرة، أضاءت أم فهد مصباح الكاز، ووضعته على الطاولة الخشبية. نظرت إلى صورة زوجها الراحل، ثم همست:
أم فهد:
"يا رب... احفظهم لي. واحد يقرأ، وواحد يرعى، لكن إثنينهم قلبهم طيب لا تضيّعهم في زحمة الدنيا."
---
يتبع..
السماء لا تُسرع، والريح لا تخطئ طريقها في الصحراء... وأحيانًا، يكون السؤال الأهم ليس "إلى أين نذهب؟"، بل "هل نحن نمشي بالطريق الصحيح؟"
راكان