.
.
.
مرحبا بكم...
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
..
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
كانت الصدمة تعصف بقلبي حين رأيت مارسيلو واقفًا هناك...
كأن الزمن توقّف، والهواء من حولي أصبح أثقل. لم أكن أصدّق أنني أراه بعد كل تلك السنوات.
.
.
.
.
اقتربت منه ببطء، تائهة بين خطواتي ونظراتي،
فرفع عينيه نحوي بنظرةٍ حادةٍ، ثابتة، لم تتغير.
بشرته السمراء، عيناه الصفراوان، تلك النظرة نفسها التي ودعتها قبل أربع سنوات...
.
.
.
نظرة تختلط فيها نيران الشوق بجمرة الغضب.
.
.
.
.
لم نفصل عن بعضنا سوى خطوات، خطوات ثقيلة من الماضي،
كنت أود أن أصرخ، أن أكلمه، أن احضنه .
لكن فجأة، شق صوت ألبرت الأجواء وهو يقترب بسرعة:
.
.
.
- "ماذا تفعل هنا؟"
.
.
توقف الزمن من جديد.
مارسيلو لم ينظر إليه مباشرة، بل تابع النظر إليّ،
ثم استدار ببطء نحو ألبرت، صوته كان هادئًا، باردًا كأنه يحمل بين كلماته تهديدًا خفيًّا:
.
.
.
.
- "ماذا تقصد بماذا أفعل هنا؟ هل بريطانيا مسجّلة باسمك؟ يا ابن عائلة بارتنسكي .."
تجمد ألبرت مكانه، نظراته أصبحت سيفًا مشحوذًا.
.
.
.
مارسيلو لم يخف، بل تبادلا نظرات كأنها معركة بلا كلمات.
وأنا... كنت واقفة بينهما، أراقب بصمت...
ولا أعلم، هل أنا شاهدة على بداية النهاية، أم نهاية البداية؟
.
عندما وقف صبح أمامه، لم يمنحه وقتًا للكلام. قاطعه مارسيلو بصوت واضح، فيه برودة وقسوة:
.
.
- "كيف حال جولي؟ هل ما زالت في تلك المستشفى، أم استعادت عقلها؟"
.
.
في تلك اللحظة، احمرّ وجه ألبرت من شدة الغضب.
.
.
العبارة أصابته في مقتل.
.
.
اندفع عليه بلا تردد، لكن صبح عاجله بلكمة جعلته يسقط على الأرض قبل أن يلمسه حتى.
.
.
نهض مارسيلو سريعًا، ولكم ألبرت في منتصف وجهه،
صرخة ألم خافتة خرجت من فمه، بينما تدفقت الدماء من أنفه.
ثم فجأة، ركض جورج نحو مارسيلو، قبض على قميصه وهو يصرخ بجنون:
- "أيها العاهر الغبي!"
أراد أن يضربه، لكن ما حدث في اللحظة التالية لم يتوقعه أحد.
سقط جورج أرضًا في ثانية...!
ركض شخصٌ مجهول من الخلف، كان يحمل عصا خشبية طويلة،
وضرب بها قدم جورج بقوة حتى أفقده توازنه. صرخ وهو يسقط:
- "أيها النذل الجبان!"
استدار المجهول نحوي، وعيناه مليئتان بالدهشة...
لقد كانت الصدمة مزدوجة...
فمن اقترب لم يكن سوى سيليو دوس سانتوس
ابتسامة عريضة على وجهه يده مرفوعه تلوح لي
نطق بصوت عالٍ، كأن صوته يعلن بداية العاصفة:
- "مرحبًا، أيتها المثي.."
.
.
لكن لم يُكمل كلماته...
فقد اندفع ستيفن ومن معه نحوهم بهجوم مبالغ،
لتتحول اللحظة إلى فوضى،
لا صوت يعلو فوق الصراخ، ولا عقل يبقى ثابتًا حين تُفتح أبواب الجحيم.
.
.
.
اندفع فيليب بسرعة، وأمسك مارسيلو من قميصه،
لكن دوس عاجله بلكمة قوية في منتصف وجهه، أطاحت به خطوة للوراء.
دخل بات و نييس المشهد في اللحظة المناسبة،
يحاولان إيقاف الفوضى...
لكن المشهد كان قد تحول بالفعل إلى قتال دموي شرس، لا يعرف الرحمة.
.
.
.
---
أمسك كولاس بمعصمي، بعد أن انتهت المعركة أخيرًا.
الدماء، اللكمات، والأنفاس المتقطعة تملأ المكان.
كل من ألبرت ومارسيلو كانوا ينظرون نحوي، ووجوههم مليئة بالكدمات والخدوش...
كأنت الحرب تركت أثرها على الجميع.
.
.
.
.
.
.
.
صرخ كولاس:
- "هيا، لقد أصبح الأمر مخزيًا!"
.
.
أمسك مارسيلو بيدي بقوة، ونظر إليّ بنظرات غاضبة،
لكن شيئًا في عينيه كان أضعف من صوته.
لم يترك يدي... لكنه تكلم بصوت مبحوح
فقط، تركها معي.
.
.
ضحك كولاس فجأة، نظر نحو مارسيلو ساخراً:
- "ماذا أيها البرازيلي؟ لم أسمعك!"
.
.
صرخ بوجهه:
- "قلت لك، أن تتركها معي... أنا أريدها!"
.
.
---
.
.
بسرعة، لكم كولاس مارسيلو بقوة حتى هوى على الأرض.
لكنه نهض مجددًا، يضحك بجنون، فمه مملوء بالدماء.
ضربة كولاس لم تردعه، بل زادته عنادًا وغضبًا.
.
.
.
وبينما الجميع يلهث، صرخ مارسيلو:
- "هل هذا كل ما لديك، يا صديقي؟!"
ثم التفت بنظره إلى ألبرت، وقال بنبرة مشحونة:
- وأنت، يا ابن جول...
لكن كلماته لم تكتمل، فقد قاطعه اندفاع ألبرت نحوه، وقد بدا كمن يهمّ بتوجيه لكمة.
تدخلت بسرعة قبل أن تتفاقم الأمور، فأمسكني ألبرت من يدي دون قصد وهو يحاول تجاوزي، ثم ثبت عينيه بي، يتفحصني بتوتر.
.
.
في تلك اللحظة، اقترب مارسيلو وأمسك بيدي، وقال بصوت خافت وقلق:
- هل أنتِ بخير؟
.
.
أجبته بنظرة سريعة، ثم التفتُّ نحو ألبرت مجددًا. كان لا يزال يتأملني بقلق.
رفعت إصبعي في وجهه بحزم وقلت:
- إياك أن تقترب من صديقي.
.
.
توقف ألبرت لبرهة، ثم أدار وجهه بعيدًا عني وتحدث بهدوء:
- صديقك هو من بدأ، وأنا أحذّرك، حين ترين شجارًا بين أولاد، لا تتدخلي فيما لا يعنيكِ، يا جولي.
.
.
.
لم أتمكن من الرد، فقد تقدم مارسيلو بسرعة وأمسك بياقة قميصه غاضبًا:
- ما هذا الاسم الذي تناديها به؟ "هي" ليست...
.
.
.
وقبل أن يُكمل جملته، تلقّى ضربة مفاجئة من آليا صرخت بها في وجهه:
- هذا يكفي!
.
.
نظرت نحوهم بحدّة:
- آليا ، كولاس، خذوا جوليا إلى البيت.
صاح نييس:
- آنيـا، هيا نذهب من هنا.
.
.
.
نظر ألبرت إلينا بهدوء، وقال بصوت قاتم:
- نحن نرحل.
.
.
ثم أدار نظره نحو مارسيلو، الذي كان يقف بجانبه بصمت.
- لماذا أرجعتني إلى هذا الجحيم؟ لماذا عدتُ؟ لقد دفنت هذا الماضي، وأنت جئت لتحفره من جديد، أيها العاهر.
.
.
ضحك مارسيلو بصوت عالٍ، حتى كاد أن يختنق من شدّة الضحك، ثم رد ساخرًا:
- ما زلتَ كما أنت، يا ألبيرتو... فعل ماضٍ وفعلاً لن يُنسى.
.
.
.
أمسك ألبرت بياقة قميصه، وقال بصوت خشن:
- أنت الذي جعل الكأس ينكسر .. وأنت تعلم أنها كانت تمرّ بأسوأ أيامها. لكن، أيها الذليل، سوف تذوق كأس المرّ بلسانك، وسأجعل من عقلك يعاني مثلها.
.
.
.
ثم تركه، واستدار نحو أصدقائه.
صرخ ڤي بصوت خشن:
- هيّا، لدينا أعمال كثيرة غدًا... لنذهب!
.
.
.
.
.
.
.
.
لم أكن أسمع حديثهم جيدًا، فالجمهور كان يملأ المكان ضجيجًا، وصوت أحدهم يصرخ باسمي، كأننا في حلبة مصارعة، وسط كل هذا الجنون كان مارسيلو واقفًا هناك، ومعه دوس كنت أنظر لهم وانا اركب بدراجتي سالت نفسي ... لماذا هما هنا؟
.
.
فجأة، صرخ كولاس بصوتٍ عالٍ:
"أميليا! إياكِ والاقتراب منهم غدًا... أحذّرك!"
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
وصلنا للبيت نظرت إلى كولاس
كانت نظراته مشتعلة بالغضب، وأضاف بصوتٍ أكثر حدّة:
.
.
"مارسيلو وسيليو سيكونان معنا في نفس الجامعة ونفس القسم! أقسم إن تكلّمتِ معهم سأفعل شيئًا لن تحبّيه..."
.
.
حاولت أن أبدو هادئة، اقتربت منه، طبعت قُبلة سريعة على خده، وهمست:
"لا تقلق علي، تصبح على خير..."
.
.
نزلت من الدراجه النارية، و انا اسير نحو السلالم، وقلبي يضجّ بالأفكار.
"من هي جولي؟"
ترددت هذه الجملة في رأسي مرارًا، وأنا أخلع معطفي وأدخل غرفتي، أغلقت الباب نظرت المرايا شاردة الذهن.
.
.
ما هي قصتها؟ ولماذا ذكرها كولاس من قبل؟
فُتح باب الغرفة بهدوء، دخلت الييو، جلست على حافة السرير بصمت، ثم نظرت إليّ وقالت بهدوءٍ غريب:
.
.
"أميليا... أنتِ لا تعرفين شيئًا. كنت أريد أن أخبركِ أن تبتعدي عنه، أن لا تنظري إليه، حتى لو تحدث معك... تجاهليه."
.
.
رفعت رأسي نحوها وسألت بصوتٍ خافت:
"من هي جولي؟"
.
.
وقفت أمامي بتوتر واضح، وكأنها تعرف كل شيء... تعرف ما أخشاه، وما أجهله.
قالت بصوتٍ منخفض وهي تشير إلى خزانتي:
"لا تُرهقي نفسكِ الآن... غيّري ملابسكِ، ونامي. غدًا لدينا ما هو أهم
.
.
خرجت من الغرفة و أغلقت الباب خلفها انظر نحو السرير وكأنني أهرب من ثقل العالم، جسدي ألقى بنفسه على السرير بتعبٍ لا يُحتمل. لم أملك طاقةً لأبدّل حتى ملابسي. فقط أغمضتُ عيني، وغرقتُ في سباتٍ تَقطّعه أفكارٌ لا تكفّ عن الركض في رأسي.
.
.
عندما استيقظت، كانت أشعة الشمس قد شقت طريقها على وجهي، تلامسني بلا خجل. تنهدتُ وأنا أرفع عيني نحوها.
"أيتها الشمس العظيمة... لو لم أكن أُحبك، لشتمتك بكل الكلمات التي علمني إياها مارسيلو."
.
.
سحبت جسدي بتثاقل نحو الحمّام. الماء الدافئ كان كفيلًا بأن يُعيد بعضًا من الحياة إلى أطرافي. بعد الاستحمام، وقفت أمام خزانتي.
سحبتُ بنطالًا أسود مخطّطًا بقلوب بيضاء، وقميص أسود، وأكملت إطلالتي بجاكيت أحمر أنيق من تصميم مرسيدس. وضعت المحبس الفضي على شكل فراشة صغيرة في إصبعي. قطعة احبها كثيراً هي هديه من امي.
.
.
نزلت إلى الطابق السفلي، نحو غرفة الطعام. مررت بجانبهم، ألقيتُ تحيةً سريعة، وجلست دون أن أقول الكثير.
.
.
"كيف حالكِ يا جوليا؟" قالها السيد أنطونيو بنبرته المعتادة وهو ينظر نحوي.
.
.
ابتسمت له بلطف وقلت:
"بخير، سيد أنطونيو.".
.
.
ابتسم، لكن ليس لذلك الفرح الذي نعرفه، بل ابتسامة ثقيلة، كأنها مجاملة أخيرة للعالم من حوله. أدار رأسه نحو الصحن وكأن الطعام آخر ما يربطه بالحياة في تلك اللحظة، وأكمل تناوله بصمتٍ كئيب.
.
.
.
.
أما أنا، فأنهيت طعامي دون أن أشعر بطعمه. شكرت السيدة لورين بصوت منخفض، وقد بدا الشكر في فمي باهتًا، وكأنني أؤديه بدافع العادة، لا الامتنان. ردّت بابتسامة دافئة، لكن دفئها لم يمسّني، لم يصل.
.
.
.
.
قلت بصوت متعب: "هيّا نذهب."
كنا نخرج، لكنني لم أشعر بخطاي، الحديقة بدت موحشة رغم ضوء الشمس، والسيارة لم تمنحني شيئًا من الشعور بالأمان أو الاستقرار، فقط كانت وسيلة لأهرب بها من يومٍ آخر لا أريد خوضه.
.
.
.
.
ثوانٍ قليلة وظهرت آليا بسيارتها، وآنيا بدراجتها. لوّحتا لي كأن كل شيء طبيعي... وأنا ابتسمت، لا لأنني أردت، بل لأني لم أكن أملك الشجاعة لأريهما التفكير الذي يأكلني. ثم انطلقت بالسيارة، مسرعة، وكأنني أهرب من شيء بداخلي، لا من خوف الجامعة.
.
.
.
ركنت السيارة قرب البوابة ودخلنا. كل شيء في الحرم بدا جامدًا، كما لو أن الحياة فيه لا تُعاش بل تُكرر.
.
.
.
وفجأة، قاطعنا صوت مألوف... ذلك الشاب الذي رأيناه سابقًا، كان يوزّع أوراقًا تحمل شعار نادي كرة القدم، ابتسامته لا تزال كما هي...
"أتمنى أن تأتوا هذا المساء،" قال وهو يسلّمنا الورقة.
.
.
نظرتُ نحوها بتساؤل، كان اسم "نيكولاس دي بوربون" و"نينوس دي بوربون" مكتوبين بخطٍ واضح، لم أتمالك نفسي من الضحك، قلت بخفة:
"إذًا، سيلعبون اليوم."
.
.
.
لكن فضولي لم يتوقف، تابعت القراءة بسرعة، فوجدت اسم "ألبرت ديميتري بارتنسكي" و"ستيفن يرماك هيكتوروفيتش" و جورج يفغيني ايفانوفيتش"أسفل الورقة. عندها فقط، رمَيت الورقة فوق رأس آنيا، التي شهقت بتمثيلٍ غاضب، ثم بدأت تلاحقني بين ضحكاتنا.
.
.
.
.
ركضنا معًا نحو الكافيتيريا، كأننا طفلتان تهربان من الوقت، وهناك... رأيتهم.
كانوا ينظرون إلينا بدهشة وفضول، وما إن اقتربنا حتى صرخ نييس من بعيد، صوته اخترق الضجيج:
أنتم دائمًا تدخلون المكان وكأنكم مشهد من فيلم!"
لكنه لم يعلم...
أن الفيلم الذي نعيشه، ليس له نهاية سعيدة.
.
.
.
.
هتف قائلاً بنبرة حماسية:
"هيّا، تعالوا!"
تبعنا صوته حتى جلسنا بقرب المجموعة، حيث كان الحماس يسري في الأجواء
.
.
التفت كولاس نحونا، عيناه تلمعان بثقة المعتاد على الفوز، وقال بنبرة مرحة تحمل شيئًا من التحدي:
"ستشاهدون مباراتنا، أليس كذلك؟"
.
.
بادلته آليا نظرةً ماكرة، ثم غمزت له وأنا أقلت:
"طبعاً... لن نفوّت العرض."
.
.
انفجرت آليا ضاحكة، ثم رفعت كلتا يديها في الهواء كأنها تعلن ولاءها:
"أنا أشجع نييس بكل قوتي، سأصرخ باسمه حتى النهاية!"
.
.
.
لكن كولاس، الجالس بجوارها، لم يفوّت الفرصة ليلقي نظرة مستفزّة، ابتسامة ساخرة على شفتيه:
"هناك الكثير من المشجعات غيركِ، لا تحلمي بالتميّز."
.
.
.
لم تحتمل آنيا صمت اختها فتدخلت بخبث طفولي:
"آليا لا تكتفي بالتشجيع، بل سترقص رقصة الدجاجة أيضاً!"
.
.
.
.
شهقت آليا بغضب وهي تقف فجأة، وعيناها تتوهجان كمن أُهينت كرامتها علنًا:
"سأشارك في المباراة وسأُريكم من تكون آليا فعلاً!"
.
.
.
لم أتمالك نفسي، فانفجرت بالضحك وركضت مبتعدة وأنا أصرخ:
"لكن لا تنسي رقصة فورت نايت!"
.
.
ضحكاتنا ترددت في أرجاء المكان، بينما آليا تطاردني بعينين تحترقان حرجًا وتهديدًا، ثم استدرت ونظرت إليهم، ، ثم سألت...
أين ايفانجيلو؟"
.
.
وكان كولاس هو من أجاب، بصوت خافت لكن يحمل نفاد صبرٍ واضح:
"تغيّب اليوم... لديه الكثير من الأعمال مع صديقه."
.
ما إن أنهى كلماته حتى التفت هو ونييس في وقتٍ واحد نحو باب الكافتيريا. نظراتهم كانت مشحونة بالغضب. لحظةٌ واحدة فقط...
.
.
.
.
.
...
ثم التفتُّ أنا أيضًا، ووقعت عيناي على المفاجأة.
.
.
.
.
مارسيلو.
.
.
.
.
.
دخل الكافتيريا بخطى واثقة، لكن نظراته لم تكن عشوائية. كانت محددة... مركزة... نحو ألبرت.
.
.
.
.
.
ألبرت بدوره لم يتهرّب، بل واجهه بنظرةٍ فيها من التهديد ما يكفي ليوقظ التوتر في الأجواء. مارسيلو لم يُظهر أي تردد، اكتفى بابتسامة ساخرة، ثم أدار وجهه نحونا، نحو طاولتنا. نظر إليّ... رفع يده بتحية عابرة، وكأن شيئًا لم يكن، ثم غادر الكافتيريا وكأن وجوده فيها لم يكن إلا إعلانًا لشيءٍ أكبر.
.
.
.
.
وقف كولاس ونييس معًا.
قال كولاس بنبرة حاسمة:
"سنتوجه إلى الملعب، حان وقت التدريب."
.
.
.
ردّت آنيا، بصوتٍ هادئ كعادتها:
"حسناً... بالتوفيق."
.
ثم خرجوا.
آنيا حمحمت بخفة، قبل أن تقول لي بابتسامة خافتة:
"هيّا جوليا... لنذهب إلى المحاضرة."
.
وقفتُ معها، وهممنا بالخروج، لكن ستيفن اعترض طريقنا. لم يتحدث في البداية، فقط نظر نحو آنيا، بعينٍ مثقلة بأشياء لم تُقال.
ثم أردف أخيرًا، وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال:
"الرسالة وصلت... لكن السباق لم يكن كافياً. ليلة البارحة... أنتِ تعلمين ما الذي حدث."
.
.
كان الجوّ مشحونًا منذ اللحظة الأولى التي وقف فيها ستيفن قبالة آنيا. كنت أراقبهما بصمت، عيوني لا تفوّت تفصيلة واحدة، وقلبي ينبض بإحساسٍ لا أعرف إن كان توترًا أم حذرًا
رفعت آنيا رأسها نحوه بهدوءٍ قاتل، وكأنها تُعدّ كلمتها سيفًا قبل أن تغرسه في كبريائه.
" يرماك... إن لم يكن السباق كافيًا لك، فأنا قد اكتفيت من هذا التحدي السخيف."
.
ضحك في وجهها دون خجل، عينيه تلمعان بسخريةٍ لاذعة:
"هل تخافين مني؟"
.
.
أجابت دون أن ترمش، صوتها كان كصفعةٍ في وجه الغرور:
"أنا لا أراك شيئًا أصلًا... وتريدني أن أخاف منك؟"
.
همّ بالكلام، لكن آنيا لم تمنحه الفرصة. قطعت عليه بحدّة:
"هذا يكفي... هيّا، جوليا."
.
.
لم أعلّق. لم أسألها، فأنا لا أحبّ التدخّل فيما لا يعنيني، خاصة حين تكون العاصفة لا تزال خلفها. خرجنا من الكافتيريا بهدوءٍ مشوب بالتوتر، ودخلنا القاعة دون كلمة واحدة و كانت أيضاً مشتركه بين قسم الحاسبات و الميكانيكية.
.
جلسنا في مقاعدنا، وما هي إلا لحظات حتى دخل كلٌّ من ألبرت وستيفن. جلس ستيفن خلفنا مباشرة، وكأنه ما زال يلاحق ظلّ المواجهة السابقة، ثم وقف ألبرت أمام آنيا.
.
قال بصوته المعتاد، دون مقدمات:
"أريد التحدث معها."
ثم أشار إليّ بصمتٍ واثق.
.
نظرت آنيا إليّ، تبادلتُ معها نظرة قصيرة، كانت تعني:
"لا بأس، اذهبي."
وقفت بهدوء، واتجهت إلى المقعد الخلفي الذي كان ستيفن قد جلس فيه قبل لحظات، وجلست دون أن تنطق بشيء.
بعد ثوانٍ، جلس ألبرت بجانبي، وأسند رأسه على يده، ينظر إليّ وكأنّه جاء ليقول ما لن يُنسى.
.
نظر إليّ... لا، بل اخترقني بتلك العينين الفريدتين اللتين ما رأيت لهما شبيهًا في حياةٍ أو حلم. عينٌ زرقاء كصفاء الفردوس، والأخرى سوداء، كأنها جُبلت من جحيمٍ لا يُطفأ.
وفي تلك اللحظة... أقسم أن واقعي تلاشى، تبخّر كما يتبخر الحلم عند أول نور. الفنّ، المعنى، المكان، الزمن... كل شيء انهار داخلي.
.
.
"ملامح وجهه ... بين جنّةٍ ونار."
تمتمت بها بيني وبين نفسي وأنا أحدّق في وجهه.
.
شعره، أسود كلون الليل حين يغيب عنه القمر، وبشرته، بيضاء كصفحةِ ورقٍ لم يُكتب عليها بعد. كيف لرجلٍ أن يحتوي كل هذا التناقض ولا ينفجر؟
تحرّك فمه، ذلك الفم الذي تجلس تحته شامة صغيرة، كأنها توقيع الخالق على عملٍ لا يُعاد.
.
.
قال بصوته الهادئ، بينما عيناه لا تزالان تراقبان تقطّعات أنفاسي:
"من أين تعرفين مارسيلو؟"
.
.
نظرت إليه بعينٍ هادئة، لكن نبرتي كانت حادّة كالسيف:
"ولِمَ تسأل سؤالًا تعرف إجابته؟"
.
.
انفجر ضاحكًا، بصوتٍ عالٍ لم يأبه له أحد، حتى آنيا نهضت من مقعدها، كأنها كانت على وشك أن تتدخل.
لكنّ ستيفن أوقفها بذراعه، فأطاحت به شتائمها الغاضبة، بينما جلس يضحك وكأنها تؤدّي عرضًا كوميديًا.
.
.
ألبرت اقترب أكثر، قال وهو يحدّق بي بشيءٍ من الفضول الصريح:
"حسنًا، أعترف أنني أعرفه... لكنني أريد أن أعرفكِ أنتِ. رأيت عينيكِ من قبل... لكن لا أتذكّر أين."
.
.
.
لم أجب. أدرت وجهي عنه بصمت، وكأنني سحبت الستار عن مشهدٍ لا يجوز أن يُكمل.
في تلك اللحظة، دخل الأستاذ إلى القاعة. أعترف، لقد أنقذني دون أن يدري.
.
.
.
صرخ بصوتٍ غاضب، موجّهًا كلامه نحونا:
"أما اكتفيتما من الحديث؟!"
.
.
رفعت رأسي، وكأنني أستعيد نفسي من تحت الماء.
لكني لم أكن قد انتهيت... ولم يكن هو قد بدأ بعد.
.
.
رفع ألبرت يده ببطء، كأنّه يُعلن تمرده علنًا، وقال بنبرةٍ لا تخلو من سخرية:
"أقسم أنني لم أكتفِ."
.
.
ضجّت القاعة بالضحك، حتى أولئك الذين لا يعرفون ما يحدث لم يقاوموا عدوى الابتسامة. لكن اللحظة لم تدم طويلًا، إذ دوّى صوت الأستاذ صارخًا كالصاعقة، قاطعًا الموجة بصوتٍ أجش:
"هذا يكفي!"
.
.
.
ساد الصمت في القاعة فجأة، وكأنّ أحدهم أطفأ العالم بكبسة زر.
.
.
انتهت المحاضرة أخيرًا... كانت مملّة حدّ الغرق. نهض ألبرت، مدّ جسده بتكاسل، ثم رمقني بنظرة جانبية وقال بابتسامة جانحة:
"أراكِ في الملعب... يا قطة."
.
.
.
لم أعلّق، فقط التفتُّ إلى آنيا وقلت بهدوءٍ خالٍ من العاطفة:
"هيّا، آنيا، لنذهب."
.
.
خرجنا معًا، بخطواتٍ متوازنة كأنّ لا شيء يستحق الركض خلفه. اتجهنا نحو الملعب، وكان بالفعل أكبر مما توقّعت... كأنّه بُني ليحتضن صراخ العالم.
.
.
رأيت آليا واقفة هناك، ترتدي زيّ المشجّعات بلونه الأزرق البراق، لون فريق نيكولاس ونينوس، لمحتهما من بعيد، فلوّحت لهما بيدي، دون تفكير.
.
ضحكا.؟!
.
.
أنا وآنيا تبادلنا نظرة سريعة، ثم سألتها بهمسٍ خافت:
"لماذا يضحكون؟"
.
.
هزّت كتفيها بخفّة، وقالت دون أن تهتم كثيرًا:
"لا أدري."
.
.
وفي تلك اللحظة، بدأ فريق الخصم بالدخول إلى الملعب، أقدامهم تضرب الأرض بثقة، وملابسهم تحمل ألشر ...
دخل الفريق الخصم إلى أرض الملعب، بثيابهم السوداء التي بدت وكأنها صُمّمت خصيصًا لإعلان الحرب.
ألبرت، ستيفن، فيليب، وجورج... جميعهم ظهروا كأنهم خرجوا من ظلال الليل ذاته.
.
.
.
كان ألبرت يتلفّت، يبحث عن شيء... أو ربّما عن أحد. حتى تلاقت عينانا.
في البداية، ابتسم. تلك الابتسامة التي تحمل نكهة السخرية واللعب معًا.
.
.
لكنها لم تدم.
في ثانيةٍ واحدة، تحوّلت الابتسامة إلى نظرةٍ حادّة، وانقبض فكّه بقوة، حتى بَرَز خطّه بوضوح، وكأن الغضب قد نحت وجهه في لحظة واحدة.
.
.
شعرت بثقل تلك النظرة، فحرّكت رأسي جانبًا، محاوِلة كسر ذلك الاتصال الذي أربكني...
وهناك، كان يجلس بجواري...
.
مارسيلو.
.
لم أكن قد شعرت بوجوده حتى تلك اللحظة.
كان هو أيضًا ينظر نحو ألبرت، بعينين لا تعرفان الرحمة.
نظراتهما تشابكت كأن بينهما سيفًا لم يُشهر بعد.
.
.
قطعتُ هذا التوتر بسؤالي، محاولةً أن أفكّك الجمود:
"ماذا تفعل هنا؟"
.
.
التفت إليّ ببطء، لكن وجهه لم يهدأ، كان الغضب فيه واضحًا، صريحًا، لا يخجل من نفسه.
"أريد أن أشاهد المباراة."
.
قالها بجفاف، لكن عيناه... لم تكن تشاهد شيئًا سوى داخلي.
.
.
نظرت إليه بحزنٍ لم أعرف كيف أُخفيه، لكنّه لم يرحمني.
قال بصوتٍ مشحون بالمرارة:
"ما زلتُ غاضبًا منكِ... من تلك الليلة التي تركتِني بها ورحلتِ."
.
.
أجبته بهدوءٍ ممزوجٍ بظلٍّ من وجع قديم:
"لم يكن بيدي... كنتُ مجبرة على الرحيل من بريطانيا، دون أن أودّع أحدًا منكم. كانت قوانين عائلتي... وأنت تعلم
.
.
توقّفت، كأن الكلمة التي بعدها كانت أخطر من أن تُقال
وضع يده على رأسه، كأنّه يحاول أن يستوعب ما يسمعه، ثم حرّك ثغره ببطء، لكن نبرته كانت تقطر بالسخرية:
.
"وماذا تفعلين هنا إذًا؟ إن كانت قوانين عائلتكِ لا تسمح لكِ بالدراسة خارج إيطاليا، هاه؟"
لكنّه لم ينتظر ردّي، بل صرخ في وجهي فجأة، وكأن الغضب انفجر فيه دفعةً واحدة.
أما أنا... فواجهت عاصفته بهدوءٍ غريب، لم يهتز صوتي:
"لقد... هدّدتُ جدي."
نظر إليّ بدهشةٍ خالصة، حدّق بي وكأنني ألقيت أمامه جملةً لا يمكن تصديقها، وقال بصدمةٍ خافتة:
"ستة آلاف ومئة وواحد وسبعون"
.
.،
لم أفهم تمامًا ما الذي يعنيه، لكنني تجاهلت السؤال، ورفعت يدي ببطء لألمس عنقي، ثم أدرت وجهي عنه، هاربةً من تلك العيون التي تكاد تلتهمني.
.
قلت بمرارة:
"إن لم يُسمَح لي أن أعيش حياتي كما أريد... فسأحطّمه."
.
.
انفجر ضاحكًا، ضحكةً عالية ممتزجة بالذهول، ثم قال بسخريةٍ فاجرة:
"أنتِ؟! أنتِ تهدّدين موريس ال سالفاتوري وتقولين له: سأحطّمك؟ لا... لا أصدقكِ يا فتاة!"
.
.
بادلته الضحكة، لكن عيوني لم تضحك، ثم قلت:
"أجل... لكنه أعطاني قوانينه هنا أيضًا."
.
ردّ بهدوءٍ عجيب، ونظراته لم تفارق وجهي، كانت تدور حولي كأنها تفتّش عن شيء دفنته منذ زمن:
"وما تلك القوانين يا جوليا؟"
.
أخذتُ نفسًا عميقًا، كأنني أغوص في شيء لا أريد البوح به، ثم نطقت دون أن أرفع عيني:
"غيرتُ اسمي إلى جوليا... وعشتُ مع عائلة ماكروس
.
.
انفجر ضاحكًا، ضحكةً عالية خالية من أي عقل، ثم فجأة صمت، وتحوّل كل شيء في وجهه.
نظر إليّ نظرةً حادّة كالسيف، وقبل أن أستوعب، قبض على يدي بعنف، أصابعه تضغط على دقّتي كأنّه يخشى أن أتبخّر أمامه.
قال بحدة:
"لكنني لا أحتمل أن تتركيني مرةً أخرى."
.
.
كانت يده باردة، مليئة بالوشوم، تشهد على ماضٍ لا أعرفه كلّه.
مددت يدي الأخرى بهدوء، أمسكت بها، وقلت بنبرةٍ وادعة تخفي نيرانها:
"لكنني... مجبرة على فعل ذلك."
.
.
ضحك مجددًا، لكن هذه المرة كانت ضحكته هادئة، حزينة، وكأنها جاءت من مكانٍ بعيد داخله.
أدار وجهه عني للحظة، ثم أعاده نحوي، اقترب أكثر، أمسك خصلةً من شعري وراح يمررها بين أصابعه بخفةٍ لا تليق بخطوره، ثم أمسك بفكّي بلطفٍ لا يخلو من سيطرة، وقال بصوتٍ مخدِّر، كأنه تعويذة:
"أنتِ أقوى من أن تُجبَري، ميلي."
.
.
.
ابتسمت له، تلك الابتسامة الصغيرة التي لا تُرى إلا في الذكريات.
لمستُ يده الموضوعة على فكّي، وسحبتها ببطء نحو خدّي، كما كنا نفعل عندما كنا أطفالًا، حين لم يكن العالم قد اتّسخ بعد.
.
.
لكن اللحظة تمزّقت.
صرخة الحكم قطعت السكون، ينادي بصوتٍ مرتفع:
.
.
"ألبرت!"
.
.
التفتنا كلانا نحو الملعب، وهناك... كان ألبرت واقفًا، ينظر إلينا نحن الاثنين، نظرةً لا تحتاج إلى شرح. كانت نظرة حادة، غاضبة، وربما...كره
.
.
لكنني... لم أشعر سوى بشيءٍ بأنني أحقا اريد الهواء النقي.
حرّكت نظري ببطء نحو سترة مارسيلو، كانت مفتوحة قليلًا، وفي جيبها الداخلي رأيت علبة سجائر وقدّاحة فضية، لامعة.
لمستُهما بخفّة، أناملي مرت عليهما كما يمر الشكّ على الطمأنينة.
لم يلحظني.
.
.
ثم همست وأنا أنهض:
"سأذهب إلى الحمّام."
وقفتُ بهدوء، وكأنّ ثقلاً كان على صدري وها أنا أحاول أن أتحرر منه.
ردّ مارسيلو بنبرةٍ خافتة لم تحمل اعتراضًا ولا سؤالًا:
"حسنًا."
خرجتُ من الملعب دون أن ألتفت، وكأن الهواء نفسه كان ينتظرني في الخارج. لكنّ أنفاسي كانت تخونني، تتقطع، تهرب من صدري كما يهرب الحلم عند أول يقظة.
لا أعلم ما الذي أصابني، لكنني حين رفعت بصري رأيت الدرج، كأنّه سبيل للخلاص. همست في داخلي:
"لابد أن فوقه سطح... هذا جيّد."
.
صعدتُ بخطًى خفيفة، تتمايل بين التردد والاندفاع، حتى وصلت إلى بابٍ كان مواربًا.
ألقيت نظرة سريعة... كان حمامًا مهجورًا، والجدار المقابل له تقف بجانبه خزانة كبيرة قديمة، وكأن أحدًا نسيها هناك عمدًا.
تابعت صعودي حتى بلغت السطح. كان يمتد خلف الملعب، هادئًا، معزولًا عن كل ذلك الصخب.
استنشقت نَفَسًا عميقًا، ثم أخرجت علبة السجائر التي سرقتها من سترة مارسيلو قبل قليل.
فتحتها... لم يكن فيها سوى ثلاث سجائر.
نظرت إلى القدّاحة، كانت فضيّة لامعة، منقوشة بحرفين:
R احمر
Aاسود
اختصارهما غير معروف بالنسبة إلي لكني تذكرت روزا
.
.
وضعت سيجارة بين شفتي، وأشعلتها. اقتربت النار من أطرافها، لكنها لم تحرق التبغ وحده، بل حرقت معها جزءًا من تردّدي.
لكن...
.
.
.
.
لم أكن وحدي.
شعرت بشيء خلفي، بظلّ اقتحم الهواء من دون صوت.
وفجأة، حاصرني جسدٌ ما على الحائط، أنفاسه لاهثة، وذراعاه تمنعاني من الحركة.
.
شهقتُ، وارتجف كل شيء فيّ حين رفعت عيني...
.
ألبرت.
.
حدّقت به بصدمة، صوتي خرج ممزوجًا بالذهول والغضب:
"بحق الجحيم... ماذا تفعل هنا؟!"
.
لكنّه لم يجب بسؤال، بل بصراخٍ هزّني من الداخل:
"أنتِ! أنتِ من أطلقتِ الرصاصة على ماريو، أليس كذلك؟!"
.
.
ارتسمت على وجهي صدمة حقيقية، لحظةً من الجمود التام، شفتاي تحرّكتا أخيرًا بعد ثوانٍ من الصمت:
...
..
:"ماذا؟!
.
.
لكنّه لم يمهلني فرصة للتنفس.
ضرب الحائط بجانبي بكل ما يملك من غضب، حتى ارتجّ السطح من تحتنا، وصرخ بقسوة جعلت الدم يتجمّد في عروقي:
"لا تكذبي عليّ!
أنتِ لا تعلمين من أكون يا جولي...
ولا تعلمين مع من تعبثين."
.
.
.
شعرت بالشرارة الحادة تنمو خلف ضلوعي، لكنها لم تنفجر.
أخذتُ نفسًا عميقًا، أغمضت عيني لثانية، ثم فتحتُها ببطء... وبصوتٍ هادئ كأنني ألقي اعترافًا أمام محكمة، نطقت:
"ألبرت...
كنتُ في طريقي للمنزل، لكن صوتكم أوقفني.
فضولي دفعني أن أقترب، رأيت أصدقاءك ينهالون ضربًا على شباب لا حول لهم ولا قوة.
خفت، وتراجعتُ، حاولت العودة للطريق...
لكني اصطدمت بشخص ما... كان أنت."
.
نظرت لعينيه المشتعلتين، ثم تابعت:
"ارتبكت. توترت. لم أعرف كيف أتصرف... ضربتك، وركضت.
وبعد لحظات، سمعت صراخهم خلفي، كانوا يطاردونني، يلقون الشتائم...
حتى حاصروني، ودفعوا ماريو ليعدمني هناك، في الزاوية.
أمسك كتفي، تصرف كأن جسدي ملك لهم، وأنا فقط...
دافعت عن نفسي."
.
سكتّ.
كان يصغي، لكن بعينين لا تهدأ، وعقلٍ يشتعل.
.
.
اقترب، ببطء، ولفّ ذراعه حول خاصرتي، بطريقة مشحونة بالغضب أكثر من الحنان.
السيجارة لا تزال بين أصابعه من بعد ما اخذها من يدي، يرفعها دون أن ينظر إليها.
.
.
ابتسم باستهزاء، عيناه تتجولان في وجهي كما لو كان يقرأني للمرة الأولى:
"أنتِ صريحة... ولا تخافين، أليس كذلك يا جولي؟"
.
.
رفعت رأسي، ونظرت له بثبات، وحدّة:
"أنا لا أخاف من شيء، يا ألبرت... واسمي جوليا."
.
تقرب مني... خطوة، خطوتين... همس بخفة مشبوهة وهو ينظر لعينيّ الزرقاوين:
"تو تو تو... اسمكِ جولي؟
يا ذات العيون الزرقاء...
لكن، هل يعلم كولاس أنكِ تسرقين السجائر وتشربين؟"
.
.
تقدّمت منه خطوة، والابتسامة الحمقاء المرتسمة على وجهه بدأت تتشقق، تخون كبرياءه.
ابتسمتُ أنا أيضًا...
ابتسامة ضبابية تليق بساحةٍ على وشك الاشتعال.
"تو تو تو... ألبرت، ذو العين الواحدة المشتعلة بالسواد...
وقعتَ في خطأٍ كبير."
.
.
أخذت السيجارة من يده، كانت لا تزال مشتعلة، ونظرت إليها كما لو أنها دليل إدانة...
ثم تمتمت، والنيكوتين يلامس لساني للمرة الثانية في حياتي:
"هذه المرة الثانية فقط...
ولا، لا أحد يعلم."
.
.
قهقه بخبث، عينيه ضاقتا وهو يغمغم بسخرية لاذعة:
"هل تسخر جولي... من عيوني؟
اللتين تتمنّاهما كل الفتيات؟"
.
.
رفعت عينيّ نحوه، بهدوءٍ بارد، كأنني أقيس حجم نرجسيته:
"لكنني... لستُ مثل الفتيات."
.
.
تجمّدت نظرته للحظة، ثم انفجر بدهشةٍ مفتعلة، تمثيل رخيص حاول من خلاله أن يبتلع الحقيقة:
"آه، صعبة المنال، آنسة جولي؟"
.
استدرتُ لأبتعد، نحو السلم...
لكن يده سبقتني.
دفعني فجأة نحو الحائط بقوة، صدري ارتطم به، أنفاسي اختنقت، التفتُّ بحدة نحوه... صرخت:
"ابتعد عني!"
.
لكنه لم يتراجع.
مدّ يده بسرعة، وضعها على فمي، نظرته كانت حادة، مخيفة، كأن شيئًا ينكسر بداخله:
"لم أُكمل حديثي بعد... يا جولي."
كان صوته خشناً، أنفاسه حارّة، وكل خطوة يقتربها كانت تكسر شيئًا بداخلي.
اقترب كثيرًا، حتى شعرتُ بأن أنفاسي بدأت تختلط بأنفاسه، أنفاسي المرتجفة، وأنفاسه الثقيلة، التي تحمل رائحة الرماد والشتائم.
.
.
.
شفتي كانت قريبة جدًا من وجهه، كأننا نتهامس بجنون الصمت...
لكنني، كنت قد أنهيت حديثه بطريقتي الخاصة.
بسرعة، حركت ركبتي، وضربته أسفل بطنه، تمامًا حيث يُذل الرجل.
.
.
صرخة اختنقت بحنجرته وهو يسقط أرضًا، وجهه يلتوي من الألم، وأنا...
أنا ركضت، كأنني أركض من الذكرى نفسها.
.
.
.
نزلت السلم، خطوة تلو الأخرى، قلبي يلهث قبلي، لكن...
شعرت بيدٍ تسحبني من خصري، تلتف حولي كالأفعى.
.
.
"ليس بهذه السرعة، يا قطة "
قالها ألبرت، صوته مبحوح، نظراته كالسكين، وهو يدفعني على تلك الخزانة المفتوحة.
.
.
ارتطمت بها، كانت خشنة، باردة، مثل كلماته.
صرخت وأنا أدفعه بقوة:
"ابتعد! ألبرت!"
.
.
لكنه لم يتحرك... بل فجأة، سمعنا صوت خطوات.
صوت كعبٍ أنثويٍ يضرب الأرض، ثم أقرب... وأقرب.
.
.
.
بسرعة، وبلا كلمة، سحبني إلى داخل الخزانة.
كانت كبيرة، مظلمة، خشبها يصرّ، وأنفاسي تتسارع.
.
.
ثم دخلن... مجموعة من الفتيات، تملأن الغرفة بالضحك والعطر.
.
.
.
قالت إحداهن، بصوتٍ لا يخلو من الهيام:
"يا إلهي... هل رأيتن جورج؟
يا اللهي، عندما نظر إليّ... أكاد !"أن يغمى عليّ..."
.
همست إحداهن بصوتٍ حالم،
"آه... شعره الثلجي، وعيناه... كأنهما قطعتان من سماء صافية بعد عاصفة.
يا إلهي... إنني سأموت."
.
.
كتمتُ ضحكتي، شفتي ترتجف، وجسدي لا يزال محاصرًا بالقرب من ألبرت، ذاك الذي كانت كل واحدة منهن تذوب في اسمه، بينما أنفاسي كانت تشتعل بسبب قربه المُربك.
.
.
.
ضحكت فتاة أخرى، لكن فجأة خفضت صوتها، وتساءلت بنبرة مليئة بالفضول:
"كريستينا... لما ألبرت خرج من الملعب بعد ما خرجت الفتاة الجديدة؟"
.
.
.
ترددت كريستينا قبل أن تجيب، كان صوتها مشوشًا قليلاً:
"لا أعلم... لكنها من أول لحظة دخلت وهو يحدّق بها. نظراته كانت غريبة... لم أفهمها.
هل هي عدوة؟
أم أنه... يعرفها من قبل؟"
.
.
شعرت بعيونه عليّ، نظرت نحوه داخل الخزانة الضيقة، عيناي تتوهجان بالسخرية... وشيء آخر لم أرد تسميته.
.
.
قاطعتها فتاة أخرى، كانت نبرتها مشوشة بالحيرة:
"لا أدري... لكنها جميلة، جدًا.
شعرها الأسود الطويل، وخصلتها الجهنميه وعينيها الزرقاوين...
سمعت أنها متسابقة، وفازت على ألبرت... وأخذت سيارته... وحطّمتها."
.
.
كتمت ضحكتي مجددًا، ورفعت حاجبيّ ناظرةً إلى ألبرت، مستفزة حدّ الجنون.
كان وجهه جامدًا، يحاول أن لا يتحرك ولا يتنفس.
.
.
لكن فتاة أخرى أردفت وهي تحاول كتم غيظها:
"نعم... رأيت منشورها على الإنستقرام. كانت واقفة بجانب ماكس، يرقصان، وخلفهم سيارة تحترق!"
ثم قرأت الكلمات التي كتبتها على المنشور
"لقد اعتنيت بها... جيدًا."
.
.
أحسست بقبضة ألبرت على ذراعي تتوتر، فكأن الكلمات التي سمعها أشعلت النار في جلده.
نظرت إليه، ابتسمت ببرود، وهمست له بهدوء شديد:
"نسيت أن أذكر... أنني أعشق إشعال النيران."
.
.
.
قالت كريستينا بنبرة حادة، كأنها تخبئ شيئًا خلف تلك الكلمات:
"أظن... أنها ليست سهلة، تلك الفتاة.
يجب أن أتخلّص منها."
.
.
رفعت إحدى الفتيات حاجبها بخبث وردّت تتساءل:
"لِمَ؟ هل تغارين منها... أم على ألبرت؟"
.
.
ضحكت أخرى بسخرية، صوتها مملوء بالحقيقة التي تتهرب منها كريستينا:
"فتيات الجامعة نصفهن يحبّونه، فقط لأنه جميل... وعيناه النادرتان لا تُنسى.
ولا ننسى من عائلته..."
.
.
هنا... شعرت به يلتفت نحوي، نظرته هادئة... ابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه، ثم همس قريبًا من أذني، كأن كل هذا الحوار بالخارج يخصّه هو فقط:
.
.
يتقرب مني يهمس الي
"ماذا قلتُ لكِ، جولي؟"
.
.
أدرت رأسي عنه بصمت، لم أرغب بالرد، لم أرغب حتى أن أشعر بأنفاسه تختلط بي، كأن المكان أصبح أضيق فجأة.
.
.
ثم سمعنا كريستينا تتكلم مجددًا، كلماتها هذه المرة حملت قناعًا مكسورًا من الحقيقة:
"أنتن تعلمن...
أنا لا أحب من كل قلبي، لا أحد. اعني حقا لا احد
أنا فقط أحبّه لأنه مشهور... والناس تخاف منه... ولأنه... غني جدًا.
لا أريد أن تأخذه فتاة أخرى فقط."
.
.
.
رفعت يدي بسرعة على فمي، أحاول كتم الضحكة التي كانت تمزّق صدري من الداخل.
نظرت إليه، كان يحدق بي... ملامحه في قمة الإحراج.
لم أتمالك نفسي.
.
.
.
لكنه، قبل أن تنفجر ضحكتي، وضع يده على فمي، اقترب أكثر، وهمس بنبرة خافتة خشنة كالنار:
"لا تضحكي... جولي.
.
.
.
خرجن الفتيات من الغرفة بعد ثرثرة ثقيلة، تملأها الغيرة والشكوك، وما إن سُمِع صوت إغلاق الباب حتى دفعتُ ألبرت بقوة من أمامي. خرجت وأنا أضحك، لم أستطع كتم سخريتي. قلت له بابتسامة مشاكسة، وأنا أعدل شعري:
"ليس جميع الفتيات يحبونك، أوليس كذلك؟"
.
.
.
لكنه تجاهل كلماتي، وكأنها لم تخترق مسامعه، ثم قال فجأة بنبرة غريبة:
"ما رأيكِ أن تدخلي فرقتي، جولي؟"
.
.
نظرتُ إليه بتساؤل... حواسي تحاول التقاط المعنى خلف هذه الجملة.
"ما هي فرقتك التي تتحدث عنها؟ ولماذا تريدني أن أدخل شئ لا أعرف عنه شيئًا؟"
.
.
حدّق في وجهي بهدوء، عينيه خفّ فيهما التهكم المعتاد. نبرة صوته نزلت لعمق لا أفهمه:
"إذن... أنتِ لا تعلمين؟"
.
.
رفعت حاجبيّ، بنبرة حذرة سألته:
"ماذا أعلم؟"
.
.
مال برأسه قليلاً، كأنه يدرس رد فعلي، ثم قال:
"نيكولاس... ألم يخبركِ بشيء عني؟"
.
.
تغيّر وجهي، تجمّدت لوهلة، لكنني سرعان ما استعدت ثباتي. نظرت إليه بعينين هادئتين، ثم حرّكت رأسي قليلاً وقلت:
"أجل... أخبرني."
.
.
انتظر أن أُكمل، كأنّه يتوق لسماع ماذا قال كولاس عنه.
.
.
ابتسمت ببرود، وألقيت كلماتي كطعنة باردة:
"أخبرني بأنك حقير."
.
.
ثم التفتُّ، وقلت بنبرة حاسمة:
"والآن، أريد أن أذهب. لقد تأخرت."
.
.
استدرت بجسدي، خطواتي كانت ثابتة، لكن صوتًا خشنًا شدّني فجأة من الداخل. كان صوته...
كأنّه جدار يسقط فوق اسمي.
"جولي..."
توقّفت. بقيتُ في مكاني.
لم ألتفت.
لكن صدري كان كأنّ شيئًا بداخله يختنق...
.
.
.
أريدكِ أن تأتي إلى حفلتي الليلة، كلكم مدعوون لها.)
.
قالها ألبرت بصوته المعتاد، ذلك الذي لا تعرفين أهو أمر أم دعوة.
.
نظرتُ إليه، عيني تُحدّق في عينيه، كأنني أبحث عن صدقٍ بين الأكاذيب، وهمست بسخرية ناعمة:
"بأحلامك."
.
.
ابتسم، لكن ظله تغيّر. أدار يده التي و كان يصنع شئ داري بإصبعه ولكنني تذكرت يد الذي أطلقت النار عليه ما زال هناك، حارًا كأن الرصاص ما زال ينبض تحته.
قال بصوتٍ بارد، نبرته تنغرس في عنقي:
"لكن... رصاصة ماريو ما زال جرحها على يده. إذا قلتُ لهم بأنكِ أنتِ من أطلقتها... ماذا يحصل لكِ، جولي؟"
.
.
.
رفعت رأسي، بلا خوف. وضعت يدي على فكي، ابتسمت ابتسامة بطيئة ومُتحدّية، ثم همست له بنبرة مريرة:
"يحصل ما يحصل... فليحترق العالم يا ابن بارتنسكي ."
.
.
استدرت، وغادرت دون أن أنظر للخلف. لم أكن أحتاج أن أسمع رده، لأنني كنت أعرف... هذا النوع من الرجال لا يرد. هو فقط يتوعد بصمته.
.
.
.
.
خطوت بسرعة بين الممرات حتى وقعت عيناي على "آنيا" وهي تبحث عني بجنون، عيناها تكاد تخرج من مكانها.
.
.
.
ما إن رأتني حتى صرخت بانفعال:
"أين كنتِ بحق الجحيم؟! لقد فاز فريق كولاس، وهم ينتظرونكِ عند البوابة!"
.
.
.
خرجنا معًا، خطواتنا متسارعة. وما إن اقتربنا حتى رأيتهم جميعًا، واقفين كأنهم لوحة انتصار... وجوههم مشرقة، تعبٌ ممزوج بنشوة النصر.
.
.
.
ابتسمتُ بحماس، فتحت ذراعي وقلت:
"مبروك عليكم الفوز!"
لكن كولاس لم يكن كباقيهم...
عينيه تشقّان الطريق إليّ، وصوته اخترق الفرحة كسكين:
"أين كنتِ بحق السماء، جوليا؟!"
.أجبتُ كولاس وأنا أزيح خصلة من شعري عن وجهي:
"في الحمّام... لقد تأخرتُ بسبب شيء مزعج."
صمته لم يكن سؤالاً... بل كان اتهامًا.
لكنه لم يكتفِ،
اقترب نينوس بنظراته المتفحّصة، وهمس ساخرًا:
"وهو... دورتكِ الشهرية؟"
.
.
كاد يكمل كلمته، لكن "آليو" هجمت عليه فجأة من الخلف، أمسكته من كتفه وصرخت:
"نينوس! لزم حدودك!"
.
.
ضحكتُ بصوتٍ خافت بينما أركب سيارتي، وكأن الفوضى صبحت موسيقاي اليومية. التفتُّ نحوهم وسألت، وقد بدأت أُقلّب المفتاح بين أصابعي:
.
.
"وماذا عن الليلة؟ إلى أين سنذهب؟"
.
.
أجاب كولاس وهو يُعدّل سترته:
"هناك حفلة كبيرة... أنا وأخي نينوس وأبي سنذهب إليها."
.
.
قاطعته "آنيا" وهي تضع خوذتها السوداء على راسها:
"ووو نحن أيضًا سنذهب... لكن لم يُخبِرني أحد من صاحب الحفلة أصلاً."
.
.
ابتسمت ابتسامة مُبهمة، ثم قلت وأنا أنظر للطريق أمامي:
"إنها حفلة عائلة بارتنسكي"
.
.
.
ساد صمت. التفتّ إليهم، وكانت أعينهم مليئة بالاستغراب، وكأنهم سمعوا للتو اسم الشيطان يُتلى على مأدبةٍ ملكية.
ضحكتُ:
"ماذا بكم؟ لا تقولوا لي أنكم تخافون من عائلة بارتنسكي؟"
تركتهم واقفين في حيرتهم، وانطلقتُ بسيارتي، تدفعني موسيقى الشوارع وضوء الشمس حين تغرب نحو وجهتي التالية.
.
.
.
.
.
.
توقّفت أمام قصر "السيد أنطونيو"، رجلٌ ترتجف له الأبواب قبل أن تطرقها.
.
ترجّلت من السيارة بخطى هادئة، وكنت بالكاد ألمح ابتسامته وهي ترتسم على وجهه الصارم.
.
اقترب منه، وقال:
"آه، جوليا...
لقد نظر خلفي
أين الفتيات؟"
.
.
حرّكتُ شفتي بخفّة:
"إنهن خلفي، لقد سبقتهن بدقائق."
.
.
أومأ برأسه، ثم حمحم بصوته العميق وقال:
"الليلة... سنذهب إلى الحفلة. هل ترغبين بالقدوم معنا؟"
.
.
نظرتُ نحو الحديقة التي تنبعث منها رائحة الياسمين، تنهدت:
"شكرًا لك، سيد أنطونيو... لكنني متعبة جدًا اليوم، ولدي الكثير من الأمور."
.
.
ابتسم بتفهّم وهو يقول:
"على راحتكِ يا ابنتي... لكن إن غيّرتِ رأيك، فأخبِريني فقط."
.
.
بادلته ابتسامة صغيرة، ثم دخلت إلى القصر
.
.
.
كانت خطواتي مسرعة نحو السلالم. وما إن وصلت غرفتي حتى أغلقت الباب خلفي، وألقيتُ بجسدي على السرير.
عقلي لا يهدأ... صورته تلاحقني، نظراته، صوته، جرأته... ألبرت.
كيف عرفني؟ كيف كان واثقًا إلى هذا الحد؟
.
.
.
.
مرّت دقيقة، وربما أكثر، وفجأة... صوت إشعار قطع سكون الغرفة.
مددت يدي بتكاسل نحو الهاتف، وضغطت على الشاشة.
كانت رسالة منه.
"هل غيّرتِ رأيك؟ هل ستأتين مع عائلة ماكروس؟"
.
.
.
قرأتُ كلماته مرارًا، وكأن بين كل حرف سخرية أو تهديد أو ربّما... اهتمام؟
هل أردّ عليه؟
هل أذهب فعلًا؟
هل أتجنّبه أم أواجهه؟
.
.
.
لا
أرسلتُ له بعد تردد:
.
.
جرِ الكتابة...
"حسنًا، لكنني سوف أتي... وأقول للسيد أنطونيو إنكِ أنتِ وبناته تتسابقون في سباقات غير قانونية."
.
.
مرّت ثوانٍ، ثم أضفت:
"افعل ما يحلو لك."
.
.
قفلتُ هاتفي دون أن أنتظر رده...
وضعتُ الهاتف جانبًا وتمتمت بثقة،
"لا يستطيع أن يفعلها... هو فقط يهدد."
.
.
ابتسمت، وكأنني ربحت جولة من حرب باردة، ثم ذهبت إلى الحمام أغسل عن وجهي ملامح التوتر...
ركض الماء على وجهي فشعرت بأنني أُعيد ترتيب روحي.....
.
.
.
.
.
.
.
.
مرّ الوقت، وعقارب الساعة وصلت إلى السابعة مساءً.
كنتُ جالسة في الصالة، أتناول العشاء مع عائلة السيد أنطونيو.
صوت الأطباق، ورائحة الطعام، والأحاديث المتقاطعة...
كل شيء بدا طبيعيًا، حتى قطعت السيدة لورين الصمت بنبرة هادئة، وعيناها عليّ:
"أليست لديكِ فساتين؟ لماذا لم تجهّزي نفسكِ؟"
.
.
.
.
.
رفعت رأسي نحوها، وبادلتها النظرات
نطقت بهدوء وأنا أرفع كأس الماء إلى شفتيّ:
"أنا لست ذاهبة معكم... أشعر ببعض التعب."
.
.
همّت السيدة لورين أن ترد، أردفت بـ:
"حسنًا-"
لكن صوتها انقطع فجأة.
.
.
رنَّ جرس القصر...
ارتفعت العيون نحو الباب الرئيسي بتساؤل، وركضت الخادمة بخطى متسارعة نحو الباب الكبير.
صمتٌ حلّ على المائدة، وكأن الأنفاس حُبست للحظة، وكأن أحدهم اقتحم المشهد بخيط من التوتر.
دقائق... لا، ثوانٍ...
ثم فُتح الباب، وكانت الصّدمة.
.
.
.
.
الواقف أمام الباب لم يكن سوى ألبرت. ومعه جورج
يقف بثقة، ووجهه كُتبت عليه معركة لم تنتهِ، وعيناه تتفحص المكان كأن القصر ملكه.
كان يرتدي بذلة سوداء، أنيقة حد الإهانة، وكأنه لم يأتِ لزيارة بل لإعلان سيطرة.
.
.
.
نظرتُ نحوه من بعيد، والتقت نظراتنا.
وفي تلك اللحظة... شعرتُ أن كل شيء من حولي بدأ يتباطأ، كأن الهواء ثقل، وكأنني عرفتُ مسبقًا أن الليلة لن تمر بسلام.
حدق بي، وأنا حدقت...
وفي تلك اللحظة، شعرت كأن كل شيء توقف - الأصوات، الزمن، حرارة الجسد - وتسلل إليّ يقينٌ مخيف:
هذه الليلة لن تكون عاديّة.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
مرحباً بكم في النهاية هذا الجزء
اتمنى نالت اعجابكم
.
.
.
.
.
.
.
.
ما رأيكم في أحداث الروايه
شاركوني في التعليقات
اي تعليق مخالف للقانوني
احذف
احترم عقلك ثم نفسك
و شكراً للجميع
انڤيروزلا