تحولت الأرض الخضراء، التي غطت بتلات الورود معظمها، إلى أرض حمراء غطت الجثث أغلبيتها.
ركض سي زهو ممسكا بيد هان سو، وقد تلطخت ملابسهما بالطين، فرفعت طرف الهانفو الخاص بها حتى بانت لهم هان رين التي تجول بنظرها بحثا عن فو كي فقد فقدت أثره...
لم تعرف ما الذي تفعله، فلحقها أخوها هان شين وأخذها من بين الحشود الخائفة التي تدفع بعضها بعضا فينجو أحدٌ وتدوس قدمه على آخر.
تعالت الصيحات من بين البكاء، فتداخلت الأصوات لتمسك إحدى الفتيات أذنيها وتجلس أرضا وتصرخ بكل ما أوتيت من قوة.
هيا يا أختي، أمسكي بيدي!
أتاها صوت أختها وهي تحاول أن تبقى واقفة بثبات حتى لا تندفع فتصبح جثة أسفل الأقدام...
هيا!
كررت نداءها، لكن البنت لم تستجب، وبين محاولة لإقناعها بالتقدم وثباتها ردت أختها بعد أن تركت نفسها ليندفع فوقها آخرون فيضرب رأسها من بين أقدامهم وينزف أنفها: هل بإمكاني أن أحلق عاليا؟
ومن ثم صار كل شيء عتمة في نظرها ولم تستجب لأي كلمات أخرى، فأيقنت أختها أنها فارقت الحياة لتشهق وتنهمر على وجنتيها المحمرتين دموع بدون سابق إنذار...
خطت بضعة خطوات إلى الوراء بصمت محاولة استيعاب ما حدث، ولم تنتبه لنفسها إلا ورجل يمسك بيدها محاولا إخراجها من المكان المزدحم، وأخيرا رأت مكانا أقل اكتظاظا من الآخر، فتمعنت في منقذها ليظهر أنه هان شين، وقالت بنبرة مرتجفة: ابن السيدة شياو لين؟!
أجابها بعد أن أفلتها وأسند ظهره ليرتاح أسفل إحدى الأشجار: نعم، بشحمه ولحمه...
وأنتِ، ألستِ التي انتقلت برفقة أختها قبل سنتين تقريبا؟
وقفت بصمت وجلست بجانبه وغصة تتملكها، ثم أردفت: لم تكن أختي الحقيقية، لكنها العائلة المتبقية لي...
لم يجد ردا، فالتزم الصمت. ولم يدم الصمت، فقد قطعه هان لاو صائحا: انتبهوا خلفكم!
اندفع شين على الفتاة ليسقطا أرضا فيمر سهم مشتعل آخر، وهذه المرة قد أصاب إحدى الأشجار، لتأكل ألسنة اللهب كل ما تجده أمامها حتى وصلت نحو مكان ملأت الدموع عينا هان لاو فور رؤيته، قد كان المحل الذي قضى عمره بين زواياه، ونساء ورجال ينهبون ما يتواجد فيه في هذه الظروف الصعبة التي الكل فيها يحرص على حياته. كانت امرأة قد حملت ملابس عديدة وأشياء أخرى مختلفة وهي تخرج من ذلك المحل، رآها هان لاو فأسرع إليها ونظر فيها نظرة بائسة واردف: ألا تخجلين من حالك؟ نحن بين الحياة والموت وأنتِ، وأنتِ تسرقين؟
لم تهتم له فدفعته قائلة: لن أموت! ولا شيء سيقتلني، وأنت ابكِ جيدا على بضاعتك هذه!
لم يجد ما يقول، وهو قد تعب كثيرا وقدماه لا تحتملانه، فقرر ترك أمر المحل والتوجه إلى الأهم: عائلته، ليحرص على سلامتهم.
في ناحية أخرى، تتبعت شياو لين آثار السهام، فلاحظت أن أغلبية الموتى رجال، ووجود امرأة ميتة لهو أمر نادر.
انتبهت لين لينغ إليها، فوقفت أمامها وقالت: ربما الرجال يحمون النساء لذا أكثريتهم موتى!
عقدت شياو لين حاجبيها بخوف فنفت الأمر قائلة: حرب كبيرة قائمة، يتعمدون قتل الرجال لكي يضمنوا عدم توفر الدفاع، حتى النساء الشابات هن الضحايا، يقتلون كل من له قدرة على القتال...
تقدمت لين لينغ قليلا مبتعدة عن شياو لين، كلماتها رفعت معنوياتها فانبسطت: ومن كلامك أمل، ومن هذا الأمل خطة لكي ننقذ قدر استطاعتنا.
شياو لين وهي محتارة: أبهرينا بمخططك هذا.
أومأت لها لين لينغ، وانطلقتا مبتعدتين عن المكان.
وفي المنزل الكبير الذي تقطنه العجوز الشمطاء، وقفت دان ري والتي تكون العجوز، رفقة ثلاثة رجال وفتاة، وقد كانت الفتاة فاقدة لوعيها، فبقت مستلقية أرضا حتى مرت دقائق وفتحت عينيها ببطء شديد، اعتدلت في جلستها وهي تفرك رأسها فتفاجأت بمن ترى: كبار القرية، وقد بدت خائفة منهم.
لكن حين قابلت تلك العجوز والتي اعتادت عليها من كثرة ذهابها إلى منزلها كما قالت لين لينغ، اطمأنت قليلا، فسألت والخوف متملك منها: أين أنا؟ وهذا الصوت...
أشارت بيدها اتجاه النافذة وتابعت: ما كل هذا الضجيج؟
أزاحت دان ري ناظريها عنها وصمتت للتفكير في إجابة مناسبة، فردت بعد برهة من الوقت: لنقل إن حربا تدق بابنا...
اتسعت عينا البنت من الصدمة، فبقت الجملة تتكرر داخل رأسها، فوقفت مسرعة إليها لكن شابا منعها ليدفعها أرضا، ووسط الفوضى التي عمت سمعوا صوت لين لينغ وهي تنادي على النساء بصفة عامة، وعلى ابنتها المفقودة دو يو بصفة خاصة.
انتفضت البنت من مكانها، والتي كانت دو يو، فسمع صوت أمها بعث الطمأنينة في قلبها.
حاولت أن تخبرها عن مكانها، أرادت أن تصرخ، أن تحتضن أمها وتقبلها من جبينها كما اعتادت، أن تعتذر عما بدر منها في السابق، أن تتبع أوامرها من اليوم وصاعدا، لكن يد ذلك الشاب وضعت على فمها، فصار لا يُسمع لها إلا أنين.
بكت وحاولت الصراخ وسط نشيجها، لكن لا حياة لمن تنادي.
وخارج ذلك المنزل، جمعت أمها وشياو لين بعض النسوة، فأخبرتهن لين لينغ وهي خائفة وبنبرة مرعوبة: من المفروض أن نكون نحتفل الآن، لكننا بين الحياة والموت، لذا علينا وضع حد لهذه المهزلة!
أجابت امرأة والدماء غطت ملابسها: وكيف سنفعل هذا؟
أجابتها لين لينغ دون أن تلتفت إليها: باتباع ما سأقوله...
شرحت خطتها، وقدمَت كل واحدة أفكارها، فاتفقن على الذهاب جهة النهر، وعدم الاحتماء بالأشجار، والدخول إلى المنازل البعيدة، بينما تذهب من مازال في جسدها طاقة كافية لوسط الساحة، والاحتماء خلف الأشجار، حتى تحترق الشجرة العريقة. قد يحترق نصف القرية، لكنهن وافقن على حرق نصفها أفضل من موتهم جميعا واحتراق مملكة بأسرها.
تقدمن بخطوات حذرة، حتى افترقن وذهبت كل واحدة في اتجاه، وأثناء ركض إحدى الفتيات والتي تدعى جي سيون، التقت بشين والفتاة التي كانت برفقته، وقد كانت تدعى كيو غو.
بدت كيو غو متعبة، أما شين فقد بدا خائفا.
أمسكت كيو غو أنفها الذي سالت الدماء منه نتيجة ارتطامهم السابق بالأرض، وقد سألت بتوتر: أين السيد هان لاو؟ هل قابلته؟
تبادلت جي سيون النظرات معهم، حتى هزت رأسها نافية لتنبس: أولا علينا محاولة تنظيم المكان!
شد شين قبضتيه وصاح قائلا: وكيف سننظم المكان وتلك العجوز دان ري لا تهتم إلا لنفسها!
لم يلقَ أحدهم الرد المناسب، لكن سرعان ما لمعت أعينهم حين قابلتهم هان رين وهان سو، وقد أسرعا يحتضنان أخاهم شين وهُنَّ في حالة صدمة ورهبة.
ما الذي حل بكما؟
أتاها رد هان سو بنبرة باكية وهي متكئة على صدره: إن سي زهو وفو كي التقوا وقرروا الذهاب جهة النهر شمالا وقد تركونا، إني أخاف أن يصيبهم مكروه فأبكي عليهم دما وأكون ملامة، وإن لم يقل لي الناس شيئا.
مسح على رأس أخته التي اعتراها الخوف فخفف عنها دون أن يكترث لحاله، فقد شعر رأسه يكاد ينفجر ألما.
أغلق عينيه بصعوبة ليوجه نظره أمامه، كان نور خافت يظهر من بين الشجيرات الملتهبة، امرأة تحمل سهما وتبدو أنها تبحث عن أحد، كان يتبعها عدة رجال حرصا على سلامتها. رأى شين في انعكاس أشعة الشمس الخافتة على الهانفو الخاص بها واحمرار السماء بصيص أمل.
صاحت أخته الصغرى بخوف: إنها نفسها!
انتصبت نظراتهم عليها بحيرة، فأكملت بحنق: إنها سبب دمارنا، هي ومجموعة رجال كانوا يطلقون السهام، رأيناهم أنا وسي زهو قبل قليل، في طريقنا لإخباركم، تفرقنا وبدأت هذه الفوضى. ولم نستطع حين اجتمعنا أن نبلغكم بما رأينا!
عادت بها ذاكرتها إلى اللحظة التي حاصرها فيها سي زهو عند الشجرة، وقد كان خشية أن يراهم أولئك الجنود فيقتلوهم.
أعاد شين نظراته نحو تلك المرأة، وأسرع ليتبعهم آمرا أخته بأن تبلغ بقية أهل القرية بما حصل، لكن كيو غو استوقفتها قائلة: سأذهب أنا!
تفاجأ الكل من ردة فعلها فقد كانت نظرتهم إليها سيئة.
رفعت جي سيون عينيها نحوها عاقدة حاجبيها، وقبل أن تنطق شيئا قاطعتها كيو غو قائلة: وهل ظننتِني لا أفكر بأحد غيري وغير أختي؟ لو كنت كذلك لما حملت تلك اليتيمة فوق ظهري وقدماي ستبتر...
ركز شين في كلامها فقال بتعجب: يتيمة؟
أجابته بعد دخولها وسط الحشود: جان سو...
رُسمت تعابير الحيرة على محياهم، فاتسعت عيون هان رين لتكرر: جان سو؟
لم تجبها كيو غو واكتفت بالصمت حتى اختفت من بين الناس.
ووسط تعجبهم، قطع شين حبل أفكارهم قائلا: ليس وقت الشرود، حين نعود سالمين سنسألها!
أومأت جي سيون، لينقل نظراته بين أختيه فتذهبا كذلك بحثا عن أمهما وأبيهما.
بقت هان سو تفكر، وقالت في قرارة نفسها: هل سنعود سالمين؟ هل لي أن أعيش بسلام فعلا؟
لا أرغب بالموت ولا بموت أي أحد، إنني... أرغب فقط بعائلة آمنة وحياة سالمة وأكون فيها حرة طليقة، لا حبيسة أسيرة...
انعطفتا في أحد زوايا القرية، لتقابلهما أمهما وبجانبها كان يقف أبيهما عاقد الذراعين محتارا.
سارعتا نحو أمهما وأبيهما واحتضنتاه بقوة، بادلهم أبوهم وشد ذراعيه حولهم، ليردف بنبرة يائسة: يقولون في وقت الشدة يفر المرء من أمه وأبيه وصاحبته وأهله أجمعين فيحرص على سلامته لوحده دون أدنى تفكير...
شياو لين بحزن ونبرة آملة: من يفر من الذي يتقبله في كل حالاته، ستفر منه الحرية التي هي حق للجميع...
دفء عائلي، يرجون أن يُعاد جمع شملهم، لكن الدنيا لا تعرف السعادة الأبدية، فالإنسان بحد ذاته ليس أبديا، وهنا يأتي شيء يحطم الآمال كليا، ما لم يضعوه في الحسبان...
سهم ليس بمشتعل، لكنه حاد و أحد من نصل السيف، يمر على حين غرة ودون سابق إنذار فيكاد يصيب شياو لين، فيكون هان لاو درعا لها...
اخترق السهم ظهر هان لاو، ليبصق دما ويلطخ شياو لين، وعلى وجه بناته يسيل، والدموع تنهمر بصمت كالمطر في الليلة الخرساء...
يا ليت السعادة تدوم.
Safwa