نجد – قرية السليمي – سنة ١٤٠٥هـ – بعد ظهيرة اليوم التالي
الشمس كانت في كبد السماء، تُنزل نارها على الرمال كأنها تختبر صبر الأرض. حتى الطيور اختبأت، والإبل نامت تحت ظلال النخيل، وأهل القرية تفرقوا كلٌّ في مكانه يبحث عن راحةٍ من حرّ لا يرحم.
لكن "سالم" لم ينم.
وقف عند حافة البئر القديم، ينظر إلى الماء الراكد في القاع، وكأنه ينتظر شيئًا... أو يخشى شيئًا،في يده هاتفه ورسالة ظاهره:
"سالم لازم تشوفني قبل المغرب.. الموضوع مهم لا تأخّر...فهد"
ما كان فهد يكتب له لو ما كان الأمر جدّي. فهد لا يكتب...، ويقول:
"أنا أحسن أتكلم من أكتب... الكتابة تبطّي!"
وكان يحب الإتصالات أكثر لكن الأمر إختلف الآن.
---
في دكان "الحجي ناصر" اللي ما يغلق إلا يوم الجمعة كان فهد ينتظر، جالسًا على كرسي خشبي قديم، يشرب ماء زمزم من قارورة صغيرة أعطاه إياه الحجي ناصر، وعيناه على الطريق.
فهد (للحجي ناصر):
"يا حجي، إذا جا سالم، لا تقول له إني هنا... أبغى أشوف شلون راح يدخل."
الحجي ناصر (يبتسم وهو يمسح كوبًا):
"أنت وسالم... كأنكما توأمان، بس واحد يحبّ الكتاب، والثاني يحبّ الإبل. ليش ما تتفاهمون بالكلام المفتوح؟"
فهد:
"لأنه إذا كلمته صراحة راح يرفض من أول كلمة... فكرت أخليه يوصل للفكرة لحاله."
الحجي ناصر:
"هذا اسمه تلاعب... مو حكمة!"
---
ودخل سالم بالضبط كما توقّع فهد مندفعًا، عيناه تبحثان، وجبهته مقطّبة.
سالم (بصوت غليظ):
"فهد! وينك؟! ليش تكتب وتخبي؟!"
قفز فهد من كرسيه ووضع يده على كتفه.
فهد:
"اهدأ... اجلس. شرب مية. خذ نفس. بعدين نتكلم."
جلس سالم مترددًا، لكنه أخذ الكوب وشرب دفعة واحدة.
سالم:
"طيب... قول. شلونك تكتب وتستعجل وتختبئ؟ هذا مو من طبعك."
فهد (يُخرج ورقة من جيبه):
"لأن الموضوع... مو عادي. هذا خطاب قبول. من جامعة الملك سعود. قسم الزراعة المستدامة. اسمك مكتوب فيه."
سكت سالم. لم يتحرّك. حتى عيناه توقفتا عن اللمعان.
سالم (بهدوء غير معتاد):
"أنت... سجّلتني؟!"
فهد:
"لا! أنا ما سجّلك. بس... جمعت أوراقك القديمة شهادة المرحلة، الهوية، حتى شهادة التطعيم وقدمتها لهم. قلت: 'هذا أخي... يعرف الأرض أكثر من أيّ حد. لو يتعلم علم، راح يغيّر حال القرية.'"
سالم (ينهض فجأة):
"وش تسوي فيني؟! أنا راعي إبل! مو طالب! شلون أروح الرياض وأترك الإبل؟ وأمّي؟ ومن يسقي البئر؟!"
فهد (يقف بوجهه):
"وش تسوي في نفسك؟! تخلّي العمر يمرّ وأنت تقول: 'أنا راعي'؟! سالم... أنت تعرف كل نبتة في الصحراء، وكل مجرى ماء، وكل ريح تجي من الشمال أو الجنوب! هذا علم... بس ما كتبته في كتاب!"
---
في تلك اللحظة، دخل الشيخ حمدان كأنه يعرف أن الحوار وصل إلى الذروة والحقيقه أن صوتهم واصل بالقريه كلها.
الشيخ حمدان:
"سمعت صوتكم من برا... فقلت: لازم أدخل قبل ما يصير بينكم شي."
جلس الشيخ بهدوء، وطلب من الحجي ناصر فنجان قهوة.
الشيخ حمدان (بعد رشفة):
"سالم... في حكاية قديمة، كان فيها راعٍ اسمه غانم. كل يوم يسوق إبله لنفس المرعى. يوم قال له ابنه: 'يا أبتي، ليش ما نجرب مكان ثاني؟' قال له: 'هذا المكان علّمني كل شي.' قال الابن: 'بس هو ما علّمك جديد.'"
سكت الشيخ، ثم نظر في عين سالم.
الشيخ حمدان:
"أنت... خايف من الجديد؟ ولا من نفسك؟"
---
سالم لم يجب وهز رأسه للشيخ حمدان، خرج من الدكان غاضباً من أخوه، وسار بلا هدف، مرّ على البئر، على النخل، على المكان اللي كان يلعب فيه وهو صغير مع فهد... وقف عند حافة الكثيب، نظر للسماء، ثم قال بصوتٍ خافت:
سالم:
"يا رب... إذا كان هذا طريقك لي، فسخّر لي قلبي أقبله."
---
وفي المساء، بينما كانت أم فهد تضع العشاء، دخل سالم وفهد معًا لأول مرة منذ سنين بلا شجار، بلا صراخ.
أم فهد (بفرح مكتوم):
"الحمد لله... جيتو مع بعض! اليوم في مرقوق لحم، وخبز طازج، وتمر من بستان العم مبارك."
سالم (وهو يجلس):
"أمي... بكرة راح أروح للسوق. أبغى أشتري حقيبة... كبيرة تبغين شي؟."
أم فهد (تتوقف عن الحركة):
"وش؟ حقيبة؟ ليش؟"
فهد (يضحك):
"لأنه... راح يسافر. للجامعة."
سالت دمعة من عين أم فهد... لكنها ما مسحتها. تركتها تسقط في الطبق، وقالت:
أم فهد:
"اللي يزرع شوك... ما يجني عنب. وأنتم... زرعتم خير."
---
يتبع...
أحيانًاالتغيير ما يجي من بعيد، يجي من اللي جنبك اللي يعرفك أكثر من نفسك ويدفعك بلطف، أو بقوة، نحو طريقك.
راكان