بين ليلة و ضحاها

بين ليلة و ضحاها

28 0

بين ليلة وضحاها

على حين غِرّة، سهمٌ مرّ بسرعة البرق ليخترق ظهر هان لاو. أغمض عينيه بصعوبة لشدة الألم، أراد الصراخ لكنه لم يستطع، كان الألم شديدًا ولم يحتمله.

أصابت دماؤه وجه ابنتيه وزوجته، فلتت صرخة من بين شفتي شياو لين، شعرت بناتها حينها أن كل شيء أصبح بلا صوت، الناس تدفع بعضها بعضًا وتصرخ، لكن آذانهن حجبت عن الصراخ باستثناء صرخات أمهنّ المحتارة.

سقط أرضًا، لتجلس بجانبه زوجته أولًا، وبناته ثانيًا.

لفظ آخر أنفاسه بين ذراعي شياو لين التي قالت وسط شهقاتها ودموعها:

"رجاءً، لا تمت! إنني أترجاك، لا ترحل وتتركني!"

لانت ملامحه، ونظر إلى السماء بحنين مردفًا:

"آه! ليتني تمعنتُ أمس في الغروب، سأشتاق إليه!"

هان رين بحزن: "ونحن يا أبي؟"

هان لاو بصعوبة: "أنتم... سأراكم من السماء!"

حمحم ليكمل كلامه بنبرة متألمة: "ستكونون مثل الطائر، تحلّقون عاليًا!"

ثم أغلق عينيه بسلام، وأحسّت شياو لين أن ذلك السهم اخترق قلبها كذلك، فصاحت دون جدوى...

فعلاً، هذه المرة لا حياة لمن تنادي. جسد بلا روح، والفرق بينه وبين من أطلق السهام أنه فارقته روحه، أما قاتله وسبب المجزرة فقد قلبه.

صاحت الابنة الصغرى بكل ما أوتيت من قوة، لتردف أمها:

"وأنت بلا روح، وأنا بلا حرية، نتشابه لكننا لا نلتقي... يا خليل الروح، لماذا فارقتني؟! وأنت كنت لي بالأمس سندًا..."

فارقته الحياة، أما هي ففارقتها الحرية. وجهان لعملة واحدة.

اتسعت عينا شين حين رأى ذلك المشهد. وقف على بعد أمتار من جثة والده التي تحتضنها أمه، وبجانبها أختاه تبكيان، للأرض تلطمان، ودماؤهما تختلط بالدماء حولهما، ووجوههنّ حمراء من البكاء، وأفواههنّ مفتوحة بالصراخ.

فرت عيناه من ذلك المشهد الذي جعله يتمنى أن يكون في كابوسٍ يستيقظ منه، لكنه حين أعاد النظر ببطء شديد، وجد أن الحقيقة ثابتة لا تتغير.

مهما عاش الإنسان حياة سعيدة، سيأتي الحزن لا محالة.

وذلك الحزن هو ما يسبب التوازن.

فالدنيا دار متاعب، وإن كانت سعادة خالصة فلا يمكن الاستمرار بالعيش.

الدموع لم تُخلق عبثًا، بل للتعبير عن المشاعر، ومن المستحيل أن تكون لشعورٍ واحدٍ فقط.

تقدم ببطء حتى وصل أمام جثمان والده، وأمه اليائسة، وأختيه الباكيتين. قرفص بجانبه بصمت وقال بنبرة هادئة بائسة:

"ولو بكيت دمًا عليك لن تعود... لكنني سأنزف دمًا لألحقك، أيها الحنون..."

لبرهة، عمّ الصمت المكان. أحسّ السكان أن إطلاق السهام قد توقف، لكن حين تمعنوا في المكان، اعتلت محياهم ملامح الرعب والصدمة.

"كنا نركض فوق بعضنا كـ... كالحيوانات!"

تعجب الجميع من صراحتها، صراحة عجوز خُضبت ثيابها بالدماء.

كانت تقف أسفل شجرة، ليست بالكبيرة ولا الصغيرة، احترق جذعها، والأرض من تحتها، وتلطّخ الجلنار فيها بالدماء.

وقفت العجوز شامخة، لكن في نبرتها رهبة. لم تترك أثرًا في السابق، فلم يتعرف عليها أحد، كانوا فقط يلمحون وجهها من حينٍ إلى آخر.

أتت وكأنها تجسّد شيئًا ما، كأنها تمثل القدر، أو الحقيقة للبشر، تُريهم همجيتهم، وماذا يفعل الخوف بالعقل والمنطق.

ونادى منادٍ من أهل القرية:

"مالي لا أرى ابني؟!"

فينادي آخر باحثًا عن زوجته، وآخر عن ابنتيه، ورابع عن والديه...

وقف شين من مكانه بهدوء، يلتفت يمينًا وشمالًا، ثم صاح فيهم:

"أنتم حمقى! قتلتم بعضكم!"

وقفت شياو لين من مكانها ممسكةً بكتف ابنتها، مربتة على ظهرها.

"شين، لا تتسرع، أين ستذهب؟"

استطاع شين رؤية صمود أمه حتى في أصعب الأوقات، عبرة مكتومة خنقتها، حاول أن يبددها ممسكًا بيديها، مرر إبهامه على معصميها وقال بهدوء:

"لا تقلقي يا أماه، سأفعل شيئًا واحدًا فقط..."

ألقى نظرة أخيرة على جثة أبيه، تجهم وجهه، ثم تمعن في أختيه اللتين هدأتا قليلًا.

ترك أمه، وحين كان سيغادر استوقفته لين لينغ ممسكة بذراعه بسرعة:

"رجاءً، ساعدني! لم أجد ابنتي، لم أجد ابني، لم أجد أي فرد من عائلتي!"

تصلب شين مكانه، جال بنظره في الأرجاء، ثم أنبَسَ:

"يا خالة، ابحثي عن تلك العجوز، لم أرها منذ إطلاق أول سهم..."

ثم استأنف حديثه وعيناه قد ضاقتا:

"أما أنا، فسأتجه إلى آخر حلّ... فتذكروني دائمًا."

ثم رحل راكضًا. مدت لين لينغ يدها لتوقفه، لكن لسانها انربط ولم تنبس بحرف.

مسحت دمعة عابرة وهمست:

"وداعًا... ولا تقلق، لن ننساك أبدًا..."

اختلط عبير الغابة والأنهار برائحة الجثث والدماء. مزيج بين رائحة زكية كالمسك، و أخرى خانقة كالدخان.

تلاشت الشمس بين الغيوم حتى لا تشهد على أي مجزرة، ليشعر البعض أنها رحلت عن سمائهم ولن تعود حتى تستعيد القرية حالتها التي كانت عليها، ولا تسمح بمجزرة أخرى أن تحدث.

قصّت إحدى النساء ما حصل للينغ، ودعتها إلى مواساة شياو لين.

قد هدأت الحالة قليلًا، لكن الجو بقي مشحونًا بطاقةٍ سلبية.

تأملت شياو لين السماء، بينما جثة هان لاو ما زالت على حجرها، تمسح بلطف على وجهه الخالي من الروح.

قرفصت لين لينغ بجانبها دون أن تنبس بحرف، لكن شياو لين قالت بنبرة صامدة أخفت حزنها وتعبها:

"هل وجدتِ ابنتك؟"

اتسعت عينا لين لينغ، وامتلأتا بالحنان والحيرة والإعجاب، لتردف وهي تراقب السماء معها:

"كلا، لم أجد أحدًا... وكأنني لا أملك عائلة..."

أومأت لها شياو لين، غير قادرة على مواساتها، فهي الأخرى تحتاج من يساندها، لكن الجميع بالكاد يقفون بثبات.

~ حيث الجاني ~

بعيدًا عن الدماء والجثث، سارت امرأة مع جنود تحمل سيفًا تتقدم به بحذر بين الشجيرات.

"سيدتي، هل علينا قتل المزيد؟"

أجابته دون أن تلتفت، بنبرة باردة كالجليد:

"سنقتل بعض الشباب..."

أومأ الرجل بينما أمر الجنود بإشارة من إصبعه حتى يفترقوا ليقتلوا المزيد.

"هل تبحثين عن شخصٍ معيّن، سيدتي؟"

سألها الرجل نفسه، فتأففت وهي تقول بملل:

"أرغب بقتل شخصٍ واحد، والبقية فليذهبوا إلى الجحيم."

أومأ من جديد وتجنّب طرح ما في جعبته حتى لا ينتهي به الأمر جثة هامدة.

كانت تلك المرأة هي المتسببة في كل شيء، قائدة من البلد المجاور، تسعى لضم هذه القرية إليهم.

بلغت أرضًا واسعة، كانت ساحة يمارسون فيها قتالات مختلفة في المهرجانات، أما الآن فقد باتت مقبرة بائسة بعد أن كانت مفعمة بالحياة.

تقدمت ببطء لتتأكد من عدم وجود أشخاص، حتى رأت ساحة اجتمع فيها الجميع. كانوا أحياء، ولا وجود إلا لجثة واحدة؛ جثة هان لاو.

جالت بعينيها حول المكان والرياح تداعب خصلات شعرها، حتى وقعت نظراتها على شين الذي كان يمسك سهمًا ويراقب المكان.

تقدمت نحوهم والجنود محيطون بها لحمايتها. رفعت سيفها لتضرب به أول من قابلته، وكان طفلًا صغيرًا لا ذنب له.

رفعت ذراعيها ، متجاهلةً بكاءه وترجيه، وقد كان حائر مما يحدث، مازال صغير ليواجه هذا المصير... أنزلت سيفها لتشق صدره، لكن يدها تهاونت.

أغمض الطفل عينيه ظنًا منه أنها النهاية، لكنها كانت بداية لمجزرة جديدة.

تناثرت الدماء الباردة على وجهه فصرخ، لكنه حين تفقد جسده ووجده سليمًا، رفع نظره نحو المرأة فاعتلت محياه ملامح الصدمة؛

لقد اخترق سهمٌ عينها!

أحاط أحد الجنود خصرها حتى لا تسقط، لكنها تشبثت بآخر أمل لتعيد الكرّة، إلا أن هذه المرة سقط سيفها أرضًا وكادت تُغشى عليها.

وجد الفتى وقتًا مناسبًا للهرب، فانطلق بكل ما يملك من سرعة نحو تجمع السكان.

"أيها اللعين!"

همست بحنق وهي تتوعد من أطلق السهام نحوها.

ازداد نزيفها، فأسرع أحد الجنود لإحضار الطبيب.

"تماسكي سيدتي!"

لم تقدر على إجابته، فقط قالت بصوت خافت:

"هل رأيتَ من فعلها؟"

لم يأتها صوت الجندي، فازدادت غضبًا، فأجابها جندي آخر:

"نعم، رأيت!"

أجابته بعد أن اعتدلت:

"خذني إليه..."

كانوا يجلسون وسط القرية، لكن لم يتواجد أحد هناك، فقط هي وجنودها والطبيب الذي يحاول تضميد عينها، بينما هي بالكاد تستطيع الحراك.

•••••••••••

بقي شين يحرس المكان، حتى انقشعت الغيوم وأنار القمر العتمة أخيرًا.

فكر بما حصل، ووجد أن الحديث مع أمه التي رُمّلت، وأختيه اللتين يُتّمتا، أفضل.

ترك شخصًا آخر مكانه، وتقدم نحوهم.

كان أحد السكان يكاد ينفجر غضبًا لعدم تواجد العجوز دان ري ومن معها من مسيري القرية.

أغمضت كيو غو عينيها وهي تتكئ على شجرة هناك.

"اخرس أيها العجوز، ابحث عنها في مكان آخر! فعلاً، يجب أن تتواجد، لكن لا تكسر رؤوسنا بتحليلاتك الغبية!"

كانت نبرة كيو غو متعبة، رمقها الرجل بحدة، لكن سرعان ما تدخل شين ليسأل عن أحوالهم متجاهلًا ما حصل.

جلس شين بجانب كيو غو، راقب وضع الجميع قبل أن ينبس:

"لقد كنتُ السبب في عمى شخص..."

تفاجأت أمه من قوله، فسألته بقلق:

"من؟ كيف؟ ولماذا؟"

"قد كانت المتسببة في كل شيء، امرأة من عند العدو، أرسلوها لتمثل القتل والهمجية بأبهى صورها."

صمتت شياو لين، ولم تعاتبه، فقد كانت من أفراد العدو، فقط اكتفت بقول:

"ثم ماذا حصل؟"

فتحت كيو غو عينيها وهي تتمعن في شين قائلة:

"احذر، فإن لم تفعل شيئًا، فهذا فقط تمهيد لما سيقع، علاوة على ذلك، لا تنسَ تغيّر حالتنا بين ليلةٍ وضحاها!"

أجابها شين بنبرة مطمئنة:

"بسبب هذه الحالة أنوي ذلك... أنوي أن أدافع عن أرضي وأهلي حتى آخر رمق".

اومأت كيو غو متفهة الوضع. و بعد برهة مرّت ساد الصمت فيها، أردفت كيو غو بتعب و حنين:"بين ليلة و ضحاها، تتغير الأحوال..."

أكمل شين و هو يجلس بجانبها:"وبين ليلة و ضحاها، ستعود المياه إلى مجاريها. و ان لم أكن حتى ذلك الوقت، فعليك بجعل بزوغ فجر الحرية قريب..."

ابتسمت متابعة و هي تحدق بالسماء:"لا تقلق، هذه الحياة بأسرها، لن تبقى هكذا. الكثير سيروننا جهلاء بسبب تعلقنا بأساسنا. لكنني سأعيش بشكل طبيعي... لا وجود للاختلاف في قاموس حياتي. يوجد فقط العادي، الذي يعيش بشكل طبيعي. و سأكون كذلك، و سأعيد ما ينقصني..."

تنهدت لتكمل شياو لين بدلها:"الحرية، ستعود و ستبقى..."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أجنحة الحرية Wings of liberty

المؤلف Safwa
2025/08/13 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة