هدوء ما قبل العاصفة

هدوء ما قبل العاصفة

28 0

هدوء ما قبل العاصفة:

في شرق إمبراطورية عريقة، وعلى ضفاف نهر يرمز للسلام والنقاء، شُيّدت قرية صغيرة توزعت بيوتها من مكان لآخر بجانب شجرة عتيقة، تفرعت جذورها في ساحة القرية. وفي أحد الشوارع، احتشد القرويون منتظرين دورهم لابتياع مستلزمات مهرجان الصيف المقبل.

على عتبة باب المحل، جلس هان لاو عاقدًا ذراعيه يراقب ابنه شين، الذي غدا شابًا يتكفل بزمام الأمور في المحل، وها هو يشرح لأحد الزبائن كيف سيصلح الهانفو الخاص به سريعًا. ومرّ أمام عينيه طيفه حين كان صغيرًا، يحمله بين أحضانه، ويتوق لليوم الذي يكبر فيه ويرى أحفاده أمامه. لكن ابنه رفض فكرة الزواج رفضًا تامًا، مما جعله عابسًا. وأثناء تفكيره، تحوّل عبوسه إلى بسمة عريضة اعتلت وجهه، سرعان ما سمع نداء جارتهم لين لينغ التي دفعت نفسها وسط الحشد، فتعالت اعتراضات الناس على تقدمها أولًا.

وفور بلوغها المحل، انحنت تتدارك أنفاسها المسلوبة منها. ومن ثم اعتدلت، ووضعت صندوقًا خشبيًا كانت تحمله بين ذراعيها أرضًا، فبادرت بالسؤال عنهم:

– كيف حالكم؟ وأين هي شياو لين؟

ابتسم شين فور انتهائه من الزبون وأجابها:

– بخير، ماذا عنكِ يا خالة؟

– بأفضل حال يا بُني. فلتدم صحتك.

وبعدها قالت مستديرة نحو هان لاو:

– لم أرك منذ مدة، ما هي أخبارك؟

– جيد... لكن، ألم تشتري كل ما يلزم المهرجان سابقًا؟

وقبل أن تجيب، قاطعها صوت امرأة ممتثلة في الطابور تقول:

– رأيناكِ تدفعين نفسك، تحملين صندوقًا، ما هذا يا لين لينغ؟

رفعت لين لينغ حاجبها وقالت باستهزاء:

– لنقل، ولنَفترض أن هناك مصطلحًا يُدعى الخصوصية، وعلى حسب معلوماتي، إذا تدخلتِ في شيء لا يخصك فهذا انتهاك لخصوصيتي!

ضحك الجميع وتداخلت الأصوات، منهم المؤيد ومنهم الفضولي نحو الأمر، بينما أخرج رجل المال من جيبه ورفعه عاليًا قائلًا:

– وأعرف كذلك أن كل شيء بحقه!

لين لينغ بخفة:

– طبعًا طبعًا، لا تقلق، ستدفع المال ولن تلوّح به هكذا مرة أخرى.

أصوات متداخلة، وكلها فرِحة وضاحكة. فتتمتع لين لينغ بشخصية حيوية، مرحة ومضحكة. فمنهم من يطلق عليها اسم "البسمة"، ومنهم من يدعوها "ببغاء القرية". وكانت في نفس الوقت مفتاحًا لأبواب عرقلة طريقهم نحو النجاح. فأي مشكلة، يذهبون إليها بلا تردد.

وخلال حديثهم، لوّحت امرأة باسمة تحمل أدوات خياطة، نادت لين لينغ مُعلِمةً إياها أنها هنا. كانت شياو لين، وهي زوجة هان لاو وخياطة ماهرة، عُرفت بهانفو مميز زادته أناملها جمالًا ورقيًا. ووقت المهرجان، لا يوجد من لا يشتري لباسًا من عندها.

قلّبت لين لينغ عينيها حولها حتى تصادمت بخاصة شياو لين، فأشارت لها أنها قادمة.

عادت مسرعة من جديد تحمل الصندوق، وكل خطوة تخطوها تُصيب بها أحدًا فيتأفف ويتنهد منزعجًا منها. حين وصلت أمامها، أخذت تقصّ لها عن ما حدث معها اليوم. وبعدها سارت مع صديقتها للأمام بخطوات بطيئة من ثقل الصندوق، وأكملن طريقهن حتى بلغن منزلًا كبيرًا مختلفًا عن البقية. سرن بجانب بابه، فبصقت لين لينغ أمامه وأكملت طريقها مشمئزة.

أمسكتها شياو لين من يدها وجذبتها إليها قائلة بصوت منخفض في أذنها وبنبرة واعظة:

– لماذا؟ أولستِ صديقة لها؟ أساسًا، لماذا هذا؟

ليأتيها الرد بعد أن عضّت الأخرى شفتيها وزمجرت بامتعاظ مجيبة:

– أوليست من قالت لابنتي إنني لا أحبها وأنا أطمع فيها حتى تتزوج رجلًا غنيًا؟ ظنّتني قليلة شرف مثلها... أساسًا هذه ليست أول مرة.

– أفهم من كلامك أنكِ تغسلين الأرض كلما مرّت باحثة عني في المحل من هنا؟

لين لينغ بنبرة حادة:

– كلا والف كلا!

ابتسمت شياو لين بخفة وأردفت:

– جيد، إذا ظننتِ أنكِ–

لين لينغ مقاطعة بسخرية:

– أمر من هنا بدون سبب لكي أقوم بعملية غسل الأرضية! ومن ثم تابعت مقلدةً صوت العجوز القاطنة في البيت التي دار حوارهم عنها: "النظافة أساس، مسؤولية، والأهم؛ واجب على كل متساكن يشرب من مياه القرية... إلى آخره." إنها تحكي بنبرة الماعز ألفًا وأربعمائة كلمة...

– وهل عددتهم؟

– كلا طبعًا، لكن سمعت أسطورة تقول إن الكلاب تنبح أكثر من هذا العدد يوميًا، وحاشا الكلب أن أشبهه بها...

ضحكت لين ضحكة مكتومة، وتابعتا سيرهما حتى وصلن إلى منزل آخر حجمه مماثل للبقية، رائحة عبقة تنبعث منه نتيجة مختلف الأزهار والنباتات المختلفة الألوان والأنواع.

فتحت لين الباب، وقبل إغلاقه أشارت للينغ بالتقدّم. عبرتا الحديقة، وبعدها فتحت بابًا آخر، فقابلتهما غرفة كبيرة تحمل طاولة وبعض المزهريات المزركشة.

جلستا أرضًا مقابلتين بعضهما في تلك الطاولة المستطيلة، ولين تنادي على ابنتيها هان سو الصغرى، وهان رين الكبرى.

وقد جاءها رد هان سو فورًا:

– قادمتان يا أمي!

رقت عينا لين لينغ، وانبست بحنان قائلة:

– كم إنهما رائعتان، ابنتاك وولدك سند لكِ في هذه الحياة...

طأطأت شياو لين رأسها، وتابعت وهي تمسح بكفها على بطنها:

– أحيانًا أتعب كثيرًا، لكن بمجرد سماع أصواتهم أصبح أقوى. أريد أن أراهم سعداء في منازلهم، لكن حين أتذكر أنني لن أسمع صوتهم حولي في المنزل يخالجني شعور غريب...

– أجل، جربت هذا من قبل، لكن حين ترين أحفادك ستنسين كل الهموم.

كانت لين لينغ تناهز السادسة والخمسين، وتملك حفيدًا بالإضافة إلى ثلاث بنات وأبناء. أما شياو لين فقد بلغت الخامسة والأربعين، وكلتا ابنتيها مخطوبتان وستتزوجان هذه السنة.

دخلت هان سو أولًا، والتي انحنت احترامًا للين لينغ، ومن ثم جلست بجانب أمها. أما هان رين، فقد تقدمت نحوها مباشرة تسأل عن حالها بقلق:

– سمعت أن حفيدك قد مرض لأنك أطعمته طعامًا ضارًا، هل هذا صحيح يا خالة؟

لين لينغ باستغراب:

– ماذا؟

ومن ثم فطنت لشيء، ففرقعت أصابعها متابعة:

– هاه! قد أخبرتك أن تلك العجوز الشمطاء تقول إشاعات، حتى إنها قالت إن حفيدي مريض، مرض لها ولنسلها.

ومن ثم تمتمت:

– شيطانة...

شياو لين:

– حقًا مزعجة، لم أفهم لماذا تتمنى المرض لطفل صغير؟

تنهدت وأدارت رأسها آمرَةً ابنتها الكبرى بجلب الشاي لهن.

وبقين يتبادلن أطراف الحديث، وحين وصل الشاي، وُضع أمامهن على الطاولة، وأخذت كل واحدة كأسها. أما لين لينغ، فقد استدارت ناحية الصندوق، فتحته مخرجةً منه قطعة قماش وزينة شعر. منحتها لهان سو التي انحنت آخذةً إياها بابتسامة عريضة فور سماع من أهداها: "سي زهو"، وقد كان خطيبها الذي كاد قلبها يطير فرحًا حين تذكّرها في هذه المناسبة.

أخذت هديتها واستأذنت الذهاب إلى غرفتها. أما الكبرى، فقد اجتاحها الإحباط بسبب أنه لم يُهدها شيئًا. لكن واسَتها لين لينغ قائلة:

– أكيد سيعطيكِ غدًا، إنه يحب المفاجآت، لا تنسي!

رسمت ابتسامة على شفاها، لكن سرعان ما مسحتها وغادرت هي الأخرى.

بقيت الأم والجارة التي دفعت الصندوق وأخرجت منه هانفو مثاليًا بكل معنى الكلمة. كل تفصيل زاده أناقة، لكن بدت معالم الحيرة تظهر على وجه شياو لين، وعقلها تراكم بالتساؤلات؛ هي تخيط الألبسة، فمن أين أتاها لباس؟

فهمت لين لينغ ما يدور في عقلها، فشرحت قائلة:

– لا أدري أي سنة هي الأخيرة لي، أخاف أن يكون هذا آخر مهرجان أمضيه معكم. علاوة على أنكِ لا تحتفلين معنا...

تنهّدت، ومن ثم استأنفت حديثها بغصّة وعينين امتلأتا بالدموع ووجه عابس:

– أرغب بأن أمضيه معكِ، مع الجميع...

مسحت بكفها عينيها، أما شياو لين فقد أمسكت يديها وشدّت قبضتيها منبسِطة:

– سنحتفل هذا العام، والذي يليه، والذي بعده. لن نخلُد، لكننا سنعيش هذه الحياة كما كُتبت لنا...

فأكملت لين لينغ:

– نعيش قدرًا، بكل أحواله ستكون فيه بسمة، مهما حصل...

أغمضت شياو لين عينيها، فتحتْهما ببطء لتعيد نظرها نحو الهانفو قائلة:

– سأرتديه هو، كم إنه جميل!...

وأثناء هذه اللحظات، وفي محل الخياطة، انتهى ذلك الحشد أخيرًا. فجلس شين يحسب ما جناه اليوم من مال، مخزّنًا كل قرش في علبة أمامه.

حلّ غروب الشمس، فبدت تتوالى على الأنظار تدريجيًا، منعكسةً على مجرى النهر. تبعث أضواءها الخافتة لتنعكس على طول الشجرة العريقة، وتنقشع الغيوم فتظهر السماء كلوحة فنية رُسمت بأنامل مبدعة. اختلط البرتقالي الناصع مع القرمزي، لتكون لوحة ربانية تُشعر الإنسان بالحنين...

جراء تأمل هان لاو ذلك المنظر البهي، اقتحم المحل شاب يتصبب جبينه عرقًا، وقد كان كي فو. أسرع وجلس بكرسي قرب شين، يُشير بيده طالبًا الماء.

أسرع الابن لجلبه، وقد أيقن أنه كان يعمل في محل الفخار الخاص به طوال اليوم، ولم يبرح مكانه قط. ووسط أنفاسه المتقطعة، قال بنبرة متقطعة تعبة:

– لقد... لقد ابتع–

هان لاو مقاطعًا:

– ارتوِ أولًا يا بني!

أخذ كأس الماء بتلهف وشرب منه دفعة واحدة. ومن ثم حمحم معيدًا كلامه قائلًا:

– لقد ابتعت لهان رين هدية، أتمنى أن تنال إعجابها!

ابتسم الأب، وقد بان الفرح على وجهه بوضوح، فربّت على ظهر الشاب ليكمل:

– كم إنك جيد يا بني، تفكر فيها دائمًا. ابنتي ستكون مسرورة ولو بكلمة تجبر بها خاطرها.

ووسط الحديث، مرّ رجل شدّ انتباههم، ذو وجه ذابل مصفر، عيونه تكاد تخرج من مكانها وكأنه رأى ميتًا يحاوره. وكأن روحه خُطفت منه، فبقي كالجسد خاويًا. ملابس بالية، شعره مبلل، نظرات حادة تائهة، على يديه وأقدامه آثار أصفاد.

من حالته، فكروا أنه أسير من الإمبراطورية المحاذية لهم التي يفصلهم عنها نهر. لكن كيف عبر النهر؟ ولماذا حالته هكذا؟

وجّه نظره نحوهم، راقبهم عن كثب من أعلى رأسهم إلى أقدامهم، فتش بعينيه عن شيء. وحين لم يجده، صرخ بغضب قائلًا:

– سألني وأنا لا أعرف أي شيء! كل شيء بسبب أميرتكم الوغدة اللعينة!

تفاجأ الكل من كلامه، ونظروا بأعينهم طالبين تفسيرًا. ومن ثم علّى في نبرة صوته ليقول:

– رجالكم ستموت، نساؤكم سترمَل، أولادكم سيُتيتم، رحّبوا بحياة العبودية!

وبدأ يصفّق، مما زاد غضب شين وكي. فوقف متجهمًا يصرخ بوجهه يطلب تفسيرًا.

فأجابه الرجل:

– سيأتي زمن تصبح فيه الحرية شيئًا يتحاور عليه الناس ويطالبون به، بالرغم من أنه من أساسيات الحياة...

ضحك واستأنف حديثه بنبرة أوطى:

– هل تعرف ماذا رأيت؟ شبحًا هزيلًا يجلس وحيدًا، سألته: من أنت؟ قال: أنا الحرية. ومن طالبوا بي، منهم من مات مشنوقًا، والآخر مصلوب، والآخر مسموم، ولا ننسى الجاني. إنه المؤمن أن الحرية شيء يمكن الاستغناء عنه بقروش...

شحب وجه الحضور، لكن رغم كلامه الذي بثّ الرعب في وجدان الشاب، إلا أنه بقي غاضبًا وصرخ فيه بحدة:

– سرتَ والنهر، لكنه ملك لنا! كيف عبرتَه؟

في تلك اللحظة، ارتمى بسرعة الضوء نحو المحل، ومزق الرجل شاحب الوجه هانفو كان فوق إحدى الكراسي. مزقه بطريقة هستيرية وهو يضحك ويصرخ.

لم يستوعب أحد ما حصل، وحين كاد أن يوجه له شين لكمة، تدخل هان لاو وأبعده عنه ليوقفه. أما الرجل فقد خرج مسرعًا يركض اتجاه النهر من جديد.

لم يفهم أحد ما حصل، فنادى هان لاو الشابين ليجلسا أمامه ويحاورهما عن ما حصل.

– كلامه له معنى آخر. إني أخشى من حرب قد تقوم فنُحبس في القفص كالطيور، ونرى الحرية طيف ذكريات يمر أمام أعيننا، ويكون لنا أحيانًا سرابًا.

فنطق أحد الشابين، ابنه، ليقول:

– إن الرجل ذاك مجنون، ولكن كلامه ليس بجنون.

ليجيب الآخر وقد استولى الخوف على قلبه، لكن شجاعته عالية، فردف:

– وإني للعبودية لمُخلِّصٌ منها كل أسير، وإني للحرية محافظ! ولو أموت، فإني سأموت شريفًا!

أومأ هان لاو وانبس:

– إني لا أرى حرجًا في المريض، وإني لا أرى أدنى حرج في المجنون، فهو مريض بفعل البشر. فندعو له بالشفاء العاجل وليس الآجل، وإنه مجرد إنسان غريب...

اسودّت السماء، وأنارتها النجوم كالمصابيح. فكان القمر بدرًا ينير عتمة الليل، ليقف الأب ويقول:

– كل شيء قضاء وقدر، ومهما حصل...

ليتابع ابنه:

– غدًا المهرجان، دعنا لا نقلق الناس.

كي بقلق وتوتر:

– لكن قد سمع الناس!

شين بامتعاظ:

– لا يوجد منازل قريبة من المحل، فقط محلات أخرى وقد أُغلقت.

تنهد ليستأنف حديثه قائلًا:

– وهو مجنون، لا أدري ما الذي قد يحصل، لذا لنذهب إلى البيت الآن، وفي الصباح نناقش الموضوع.

وفي تلك الأثناء، كانت امرأة خلف الشجرة تسترق النظر. لم ينتبه إليها أحد، فجلست أرضًا والدموع تنهمر من عينيها. لباسها مهترئ، وقد لطّخت جسدها بالطين.

وتمتمت بحنق:

– لن ألبث مكاني حتى أداوي جناح الطائر الذي كُسر...

و حين يسود الصمت، يأتي حدث مرعب ليكسره...

{بتمنى دعمكم لرواية اجنحة الحرية و تعطون رايكم}

في البداية قصير،لكن لا تملو لأنو القادم اطول🙃

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أجنحة الحرية Wings of liberty

المؤلف Safwa
2025/08/13 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة