صراع الظلال

صراع الظلال

70 0

الفصل الثاني:

الليل يلفّ القصر، وصوت الريح يتسلل عبر النوافذ العالية.

جلس الأمير لين شياو أمام طاولةٍ تغصّ بتقارير الحرب، ملامحه هادئة لكن عينيه مشتعلة بالقلق.

1

فتح الباب بهدوء، ودخل باي رين ، الحارس الشخصي للأمير ، وانحنى احترامًا.

مولاي، الأخبار تنتشر بسرعة… يقولون إن خطة “هاولين” كانت فشلاً ذريعًا. الناس خائفون، والوزراء يستغلون ذلك ضدك.

لين شياو (بصوت منخفض):

كنت أعلم أنهم سيفعلون. لم ينتظروا حتى تجفّ دماء الجنود، وبدأوا يهاجمونني من القصر لا من ساحة الحرب.

باي رين (بتردد):

سمعتُ بعضهم يتحدث عن اقتراح قادم من الملك نفسه… زواج سياسي مع دولة “ياو”، كوسيلةٍ لتهدئة الوضع وإصلاح صورتك أمام الشعب.

رفع لين شياو نظره ببطء، وصوته امتلأ سخرية مريرة:

زواج لإصلاح صورتي؟ وهل الزواج يُستخدم لتغطية خيانة من هم في الداخل؟

صمت رين للحظة، ثم قال باحترام:

كما تأمر، سموّ الأمير. لكن كن حذرًا… العيون كلها عليك.

خرج باي رين بهدوء، وبقي لين شياو ينظر إلى ألسنة اللهب المتراقصة في المصباح أمامه، ثم تمتم لنفسه:

إذا كان الزواج هو سلاحهم… فليبدأوا الحرب الحقيقية إذن.

---

في قصرٍ محاطٍ بأشجار الخيزران والبحيرات الهادئة، جلست يو لينغ قرب النافذة، تمسك فنجان شايٍ لم يبرد بعد.

الهدوء يملأ المكان، لكن في عينيها كانت عاصفة لا يراها أحد.

دخلت وصيفتها مي شين بخفة، وانحنت احترامًا.

آنستي، وصلتك رسالة من مجلس الدولة. يتحدثون عن احتمال إقامة تحالف جديد مع دولة "مينغ"… وربما زواجٍ سياسي لتثبيت السلام.

رفعت يو لينغ نظرها ببطء، لم يظهر على وجهها أي دهشة، فقط ابتسامة باهتة تشبه الغموض نفسه.

زواج سياسي؟… إذن بدأوا باللعب من جديد.

مي شين (بحذر):

هل تعتقدين أن الأمير سيقبل؟ يقولون إنه مغرور، لا يخضع لأوامر أحد.

وضعت يو لينغ الفنجان برفق، وحدّقت في انعكاس وجهها على سطح الشاي.

كل شخص يظن أنه يملك الخيار… إلى أن يجد نفسه داخل شبكة لا مفرّ منها.

مي شين:

هل ستعارضين الفكرة يا آنستي؟

ابتسمت يو لينغ بهدوء غامض:

ولمَ أعارض؟ في بعض الأحيان، لا نحتاج إلى الرفض… بل إلى الصمت، حتى نعرف من الذي يحرك الخيوط من الظل.

اقتربت منها مي شين وقالت بخفوت:

لكن… إن تم الزواج فعلًا، فسيكون بينكِ وبين أميرٍ من دولةٍ معادية. ألا تخافين أن يكون فخًا؟

أجابت يو لينغ بنبرة ثابتة، وعينيها تلمعان ببرودٍ جميل وخطرٍ خفي:

الخوف هو ما يجعل الآخرين فريسة.

أما أنا… فقد تعلمت كيف أكون من يضع الفخ، لا من يقع فيه.

عمّ الصمت المكان.

خارج النافذة، تساقطت أوراق الخيزران على الماء بصوتٍ خفيف، كأن الطبيعة نفسها تنصت لكلماتها.

وفي تلك اللحظة، بدت يو لينغ كأنها تعرف أكثر مما تقول — امرأة تحمل سرًّا لا يُقال، ينتظر الوقت المناسب ليقلب موازين الدولتين.

---

في قاعةٍ فخمة تتلألأ فيها الأضواء على أعمدة الذهب، اجتمع رجال الدولة حول طاولةٍ مستديرة.

الوجوه متوترة، والهمس يملأ الجو.

جلس الملك لين باي شوان على العرش، يحمل في عينيه تعب السنين وثقل السلطة.

إلى جانبه وقف لين شياو، الأمير الذي ما زال وجهه يحمل جرحًا لم يندمل بعد — جرح الخيانة والاتهامات التي لاحقته بلا دليل.

تقدّم هان جين، صديق الأمير منذ الطفولة، بخطواتٍ حذرة، وانحنى أمام الملك.

جلالتك… لقد تأكدنا من أن الإشاعات التي تلاحق سمو الأمير ليست مجرد كلامٍ عابر. هناك من يدفع المال لينتشر هذا الحديث، وأغلب المصادر من داخل القصر نفسه.

ضرب الملك الطاولة بيده:

الملك لين باي شوان:

خيانة في القصر؟ من يجرؤ على ذلك؟!

تدخل أحد الوزراء محاولًا تهدئة الموقف:

مولاي، ربما المسألة مبالغ فيها، مجرد منافسة بين الحراس أو سوء فهم سياسي…

لكن هان جين قاطعه بحزم:

كلا يا سيدي. لقد تعقّبنا أثر الأموال، ووجدنا أنها تعود إلى ثلاثة من كبار المستشارين… تابعين مباشرةً لمكتب الدولة الشرقية.

ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة.

تجمّد الدم في عروق الحاضرين، حتى نظر الملك إلى ابنه بنظرةٍ طويلة، فيها خليط من الغضب والخذلان.

الملك لين باي شوان:

أتعرف يا لين شياو؟

أحيانًا، لا يكفي أن تكون بريئًا… الناس تريد إصلاحًا علنيًا لتنسى ما سمعت.

رفع لين شياو رأسه، وصوته منخفض لكنه ثابت:

أفهم ما تقصده، يا والدي.

لكن هل سيكون "الإصلاح" عبر زواجٍ لا أريده؟

نظر الملك إلى الوزراء وقال بصرامة:

القرار اتُخذ.

سيُعلن قريبًا ارتباط الأمير بفتاةٍ من الدولة الشرقية… ابنة أحد كبار الوزراء.

هذا التحالف سيُنقذ سمعة القصر ويعيد الثقة بين شعبينا.

تقدّم لين شياو خطوة إلى الأمام، عيناه تومضان غضبًا مكبوتًا:

زواج سياسي إذن… لعلاج جرحٍ لم أسببه أنا.

أدار ظهره، وصوته امتلأ مرارة:

أحيانًا يا أبي، الخطأ الحقيقي ليس ما يُقال عنا… بل ما نُجبر على فعله باسم الشرف.

غادر القاعة وسط صمتٍ ثقيل، فيما تبادل الوزراء نظراتٍ قلقة.

أما هان جين، فظل واقفًا في مكانه، يراقب ظهر الأمير وهو يبتعد، وكأن في قلبه يقين أن ما سيأتي… أعقد بكثير من مؤامرة.

وفي البعيد، كانت الرياح تحمل اسمًا واحدًا —

يو لينغ.

الفتاة التي لم تُذكر بعد رسميًا، لكنها ستغيّر مصير الجميع.

---

في قلب القصر الشرقي، جلست يو لينغ بجانب نافذة كبيرة تطل على الحدائق ، شعاع الشمس يتسلل بين أوراق الأشجار ليعانق وجهها الغامض.

يدها تتلاعب بخيوط من الحرير، وكأنها تخطط لشيء لا يراه أحد.

همست لنفسها بصوتٍ خافت، كهمس الريح بين الأشجار:

كل سر يُخبأ… كل خطوة محسوبة… وهم يظنون أنهم يمسكون اللعبة. الحقيقة أن الخيوط بيدي.

أغلقت النافذة بعناية، وتقدمت نحو الظلال خلف الستائر، حيث الغموض يكتسب حياة ويصبح قوة.

في الخارج، كانت الرياح تحمل اسماً واحداً في كل اتجاه:

لين شياو.

ابتسمت ابتسامةً لا تُفك رموزها، وعيونها تتلألأ ببريق الغموض، عارفةً أن القادم أعقد وأكثر إثارة، وأن لقاءها بالأمير سيكون لحظة تغيّر مجرى الأحداث بأكملها.

صمت القصر احتضن خطواتها، كأن كل زاوية تهمس بوجودها، وأن أسرارها لن تُكشف إلا في الوقت المناسب.

---

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سر هاولين\'

المؤلف رونـج
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة