part three

part three

9 0

الرياض – حرم جامعة الملك سعود – أول يوم دراسي – سنة ١٤٠٦هـ

السماء فوق الرياض كانت زرقا وصافية، بس ما هي مثل زرقة السما فوق السليمي. هنا ما تسمع همس الرمل، ولا تشم ريحة الطلح بعد المطر، ولا تشوف الإبل تمشي كأنها جزء من الأفق. هنا بس سيارات تزاعق، والناس تسرع، والمباني تعانق السما... وسالم واقف وسط الزحمة، شنطته الثقيلة على كتفه، وعينه تدور كأنه ضايع في واحة ما فيها ميّه.

سالم (يتمتم لنفسه):

"والله لولا إن فهد جابني وأنا نايم... كان رجعت ركض!"

---

في بهو كلية الزراعة، الطلاب متدافعين — بعضهم لابسين بدلات، وبعضهم بثياب بسيطة مثله، بس الكل شايلين جوالات ويضحكون بصوت عالي ويتكلمون بكلام ما فهم سالم منه إلا "أستاذ" و"محاضرة" و"تسجيل".

وقف قدام لوحة الجداول يحاول يقرأ اسمه... الأسماء واجد والخط صغير والوقت يركض.

طالبة (تلتفت له وتبتسم):

"تبغى أساعدك؟ وش اسمك؟"

سالم (متردد):

"سالم... سالم بن فهيد السليمي."

الطالبة (تناظر اللوحة):

"إي، قسم الزراعة المستدامة، مجموعة (ب). محاضرتك الأولى بالقاعة ٣٠٢... تطلع فوق الدرج، يمين، بعدين يسار."

سالم:

"يعني... أروح فوق؟"

الطالبة (تضحك):

"لا، تحت! أمزح أمزح... فوق يمين يسار، ما راح تضيّع. عندك خريطة بالجوال؟"

سالم (يبتسم بخجل):

"والله معي جوال... بس ما أعرف أفتح الخريطة."

ضحكت الطالبة ومدت يدها:

الطالبة:

"أنا نورة... من القصيم. إذا تهت، اسأل عني، الكل يعرفني!"

---

في القاعة، جلس سالم بآخر صف بعيد عن العيون، قريب من الباب تحسبًا للهروب. دخل الأستاذ، رجل بالخمسينات، نظارته ثخينة وصوته هادي لكنه يملأ المكان.

الأستاذ (بالفصحى وهو يوزع أوراق):

"أهلاً بكم... ما راح نتعلم هنا كيف نزرع الأرض بس، راح نتعلم كيف نفهمها."

وقف يطالع الطلاب، وبعدين وقف عند سالم كأنه شم ريحة الصحراء فيه.

الأستاذ:

"فيكم أحد من نجد؟"

سالم رفع يده بهدوء.

الأستاذ:

"طيب... قل لنا: كيف تعرف إن المطر جاي قبل ما ينزل؟"

سالم تردد شوي، بعدين وقف.

سالم:

"إذا هبّت ريح الشمال بعد العصر، وسكتت العصافير، وبدأ النمل يطلع من بيوته... هذي أول علامات المطر. وإذا شمّيت ريحة التراب قبل لا يجي السحاب... اعرف إن الخير مقبل."

سكتت القاعة. بعدين صفق الأستاذ بخفة.

الأستاذ:

"هذا... علم ما ينكتب بكتاب. هذا علم الأرض. وأنت يا سالم جايبه معك. لا تدفنه هنا... علمنا إياه."

---

في استراحة الظهر، جلس سالم لحاله بحديقة الكلية، يأكل تمر جايبه له أمه من البيت. مرّت نورة وجلست جنبه.

نورة:

"يا سالم... اليوم الأول دايم صعب. بكرة بتتعود."

سالم:

"أنا ما خوفي من الدراسة... خوفي أني أنسى حياتي اللي عشتها. أخاف أصير... غريب عن نفسي."

نورة:

"اللي يغيّر مكانه... ما يغيّر جذوره. جذورك في نجد، وهذا ما أحد يقدر يشيله منك. الجامعة ما تاخذ منك... تضيف لك."

---

وعند المغيب، اتصل سالم بأمه — أول مكالمة له من جواله الجديد اللي علّمه فهد كيف يشغله.

أمه (وصوتها يترجف من الفرح):

"يمّه... كيفك؟ أكلت؟ شربت مويه؟ محد ضيّعك؟"

سالم (يبتسم ويمسح دمعة):

"كل شي تمام يا أمي. اليوم... تعلمت إن فيه ناس يفهمون حتى اللي ما يتكلم. والأستاذ قال لي: 'أنت جبت لنا علم الأرض'."

أمه:

"الله يخليك لي يا يمه... لا تنسى صلاتك، لا تنسى تشرب مويه... ولا تنسى إننا نحبك."

سالم:

"ما أنسى... وأنا بخليكم تفخرون."

---

في غرفته الصغيرة بالسكن الجامعي، فتح سالم شباكه وطالع السما. الرياض ما تشبه السليمي... بس النجوم هي نفسها.

سالم (يهمس):

"يا رب... الريح تغيّرت. وأنا بعد... بتغيّر معها. بس لا تخليني أنسى من وين جيت."

يتبع...

أحيانًا... أعظم التغييرات ما تبدأ بصخب. تبدأ بهمس أستاذ، بابتسامة طالبة، بمكالمة أم، بنجمة في سماء مدينة غريبة... تذكّرك أنك مهما بعدت ما زلت ابن المكان اللي ربّاك.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سہآلَمہ

المؤلف راكان
2025/09/09 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة