صدى الرسالة

صدى الرسالة

61 0

الفصل الثالث:

كانت الليلة تميل إلى السكون، غير أن السكون في قصر الأمير لين شياو لا يعني السلام.

جلس قرب النافذة، والبرد يلتف حوله كذكرى لا يريد نسيانها.

عيناه تحدّقان في ظلال القمر التي تنعكس على السيف المعلّق أمامه، سيفه الذي لم يفارقه منذ الحرب.

كلما نظر إليه، تذكّر ممر هاولين، وتذكّر الدماء التي سالت رغم محاولاته لإنقاذ الأبرياء.

فتح باب القاعة بهدوء، ودخل هان جين، صديقه القديم، وهو يحمل في يده مجموعة من الأوراق والملفات المزخرفة بأختام القصر.

كانت تلك تحضيرات الزفاف المرتقب بين الأمير وفتاةٍ من الدولة الشرقية.

لكن وجهه بدا متردداً، وكأن قلبه يرفض أن يكون رسولًا لهذا الخبر.

هان جين:

أحضرتُ الأوراق التي طلبها القصر، تخص الزفاف الملكي… يبدو أن الملك يريد أن تتم المراسم خلال أيام.

لين شياو (بصوتٍ منخفض وهو يشيح بنظره عن الأوراق):

زفاف... لم أختره، ولا أريده.

أحيانًا، أشعر أن هذا الزواج ليس للسلام… بل لدفن الحقيقة.

هان جين:

تقصد ما حدث في ممر هاولين؟

لين شياو:

نعم. هناك شيء ناقص، شيء لم أفهمه بعد.

من الذي أعطى الأوامر بعبور المدنيين في تلك الليلة؟ من الذي سرّب موقعهم؟

(يتنفس بعمق)

الكل يقول إنها مجرد "خطة فاشلة"، لكني أشعر… أن الخيانة كانت أعمق من ذلك.

سكت الاثنان، والصمت صار أثقل من الكلام.

كان صوت الريح يتسلل من بين نوافذ القصر، كأنه صدى الماضي يعود لينذر بشيء قادم.

خارج القصر، مرّ خادم يحمل لفافة صغيرة من الورق مختومة بختمٍ غريب، لا يحمل شعار الدولة ولا القصر.

تقدّم نحو باب الأمير وقال بخفوت:

مولاي، وصلت هذه الرسالة قبل قليل. لا اسم عليها، لكنها أُرسلت إليك مباشرة.

أخذها لين شياو بحذر، وكأنها تحمل سرًّا من زمن بعيد.

فتحها، فإذا بخطٍ دقيق وجميل يقول:

"ما حدث في ممر هاولين… لم يكن خطأ العدو فقط.

راجع أوامر الليلة السابقة، وستعرف من كان في الظل."

(ختم غامض لا يحمل أي رمز معروف) !

تجمّدت نظرات الأمير على الكلمات، ويداه ترتجفان.

رفع عينيه نحو صديقه هان جين وقال:

هذه الكتابة ليست من القصر، ولا من أي مجلس رسمي. من يعرف هذا الختم؟

هان جين (يفحص الورقة):

لم أرَ مثله من قبل… لكن طريقة الكتابة، والعبارات… شخص يعرف ما حدث بالتفصيل.

لين شياو (بصوتٍ عميق):

إذا كانت هذه الرسالة حقيقية… فربما ممر هاولين لم يكن سوى البداية.

اقترب هان جين ووضع الأوراق على الطاولة، ثم قال بهدوءٍ:

هل ستؤجل الزفاف يا شياو من أجل التحقيق في القضية ؟

لين شياو (ينظر إلى الورقة):

لن أؤجله، لكنه سيتأخر من تلقاء نفسه.

هذه الرسالة ستفتح بابًا جديدًا… باب الحقيقة.

يضع الرسالة داخل درع معدني صغير ويقف، وعيناه تشعان بتصميمٍ لم يره أحد منذ زمن الحرب.

بعد منتصف الليل، كان لين شياو في قاعة الوثائق القديمة داخل القصر.

أشعل مصباح الزيت وبدأ يتفحّص سجلات الحرب القديمة، تلك التي لم يجرؤ أحد على لمسها منذ انتهت الحملة.

كانت أوراق الأوامر مرقّمة ومختومة بدقة… إلا أن هناك فراغاً بين سجل الليلة التي سبقت المذبحة وبين السجل التالي لها.

لين شياو (يهمس لنفسه):

الليلة السابقة... لا أثر لها... وكأنها مُسحت عمداً.

في تلك اللحظة، سمع صوت خطوات خفيفة خلفه.

استدار بسرعة، لكن الممر كان فارغاً… فقط ظلّ خفيف تحرّك خلف الأعمدة.

اقترب بحذر، فوجد ورقة صغيرة مدسوسة تحت أحد الأرفف.

كانت تحمل جملة واحدة فقط:

"من يبحث عن الحقيقة، عليه أن ينظر خارج أسوار قصره أولاً."

توقف لوهلة، ثم رفع رأسه نحو النافذة المطلة على المدينة.

في البعيد، أضاءت شعلة صغيرة على سطح أحد المباني العالية، تومض ثلاث مرات ببطء ثم تختفي.

كان ذلك — لمن يعرف الرموز العسكرية القديمة — إشارة اتصالٍ سرّي من حامٍ متمرّس.

---

في الجانب الآخر من العاصمة، كانت فتاة تجلس في حجرة ضيقة داخل نزلٍ شعبي، متنكرة بزيّ تاجر متجول.

وضعت الرسالة في حقيبة صغيرة، وخرجت من النزل متخفية.

الضباب كان يلف الشوارع، والليل يخفي وجهها تماماً.

---

في الصباح التالي، جلس هان جين مع لين شياو في قاعة الاجتماعات الخاصة.

أخبره أن الحراس رصدوا تحركات غريبة قرب السور الغربي، وأن أحدهم رأى شخصًا يرتدي زي الحرس الملكي القديم.

هان جين:

يبدو أن هناك من يعرف الكثير يا شياو.

لين شياو:

أرسل رجالنا ليتقصّوا الأمر.

(يحدّق في الختم الغريب أمامه)

لكن… لدي شعور أن من كتب هذه الرسالة لا يريد الإيذاء… بل التحذير.

هان جين:

وهل تثق في شخصٍ لا تعرفه؟

لين شياو:

أحيانًا، تأتي الحقيقة من أفواه الغرباء… لا من عروش الملوك.

---

مع غروب الشمس، تلقى الأمير خبرًا من القصر:

"بسبب ظروف غير متوقعة في الدولة الشرقية، تأجّل موعد الزفاف يومين."

ابتسم الأمير بخفوت، كأنه يعرف السبب الحقيقي وراء هذا "الظرف".

أخذ الرسالة السرية مجددًا، تأمل الكلمات بخطوطها الهادئة، وقال في نفسه:

لين شياو (بهمس):

أياً كنتِ… لقد منحتِني الوقت الذي أحتاجه.

ثم أغلق الستائر، ورفع بصره نحو الأفق حيث أضاءت الشعلة ذاتها مرة أخرى — ثلاث ومضات بطيئة.

عندها فقط، أدرك أن اللعبة بدأت.

---

"ليس كل من يختبئ في الظل عدوّاً… أحيانًا، يكون الظل هو من يحمي النور."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سر هاولين\'

المؤلف رونـج
2025/10/19 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة