"أحيانًا أتساءل إن كان في هذا العالم ما يتغير حقًا، أم أن كل يحدث هو تبدّل الوجوه على ذات المسرح. الأيام تمضي بلا أثر، كأنها تُمحى لحظة حدوثها. حتى ضجري نفسه بات مألوفًا.
لا أعلم ما الذي أرجوه، لكني بتُّ أتوق لشيء مختلف، شيء يشق هذا السكون حتى لو كان فوضى."
- من مذكرات شاهين الثاني آل هرون.
****************************************
كان يجب أن يقتله.
أو على الأقل، يوقفه قبل أن يطعن كرامته أمام النخل والشمس.
"هزيمة أخرى!".
خاطبه عبد العزيز، شقيقه الأصغر، بحدة.
حدَّق به شاهين، لو كان الكلام يجدي مع عبد العزيز لرد عليه، لكن بما أن الرد مضيعة جهد ووقت، آثر الأخ الكبير الصمت. وعاد يصب تركيزه على إبقاء نصله المرفوع ثابتاً أمام هجمة الآخر.
حين طال الصمت، تقلصت قسمات عبد العزيز في ضيق، زفر مضيفاً بين أنفاسه المتصاعدة: "عزان يهدر وقته. تساهلتُ معك في هذه الجولة".
بعدها ازداد ضغط عبد العزيز على نصله، احتك السلاحان وهدير كالبرق عم الحديقة الرملية.
ووجد شاهين نفسه يركز ثقله على قدميه، ووجع لا يطاق تفشى بساقه اليمنى، صك على أسنانه، لكن بالنهاية خذلته قدماه الواهنتان وتزحزح بعض خطوات، استغلها عبد العزيز ودفعه لينهار شاهين أرضاً على يمناه، وصرخة ألم تسللت منه. ما عاد يحتمل الوجع المتزايد.
دفع عبد العزيز نصله بعيداً حين مد يده ليسترده، حافة سلاحه الموجهة نحوه حاصرته واحتجزته بمكانه. رمش شاهين بخفة ليدفع البلل عن مقلتيه، وثبت نظره على شقيقه الواقف فوقه.
فلينتظر للأبد، لن ينطق بما يريده عبد العزيز مهما تمادى الأرعن.
نسمةٌ باردةٌ عبرت الفناء المهجور، فتأرجحت لها أشجار النخيل المحيطة بالدكة الحجرية، حيث كان شاهين جالسًا قبل أن يباغته عبد العزيز.
تمايلت خُصَل عبد العزيز الفضية مع الريح، لهث كما يلهث شاهين، وكأن الحر القائظ ضاق على صدرَيهما معًا.
كم يشبهه! ذات الوجه الطويل، والأنف الدقيق المعقوف، والذقن المدبب... ملامح والدهم تكرّرت فيهما في تطابق مذهل، وفارق السن الضئيل بينهما زاد التشابه حتى كاد يُطمس. كان الابن الثاني ويكبر عبد العزيز بعام ونصف ولم يغفر له أخوه ذلك الفارق قط. شئ واحد يميز بينهما، وكم تباهى أخوه الأصغر بهذه النقطة: لقد وُلِدَ صحيح الجسد وبهبة بينما كان غياب وشم لقمان المقدس على ذراع شاهين بعد مولده، نذيراً يفصح عن لعنته وافتقاره لهبات بني لقمان. لم يكن متحكم أدوات كسائر إخوته.
مس طرف النصل رقبة شاهين وبقي هناك، في تحذير صامت كما قدّر شاهين، وهو يدرس العبوس الذي طغى على ملامح وجه شقيقه الوسيم واختلاج فمه.
أين الاعتراف المخزي الذي هاجمه لأجله؟، في عيني شقيقه القاسيتين لمح شاهين السؤال يتكرر بلا رحمة. لاذ شاهين بالصمت في شموخ، لن يغذي زهو عبد العزيز بنفسه ليكتمل المشهد. مشهد الفارس الموهوب الذي يصر الابن الثالث لآل هرون على تقمصه.
بضغطة خفيفة منه وخزت الشفرة الحادة وخزت عنقه، واجتذبت معها قطرة دم فضية، تأملها شاهين، تلاشت أنفاسه لوهلة، ولم يخطأ الرضا الذي ملأ وجه عبد العزيز إثر ذلك، ابتلع ريقه، إلى أين يأخذه عناد شقيقه الأصغر؟.
مرر عبد العزيز طرف سلاحه على رقبة شاهين بخفة، وكأنه ينحره، محاكياً لما يجري على أرض المعركة، ابتسامة هازئة زينت فمه، لمعت عيناه الخضراوان وهو يعلن: "لن يجد العدو صعوبة في سحقك، إن هي إلا ثلاث دقائق من مهاراتك المتدنية. ألا توافقني الرأي يا شاهين الكبير؟".
"ازح ذلك النصل. فوراً."
صدح صوت جهور وغمر المكان، صوت يعرفه الرجلان جيداً، محال أن تُنسى نبرة اعتادت انتزاع الطاعة حيثما حلت. كل شئ استحال لسكون بعدها، كسره صوت الخطوات عبر الفناء، الإيقاع القوي الذي يعرفه فلك كيوان بأكمله وتربى على توقيره، لا أمر بعد أمر سهيل بن عبد العزيز آل هرون....كانت المقولة السائدة بين العائلة والرعايا.
وراقب شاهين شقيقه يجمد، لا يجرؤ على الالتفات، نظراته المرتبكة لا تستقر على شئ، وكانت مقلتاه، المطابقتان لعيني شاهين، مرآة لما في صدره: توجس، يرافقه اضطراب عند انكشاف الذنب. لقد ضبطهما والدهما بالجرم المشهود: الخرق الواضح لتعليماته. ألم ينهَه عن إجهاد نفسه بعد عمليته الأخيرة؟، ألم يلزم عبد العزيز بتدريبات مطولة؟.
"عبد العزيز. الآن".
بلغهم صوت والده ثانية، مصحوباً بلهجة اهتز لها جسد عبد العزيز بأكمله، الذي اختلس نظرة من وراء كتفه، كان والدهم قد قطع نصف المسافة. بوجه منقبض، شفتين مزموتين، وعينين ضيقتين. ملامح أبيهم لا تبشر بخير، لابد من أن شقيقه استوعب ذلك، فقد ارتخت قبضته المتصلبة عن مقبض سلاحه.
شاهين لم يرَ والده. لم يحتج. الاستياء كان بارزاً، من تلكؤ عبد العزيز؟ أم من انكشاف ضعفه؟ لا فرق.
أمامه أمر أهم.
انتهز شاهين توتر عبد العزيز اللحظي، استجمع قواه رغم الألم الممض واستهدف ركبة شقيقه في ضربة حاسمة.
الكلمة العليا ستكون له على الدوام.
ضربته لم تكن قوية، لكنها مباغتة. اهتز جسد عبد العزيز، واختل توازنه لوهلة. كاد يهوي، تمايل، ثم ثبت نفسه بصعوبة. وحدج شاهين بنظرة مطولة، ردها له الأخر أضعافاً مضاعفة، ومحملة بعهد ثقيل: لنا عهد آخر.
تحرّك عبد العزيز، بدا كأنه يتجه إليه، وربما ليردّ الضربة ـ أو ليقول شيئًا ـ لكنه لم يتمكّن من المضي أكثر من خطوتين.
كان أبوهم قد تقدّم في اللحظة ذاتها، بخطى ثابتة، ومهابة لا تخطئها العين.
اصطدم عبد العزيز بجسد والدهم الضخم دون قصد، ارتدّ كمن لُطم، وتراجع متعثرًا بخطوتين.
تعلقت أنظار شاهين بوالده. وكأن الزمن انعقد فجأة، وانكمشت الأصوات، بهتت التفاصيل حتى لم يبق سواه هو. سهيل الرابع آل هرون، سيد فلك كيوان، وحامل عين لقمان. بكامل حلته وأبهته، بنطال جلدي فاخر عانق ساقيه الطويلتين، سترة داكنة من المخمل الفخم وقد تخللتها خيوط ذهبية دقيقة، برزت بحدة تحت أشعة الشمس القارصة. كان عاري الرأس، دون قلنسوته البيضاء المعهودة، و الريح تداعب شعره الفضي القصير بخفة.
خطا شقيقه بعيداً عن والده، وتحديقه الحاد. أحنى رأسه وتحدث على عجل: "أبتي."
استدار سهيل دون كلمة، ناحية شاهين المنهمك بمحاولاته العقيمة للوقوف، ساقه اليمنى تأبى الثبات وتستلم لضعفها والوخز العاصف. دائماً هي، لعنته، وصمة عاره الأزلية. صك أسنانه وحاول مجدداً، خذله جسده المنهك واشتد الألم.
وقف سهيل أمامه، عيناه الخضراوان تستقران عليه، كان يتأمله وتقافزت دقات قلبه. ما أقبح مظهره. الرجال العظماء كسهيل لا يُنجبون عبئًا مثله. أبناؤهم يجب أن يكونوا كعزان: جلمود قوة، أو عبد العزيز: شهوة نصر، أو رضا: آلة لا تكل. أما هو؟ لا أحد. مجرد فراغ بين أسماء لامعة.
مد سهيل يده ومال عليه، بهدوء نطق: "هيا. إليك يدي."
حدق شاهين باليد الممدودة، الأصابع الطويلة المرصعة بخواتم ثقيلة لا حصر لها ولا عدد، وبينها برز الخاتم العريض، بفصه الياقوتي الضخم ونقش العين، لا تخطئه الأبصار أو تتناسى معناه: عين لقمان، ختم سارين المقدس.
السادة يستحقون أبناء قديرين. همس صوت خبيث بداخله.
هز شاهين رأسه ببطء، ودفع يد والده برفق.
"أبتي.". ناداه شاهين بتردد، قبل أن يضطر للسكوت.
استجمع أنفاسه لمحاولة أخيرة.
" أمهلني دقيقة."
تخطى والده اعتراضاته، يده اليمنى انسابت حول ظهره، في اللحظة المناسبة لإيقاف سقطة مدوية. أسنده سهيل بجسده، ويسراه امتدت للأمام لتثبت شاهين.
وتجنب شاهين النظر إليه. مدركاً لما سيراه ويمقته. لا أحد من إخوته الثلاثة كان يتلقى تلك المعاملة...معاملة الدمى الهشة التي يُخْشَى انكسارها في أي لحظة.
غمر البلل بنطاله القطني. دم فضي، بضع قطرات، غالباً انفتح جرحه.
"داغر!، إلي بكرسي شاهين. الآن.". أمر سهيل إذ لاحظ النزيف.
"أمرك، يا صاحب السيادة.". جاء رد الوصيف المسن من مكان ما خلفهم، وتبعه صوت خطواته المسرعة.
رفع شاهين بصره، يتفادى جرحه، وحينها لمحها. أمه، أو كما تحب أن تُنَادَى: السيدة منال بنت رضوان آل مرقع، زوجة السيد سهيل، و أم عزان، عبد العزيز ورضا. والقدر فرض عليها أن تلده وتصير أمه.
"هل تؤلمك بشدة؟.". سأله أبوه وهو يضغط على الجرح. لم يلاحظ زوجته بعد، لم تفضحها خطواتها الناعمة على الرمال.
"هناك... دائماً ألم." تمتم شاهين بشرود. حري به أن يتوقف عن التحديق بها، ليس محور اهتمامها على أي حال، ولن يكون أبداً. فها هي تسرع الخطى وتهرول بقدر ما يسمح به زيها، المكون من فستان حريري منفوخ، وقبعة مخروطية عالية...الشائع بين نسوة العوائل المؤسسة.
"عزيز.". لهثت منال.
تجاوزتهم بلا أي اعتبار ومضت لتقف بجوار عبد العزيز، شقيقه الصامت مطأطئ الرأس، المنتظر لإذن والده بالنهوض.
"أماه.". كسر عبد العزيز سكونه المريب وحياها.
مست منال ذراعه بخفة، وتقدمت تحجبه عن أنظاره، التحمت مقلتاها الزرقاوان المحتدتان بهيئتهما، هو ووالده.
داغر وبشير ساعدا شاهين على الجلوس بكرسيه المتحرك. بشير، وصيف شاهين، انحنى يتفحص جرح سيده بعناية. كان بشير يعرف شيئاً أو شيئين عن التمريض والرعاية.
استقام أبوه في وقفته، عاد وجهه لثباته المعهود، عيناه الساكنتان تحت حاجبين متهدلين، تجولت بين الأم وابنها. ارتفعت يده ببطء، وأشار بكفّه نحو الأرض. فركع عبد العزيز فوراً.
"إذن؟". استفسر متحدياً.
لم يجبه أحد، فاستطرد بذات الهدوء: "أين أنت الآن يا عبد العزيز؟."
"أبتي.....مجرد مبارزة بسيطة، هو من سعى لذلك.". تدافعت الكلمات من فم عبد العزيز.
"أجبني!.". هدر سهيل فجأة، وجفل الجميع، سقطت الضمادة من يدي بشير.
"سهيل!". صاحت منال، صوتها المرتفع لم يكن يضاهي نبرة والده.
"صمتاً!. لا شأن لكِ هنا". زجرها والده، ثم أضاف موبخاً بصوت أعلى: "دائماً ما يجد دعمك في مصائبه، يعصيني ويختبئ وراءك.".
"أبتي، اعذرني..".
"مجرد نزوة صغيرة، أتحاسبه على....".
شد عبد العزيز ثوب منال يمنعها من اتمام احتحاجها، منحها نظرة سريعة ثم عاد يخفض رأسه، همس: "عفوك يا أبتي، عفوك، لا أمر فوق أمرك، أقسم لك."
لكن كل ذلك الخضوع لم يجد نفعاً مع والده، كم مرة تكرر هذا المشهد أمام شاهين: عبد العزيز يخطئ، منال تهب لنجدته، الاثنان يقسمان بأغلظ الأيمان على طاعة أبيه، ويظل الوضع كذلك لفترة حتى يزل أخوه مجدداً.
"أهذه هذه الرجولة بنظرك؟. أجبني!." زأر سهيل مرة أخرى.
"هل تأذن لي بالذهاب؟". تدخل شاهين، وقد استشعر بوادر مشادة عنيفة بين والديه.
التفت إليه سهيل، لم يكن شاهين ينظر إليهم حين قاطع والده، حشد صغير كان قد بدأ يتجمع حول الحديقة. شهود عيان على مشاكل العائلة.
"الألم لا يطاق". تمتم شاهين، يداه تعبثان بطرف سترته القتالية.
كذبة مستترة منه. غداً تنطلق الشائعات عنه وعن كونه أثار خصومة بين والديه. مجدداً وهو سئم ذلك.
أسند والده كفه على كتفه وضغط بخفة، تنفس بعمق وعاد يخاطب عبد العزيز بصوت حاول ضبطه: "لنا حساب لاحق. عد لتمارينك.".
حول حديثه لشاهين: "ليس عبد العزيز هو الغرض الرئيسي وراء قدومي...كنتُ...كنتُ أبحث عنك في الحقيقة.".
ثم أشار لبشير، ليبدأ بدفع الكرسي.
منال انحنت بجوار عبد العزيز، لتدمدم في أذنه: "أبليتَ حسناً، عزيز.".
راقبهما شاهين بتعاسة. منال وابنها المفضل، هو مجرد مراقب مستثنى من شؤونهما.
اهتزت شفتا عبد العزيز، وانقبض فكه. منال وضعت يدها على جانب وجهه ورفعته إليها، قالت بصوت مسموع هذه المرة: "عزيز!، يا فخري بك، غداً تقود كتيبتك الخاصة."
"هو لا يثني عليَّ. بتاتاً". غمغم عبد العزيز وهو يكافح لطرد الرعشة عن صوته، لم يسمعه أحد عدا شاهين ومنال التي مسدت وجهه.
"انهض، ليس هذا خطأك.". ومنحت مفضلها ابتسامة صغيرة، من النوع الذي لا يناله شاهين أو عزان أبداً.
"تجاهل غدره بي". أضاف عبد العزيز بخفوت. هاهو يحرضها ضده، كم يهوى شقيقه فعل هذا، كلما تدخل والده بينهما.
الخبيث.
"انضم إلي في رحلتي القادمة". عاد يركز مع والده، إذ تحدث إليه من وراء ظهره.
صمت مطول تبع مقولة والده، لم يرد شاهين المتخلف عنه ببضع خطوات، فاستدار أبوه وعلى وجهه توجس حذر، يعد نفسه لرد شاهين أو عدمه في هذه الحالة.
"بشير!". نادى سهيل وأسرع الوصيف يدفع، متوقفاً فقط حين بلغ السيد. لم يزح شاهين عينيه عن أمه وشقيقه، حديثهما همس لا يبلغه، لكنه يعرف أغلبه قلباً وقالباً.
مس سهيل ذقنه برفق، فعاد انتباه شاهين إليه.
"دورة المجلس الأربعيني، المقام بفلك كرمان. رافقني إليها".
شحوب طاغٍ استولى على ملامح شاهين، وعيناه اتسعتا. فتح فمه ليتحدث ثم أغلقه في عجز. أراد الاعتذار ولكن الكلمات خانته. محال أن يرافق والده للدورة، حيث يجتمع السادة وتستعرض العائلات المؤسسة سلطتها وأبهتها.
ازدرد شاهين ريقه، مترددًا. فأُبّهة الأب لا تخفت رغم السنين التي كبَتَته.
"شاهين؟". نبست منال مستنكرة، ثم نهضت تتقدم ناحيتهم، تجر عبد العزيز معها.
رمشت مستطردةً بلهجة كالفحيح: "هو منذ الأزل، أمِنَ الضروري أن تستعرض عارنا..".
انقطع حديثها حين انتبهت لملامح زوجها الحانقة. تمالكت نفسها وواصلت بنبرة أهدأ، أكثر وقاراً: "سيدي، أتحسب مشورتي بلا جدوى في هذه الأمور؟، لم تذكره في نقاشاتنا قط".
"ابننا ليس موضع نقاش أو مناظرة". ضغط سهيل كلماته، لم يكن والده في مزاج جيد...وبالأخص حين تكون منال بالجوار.
"خذ عزيز بديلاً له". ساومت منال بإصرار. أمه تحارب الاستسلام، وكانت هذه الخصلة تثير إعجاب والده في السابق ، في الوقت الراهن معظم عنادها موجهٌ ضد قرارات أبيه، فصار يمقته.
هز سهيل رأسه وعلق: "لا يزال على أعتاب المراهقة و...".
قاطعته منال: "ألم يطح بشاهين قبل دقائق؟."
زفر سهيل في حنق ظاهر. "اهتمي بشؤونك".
نطق بسرعة، نيته لا تُخْفَى: إنهاء هذه المحادثة العقيمة: "عزيزك، يطيح بصغيرنا رضا أيضاً، وتفسير ذلك بسيط رضا طفل ومن نعمة ربي عليه أنه يتقن حمل نصله. أما إجابة تساؤلك السابق فسهلة شاهين..."
توقف سهيل برهةً، عادت نظراته تتفرس في شاهين الجالس، وانكفأ هذا الأخير على كرسيه وكأنه يرغب بالاختباء، قبضتاه مشدودتان في حجره. أخيراً تحدث سهيل، إذ اختار كلماته بعناية وحذر: "لا يزال يتعافى".
أشاحت منال وجهها عنهم للحظات، بعدها ثبتت عينيها عليهما ورفعت ذقنها، طرفت بضع مرات، ولمح شاهين احتقان مقلتيها بالدمع، وخرج صوتها متحشرجاً: "حين يُذكر اسمي يضحكون....".
"والدة الابن المخزي"
اختنقت كلماتها: "هكذا ينادونني".
اكفهرت ملامح شاهين، بدأ جسده يرتجف. ووجم وجه عبد العزيز، مدركاً لواقع أن أمه تجاوزت حدود والده.
"أهذا ما ارتضيت لي؟ أعد النظر...".
"منال!". اندفع سهيل، وانخلع صوته كالسيف. "لا قول بعد قولي".
خفت صوتها كما ينطفئ فتيل، فقد ميزت تلك النبرة جيدًا.
"أتعين ذلك؟ أومئي إن كنتِ تفهمين."
أومأت منال ببطء، وقد التصق بصرها بالأرض، وقبضت على ذراع عبد العزيز كمن يتشبث بشيء أخير.
"لا قول...."
"رباه!، حتى صوتك...".
سكت سهيل، وفهم شاهين السبب، من حولهم ارتفعت الهمسات، ذعر؟ شماتة؟. الكثير من الأعين، الكثير من الجواسيس، غداً يسود خبر خلافهم الأخير بالفلك.
"كفى بهذا اليوم سوءاً". قرر سهيل وطفق يواصل سيره نحو بهو القلعة. داغر انسل وراءه كالظل.
"بشير. خذ سيدك لجناحه، واهتم به".
كان آخر أوامر والده.
*****************************************
كان جناح والده بأكمله في مزاج خشن. ارتجاج عنيف تفشى بباب المدخل حين وضع شاهين يده ليستأذن
والده بالدخول، شئ مستنكر في وجهة نظر الباب العتيق.
أبعد شاهين يده فهدأ الباب قليلاً رغم أنه كان لا يزال يهتز بخفة، سينتظر برهة قبل أن يحاول مجدداً.
نظرات شاهين توجهت إلى الأفق، يحاول تقدير الوقت. و عبر القنطرة العاجية المسقوفة المؤدية للعلية، حيث يقبع مسكن والده. كان المنظر مألوفاً لديه بعد سنين من المراقبة بالمنظار، وبهياً أيضاً كعادة الأشياء بسارين، بلاد الجن العليا، المعلقة بين الأرض السفلى والفضاء، حيث السماء صافية منذ الأزل، تتناثر عليها النجوم المشعة، وبريقها يمتد عبر أفلاك سارين وأحزمتها. بعيداً كانت الشمس تنحدر ببطء وتكاسل وكأنها تأبى الرحيل....كان متأخراً عن ميعاده مع والده، استوعب شاهين، يده اتجهت للمقبض في عجل.
انتفض الباب إثر لمسته، صعقة بسيطة عبرت من خلاله، وألقت بشاهين بعيداً عنه، تأثير تعويذات الحماية التي يحرص داغر على تحصين الجناح بها.
المباني في سارين تتشبع بهبات أسيادها، وتكتسب وعياً خاصاً بها، لها طبع ونوبات وسلوكيات. ذكَّر شاهين نفسه.
ففي شقة عزان التي تحتل معظم طوابق البرج الشرقي، كانت أرائك المجلس تتوجه من تلقاء نفسها لإجلاس الضيوف، والمناضد تتسابق لتقديم الضيافة بينما كانت الأواني والصحف تتكسر وتتصدع على الدوام، في صراع مميت حول من سيخدم السيد.
بالمختصر في قلعة قديمة كقلعة آل هرون، التي يشاع أنها شهدت وعاشت عهد الأباء المؤسسين، كل سلوك متطرف من الغرف يمكن تقبله والتعايش معه. لكن لا زال سلوك الجناح مستغرباً، ألم يتعرف عليه؟ محال فحضور شاهين يكاد يعادل وجود صاحب الغرف نفسه.
"لأن هذه القلعة تعرف أسيادها-". تسللت الذكرى لوعي شاهين بصمت، كإجابة غير مرغوب فيها.
"-وتعي بوضوح أنك لستَ منهم ولن تكون أبداً. يمكنك أن تتصرف مثلهم ولكن لعنة دمك ستفضحك بالنهاية، أنت وصمة عار على آل هرون وتاريخهم العريق، أنتَ ابن بلا دم ".
كلمات أمه الأزلية، قالتها في حادثة مشابهة، حين كان أصغر، لكنها علقت بذاكرته للأبد.
والدي لم يكن موجوداً وقتها، من الطبيعي أن يرفض الباب دخولي في غياب صاحبه، كل الغرف مؤتمنة على ممتلكات أسيادها. فكَّر شاهين مبرراً.
وكأنه مطلع على خفايا ذات شاهين، ويفهم أنه يفكر بسيدته. بدأ مدخل الجناح المقابل يرتعش، في نفور معتاد ومطابق لمشاعر صاحبته تجاه ثاني أبنائها.
تجاهله شاهين، وعاد يركز على الباب العنيد، قطع الماس التي زينت العاج المصقول بدأت تتوهج بخفوت، فالليل كان قد بدأ يحط رحاله في سارين، ورغم أن العتمة تكاد تكون مستحيلة في حضور النجوم، إلا أن معظم العوائل المؤسسة كانت تلجأ للأحجار المسحورة كوسيلة إنارة.
وضع شاهين يده بخفة. أنا ابن هرون، الدم دمي، ولقمان المؤسس هو سلفي. ردد في نفسه.
ثم همس: "هلا هدأتَ قليلاً؟."
نبرته ثابتة وهادئة كما علمه والده، في التعامل مع حيوية القلعة وتقلبات مزاج الغرف. جميع الأجنحة تحسن السلوك أمام والده حتى شقة رضا المشهورة بالفوضى وتعد كابوس العائلة بما فيهم رضا نفسه.
مجرد تجليات خارجية لهبة رضا، عصبه الثالث بارز ومهيمن، كان والده يفسر في كل مرة استنجد فيها أصغر أبنائه به.
لم ينتفض الباب هذه المرة، لكنه لم يتزحزح من مكانه.
زفر شاهين، لم يكن لديه اليوم بأكمله، ليقضيه في التفاوض مع جفاء القلعة. ربما توتر التحضيرات والضغوطات قد تسرب إليها، لكن تلك ليست مشكلته، لو كان هذا عزان لما جرؤ الباب على عصيانه.
حتى الأثاث بهذه القلعة العجوز يتقن فن التمييز الطبقي. فكر شاهين بمرارة.
لقد كان يؤجل هذا اللقاء لأيام، مختبئاً في جناحه بعد ذلك اليوم المهين، الآن وقد نفذت أعذاره أمام استدعاءات والده المتكررة، يأتي الباب ليأخره، وسيحسبه والده متراخياً ومتساهلاً، ورغم أنه نادراً ما كان يعاقب عزان أو شاهين بشأن "هفواتهما الصغيرة"، فإن الحيطة و الحذر كانا خطوتين أساسيتين في تعامله مع والده. معظم الوقت كان الارتباك يغلب عليه هو وإخوته، من الرجل المهيب أمامهم، صاحب العينين المألوفتين والملامح الغليظة، أهو سهيل الرابع آل هرون؟ أم أبوهم سهيل؟. كان تصور سهيل لهذا الارتباك بسيطاً ومعقداً، هو الاثنان طبعاً، وأي ابن يستحق مكانته سيحترم الاثنين. معاً. في آن واحد.
أكان عليه أن ينادي؟
"والدي العزيز، هلّا تكرّمت بفتح الباب؟ ابنك عالق!"
خياله لم يقصّر، وسرعان ما أضاف صوت عبد العزيز ضاحكًا، ومن خلفه منال تهمس بسخرية باردة: "فليناد أحدكم سهيل، شاهين لا يعرف كيف تُفتح الأبواب من دون أوامره."
هزّ رأسه.
لا. لن يعيد هذا المشهد. لن يكرر الخضوع.
إذا لم يأتِ الفتح بالكلام، فليُفتح بالطَرق.
لحظتها وقعت عينه على الفأس.
الفأس الذهبية المعلقة عند مفترق الرواق، كأنها تنتظر... أو تتحدّى.
لطالما حسبها مجرد إرث من عهد جده الأول، قطعة متحفية، شيئًا للمباهاة لا أكثر.
لكنه توقف.
تأملها.
أيعقل؟
إنها حقيقية. ثقيلة. وربما فعالة بما يكفي لإرسال رسالة... إلى الباب.
مد يده ببطء، تردّد للحظة. هل هذه من تلك الأسلحة التي تأنف أن تُمسّ بعد أصحابها؟
لكنها لم تعترض. فقط سكنت بين يديه بثقلٍ يشبه الغضب.
بدأ يجرّها عبر الرواق كأنه يقودها إلى مذبحة.
كل قطعة أثاث شعرت بالرعب، أو هكذا تخيّل.
توقف أمام الباب. قبض على المقبض أولًا، ثم على الفأس.
هو لن يحاول الدخول بالقوة، يعرف أن تعويذة الحماية، تلك التي تصون كل مداخل القلعة والفلك، سترتد عليه وتردعه.
لكنه سيضرب. ضربة واحدة. من القلب.
رفع الفأس، استجمع ثقله، ثم أغمض عينيه ونزل بها.
لم يصب الباب قط، وثوان مرت من الدفع والضغط، قبل أن يفهم شاهين السبب. رغم أن مجرد وجود مقاومة ضد ضربته كان تلميحاً كافياً.
مقاومة؟ ما كان أمامه أعظم من ذلك.
فن الأدوات. الهبة التي يحملها كل جن ملكي ينحدر من نسل لقمان المؤسس، وكان انعدامها في عروقه هو سبب بؤس حياته.
العصب الثالث، كما تسميه العوائل المؤسسة، كأنها امتداد خفي للجهاز العصبي، يربط الجسد بالعالم الفيزيائي على مستوى لا تدركه العين. أما الأجانب، فكانوا يختصرونها باسم: استحضار الأدوات.
لكن التسمية لم تفِ بالغرض. ما يحدث لم يكن استحضارًا، بل إخضاعًا. الأجسام المعدنية لم تكن تُجذب، بل تُقْنَع، تُطوّع، كما لو أن نية المستخدم تعيد برمجة بنيتها.
ولم يكن هناك فرد بفلك كيوان يتقن هذا التطويع كوالده السيد سهيل، لم يكن يرفع يديه أو يحرك أصابعه، كما كان عزان يحتاج أحياناً، بل اكتفى بالوقوف في منتصف البهو العظيم، ذراعاه خلف ظهره، وكامل تركيزه منصب على شاهين والفأس -أداة جريمته-، بالكاد كان يعير انتباهه للباب ورغم ذلك انفرج الباب خاضعاً.
نوف آدم