الدم العائد.

الدم العائد.

12 0

"عزان ولد ليقود. منذ صغره، كان صوته أعلى من عمره، ونظرته تسبق خطوته. لديه حضور، وثقة من لا يشك بنفسه، وقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. لكنه سريع الحكم أحيانًا، يقرأ من النص ما يريده، لا ما كُتب فعلاً. لو تأنى، لرأى أضعاف ما يظن أنه يفهمه.

شاهين مختلف. لا يسأل: ماذا أفعل؟ بل يسأل: لماذا يحدث هذا؟ تحليلاته دقيقة حد الإرهاق، وتفكيره يذهب لما بعد الجواب. وهذا وحده يجعل فخر قلبي به مضاعفًا، وإن كنت لا أقول ذلك كثيرًا.

كلاهما يشبهني، وكلاهما يختلف عني. وأحبّ في كلٍّ منهما ما لا أستطيع البوح به أمامه.

-أما رضا الصغير، فله وقت آخر. ليس لأنه لا يستحق الحديث، بل لأنني لا أعرف من سيكون بعد."

-مقتطف من رسالة طويلة، كتبها سهيل الرابع آل هرون لشقيقه، أيمن السابع آل هرون. أحرقها أيمن بعد قراءتها كما جرت العادة بينه وبين أخيه الوحيد.

*****************************************

ارتفعت الفأس في الهواء، لحظة خاطفة مرّت بين إطلاقها من يد شاهين وصوت والده الهادئ يأمر: "ضَعها جانبًا".

توقّف الزمن، ثم تراجعت الفأس إلى الخلف كأنها ارتدّت على أمرٍ خفي.

انغلق الباب خلفهما، وعصفت أوراق من منضدة قريبة، واحدة منها صفعت وجه شاهين كأنها تحتج على دخوله.

حاولت الورقة الهروب، لكنه أمسك بها قسرًا وقرأ: تفاصيل المدد المقدم من العوائل الخمس، أولئك الذين كانت ولاءاتهم تجاه آل هرون تُمتحن مع كل أزمة.

كان والده قد جلس بالفعل، ورفع يده بإشارةٍ صارمة. انفلتت الورقة من قبضة شاهين، لتهبط على المنضدة حيث بدأ سهيل بتوقيعها وختمها. كرسيٌ واحدٌ فقط كان قد توقف عن التمايل في أنحاء المكتب، واستقر أخيرًا مقابل سهيل.

"اجلس". قال سهيل دون أن يرفع بصره عن الأوراق.

"لستَ غريبًا حتى تظل واقفًا كمن ينتظر الإذن".

لم يكن عليه أخذ الفأس. ها هو قد أغضب والده.

"متى تبدأ رحلتنا للفلك؟" سأله سهيل عرضًا.

"فجر اليوم." أجاب شاهين بتلقائية.

"الحمد لله. ظننتُكَ نسيت. لم أركَ في القلعة منذ أيام." نبرة سهيل كانت عادية. عادية بشكلٍ مريب. "لولا تقاريرك اليومية، لظننتُك اختفيت."

صاغ شاهين إجابته بحذر: "هل هناك خللٌ ما؟"

"تقاريرك تصل في موعدها." قال والده وهو يرفع عينيه لأول مرة. "لكن هذا لم يكن سؤالي."

حدّق به، كمن يُمهله لحظة قبل أن يسحب السجادة من تحت قدميه.

"كنتُ... لديّ عمل." برّر شاهين.

"عمل؟" استفهم سهيل، أنامله بدأت تنقر على سطح المكتب.

بعد يومين من المبارزة المخزية مع عبد العزيز، اقتحم عزان جناح شاهين طالبًا مساعدته.

"كثرت عليّ الواجبات"، اشتكى وريث العائلة، "المؤن، المدد، التنسيق بين الوحدات...". ذلك لم يخدع شاهين. فِعْل عزان ليس صدفةً - نادرًا ما كان يتحرك دون أوامر مباشرة من الأب.

"أنتَ تعلم أنني أتولّى تجهيز المؤن." قال شاهين محاولًا تبرير غيابه.

"صحيح." أجاب والده باختصار، ثم استطرد بعد لحظة صمتٍ مقصودة: "وأفهم أيضًا أنك كنت تختبئ في جناحك قبل ذلك."

بدأت أصابع شاهين تعبث بكم قميصه القطني. لم يجد ردًا، خاصةً عندما ركز والده نظراته عليه، متحديًا إياه أن ينكر.

"هل لا تزال ساقك تؤلمك؟". باغته سهيل مغيراً الموضوع.

"توقف الألم منذ فترة."

"أي نزيف؟".

هزّ شاهين رأسه نفياً.

"ساقي... طبيعية." أضاف على استحياء، ثم أدرك غباء كلماته. ألم يؤكّد الطبيب أن الجراحة الأخيرة - بعد عشر محاولات فاشلة على مدى سبع سنوات - نجحت أخيرًا؟.

" هل ستعترف بما يجول ببالك أم أدفعك لذلك". صرح سهيل وهو يسند يديه على المنضدة، يميل إليه.

كرد فعل انزوى شاهين في مقعده، الصمت كان خياره الأول، وكان يعرف مقت والده للصمت. "نفذتُ ما طُلِبَ". جرب أخيراً.

"وهل تظنه يكفي؟".

" لا" رد بلا مواربة، الصدق قد يكون طوق خلاصه من هذا الاستجواب.

امتد السكون بين الرجلين، سهيل اتكئ على مقعده، رفع رأسه للسقف للحظات، وبعدها تحدث: "ما يعنيني هو ما يجول برأسك هذه الأيام. سأسهل عليك الأمر: أراك متوجساً، كمن يساق إلى ذبحه".

انحنى سهيل إلى الأمام، الإضاءة الخافتة حولت ملامحه إلى نقوش غامضة. "ولكن الأغرب أنك لا تسأل: لماذا اخترتك أنت بالذات لهذه المهمة؟".

تحرى شاهين كلماته بدقة: "لا قول بعد قولك يا أبتي....

احتفظ وجه والده بجموده. طبعاً لن يتفاعل، كم مرة سمع التماساً هزيلاً ابتدأ بهذه الكلمات.

لكنه استمر، وكم جاهد ليبقي نبرته ثابتة: "إذا كنت ترى في مرافقتي لك لدورة المجلس أي نفع يُذْكَر، فسأدع قراراتك تُسَيِّر خطواتي".

طرف سهيل ببطء، عادت يده تطرق المنضدة، حك ذقنه وحدق بولده.

"كلام منمق، يليق بأكثر أبنائي فطنة... رد أجوف ينطوي على طاعة عمياء، وهذه صفة لا أرتضيها بأي من أبنائي".

ازداد صوت والده شدة: " أنت ابن هرون، عروقك تضج بأصلنا الرفيع، طموحنا، شدتنا وشموخنا. العناد والاندفاع. يمكنني غض الطرف حيالهما..."

الاندفاع. تنفس شاهين الصعداء، سيتناسى والده تهوره مع الفأس.

"...أما خوفك هذا، فلا مكان له بيننا". أردف والده بصوت حاسم. يده كانت تداعب نقوش خاتمه المفضل، عين لقمان، أحد الأختام المقدسة التي قهرت المردة الطغاة وشياطينهم، وساهمت ببناء عالم الجن الملكيين.

" اعتدتَ أن تكون أكثر شفافية وارتياحاً في حضوري، أين...".

"هل نحن أمام نذير حرب؟". همس شاهين يقاطع والده، أصابعه ضغطت على ذراع الكرسي حتى ابيضت مفاصله.

تسَرَّع، استوعب ذلك حين اكتفى والده بالسكوت، ما أفصح عنه يبقى مجرد استنتاج، لم يعلن أحد عن قيام حرب أو يتحدث عنها، الجميع كان يؤدي عمله بصمت.

"ربما...باعتبار ما يكون، لكن لمَ أنت متأكد؟". نطق والده وهو يحدق في الظلام بالخارج كأن الجواب هناك، لا عنده.

بدأ شاهين يتكلم، هاجس بديهي أخرسه، كل كلمة يقولها ستُفحص تحت مجهر والده... تلك النظرات المتفرسة التي يلقيها ناحيته، جعلت حتى إجاباته الصحيحة تبدو كأنها ضربة حظ.

هل تظن أن عزان يتعرض للمساءلة مثلك؟ والدنا يشركه بكل شأن يخص العائلة.

لم يكن هذا وقت التخيلات العقلية التي تبدو كعبد العزيز.

ليس والده من يمنح المعلومات طواعية، سيكون عليه أن ينتزعها ويسأل مباشرة: " أليست الحرب هي ما دعت السيد سعد بن رضوان لدعوة المجلس؟".

همهم سهيل، ولم يتوقف شاهين: " والعوائل الأربعينية... لا يجتمعون إلا حين تهتز أفلاك سارين.

فهل هناك ما هو أضخم من الحرب؟".

"اعتقدت أنك أكثر ذكاءً من أن تسأل عن الحرب بهذه السذاجة."

" لا أظننا عائدين لفلكنا قريباً". تهور شاهين، سيلقي بكل ما لديه.

"أرى بوادرها في كل مكان... في بقائك الطويل بمكتبك، في الرسل وخطاباتهم. معظم قواتنا جاهزة لمرافقتنا. طلبتم مني الإشراف على المدد، وقمت بإعداد نصف مخزوننا".

عقلٌ كالسيف، لكن أعصابه كخيط العنكبوت، يا للمفارقة...المؤسفة". كانت كلمات والده مبهمة، وربما كان ضوء الألماس الخافت يتلاعب ببصره ولكنه لمح شبح ابتسامة على وجهه.....

" المفوض العام لكتائب آل هرون، لا يسمح له بإبداء أي ضعف أو تردد يُذْكَر".

جمد شاهين، تسارعت نبضات قلبه.

" هو الجندي الأول، يخوض معركته على الورق وضد عقول أعدائه، قبل أن تتحرك كتيبته لأرض المعركة حتى".

" ستعينني كمفوض؟". انفعل شاهين غير مصدق.

"يمكنك أن تكون". قال سهيل بحزم. "أتفهم؟، سيكون عليك..".

أكمل شاهين عن والده بصوت أجش. " سيكون عليّ إثبات نفسي والتدرج بالمناصب حتى...حتى أصير...".

" يمكنك أن تكون". عاد سهيل يؤكد. " أخوك سيشرح لك ما تبقى من تفاصيل مملة، ستبدأ كمفوض كتيبة واحدة".

لقب المفوض العام لم يكن منصباً سهلاً. "يشرفني ذلك سيدي". تشجع شاهين، لم يكن ليسأل عن السبب، والده يأخذ واجباته كقائد أعلى على محمل الجد، لابد من أنه يراه مناسباً.

" سنرى". أغمض سهيل عينيه.

نهض شاهين عن كرسيه ينوي المغادرة، لكن قدميه تيبستا فجأة. ذلك الشعور الغريزي - ذاك الذي يخبره حين يكون على حافة خطأ فادح-، لم يتحرك والده قيد أنملة.

لحظة؟ همس في نفسه.

جلس ببطء كالقط الذي أدرك أنه وقع في الفخ. "أبتي..." علقت الكلمات كشظايا زجاج في حلقه.

"...لا أظن أننا انهينا من....".

تصحيح: أنتَ لم تنتهي مني بعد.

" فقط، تفصيل صغير". قالها سهيل، كمن يرمي طعماً، لا إجابة.

التقط شاهين الإشارة كمن يحاول الإمساك بآخر خيط نجاة.

"لكن يبقى السؤال الحقيقي". تسللت منه الكلمات ببطء:

"ما غاية هذه الحرب، ان اندلعت؟، وعلى أي جبهة تخاض؟".

لم تكن حرباً قومية، رغم اعتزازهم بكبريائهم وسلطاتهم، نادراً ما كانت العوائل السارينية تتقاتل في ما بينها. في أقصى الحالات كان المجلس الأربعيني يجتمع لوأد الخلافات.

"فيروز باديشاه سلطان هي الغاية". رد والده، بتلقائية من كان ينتظر هذا السؤال.

سقط الصمت كالسكين. حتى تنفس شاهين بدا صاخباً في تلك الغرفة.

"نرمين شاهزاداه سلطان ميتة"، أضاف سهيل.

"وريثها محمد شاه سلطان، ومعه طائفة من الرعايا السارينيين، احتموا بالمجلس."

باديشاه، الكلمة ارتطمت في رأسه بلا صدى. شيء فيها بدا مكسور الأصل، كمنفى في صيغة اسم.

شاهزاداه... شاه... الدوّامة تدور.

قديسة. نبيل النبلاء. الأمير الصغير. ترجمتها من عمق ذاكرة قديمة.

دقيقة...

انتصب جسده فجأة: "بابل!".

" إذا كانت الشاهزاداه قد توفيت...

قالها ثم توقف. تطابق الأسماء طعنه متأخرًا.

" فيروز باديشاه سلطان ونرمين شاهزاداه سلطان، لا تقل لي إنهما...

"أختان لأب. مراد، الشاهزاداه السابق، تزوج في آخر سنينه...

توقف سهيل، كأنه يلتقط شيئًا من قاع النسيان. فرك رأسه وقال: " آه، تذكرت. خالدة بيكم أونور، هكذا كان اسمها. زواج عادي، قصير، انتهى بفيروز".

كان السؤال واضحًا في عيني شاهين المتسعتين.

لم يرد سهيل مباشرة. اكتفى بهز كتفه، ثم قال بصوت رخيم... كأنما يسجل واقعة لا يرويها:

"لقد عاد القديسون".

"...مـ...ـحال؟ ".

خرجت الكلمة من فم شاهين كأنها سُحبت من صدره بالقوة.

ثم اندفع، يتمسك بعقله كالغريق بالقشة: " انقرض نسل القديسين منذ تسعة قرون! هذا ما دُوِّن في سجلات البلاط. هذا ما نُقِل إلينا! ".

ذكر الحقيقة كما قرأها ذات يوم.

" وأنا أعلِمك، أن الله رأى أن يُعيدهم. في القرن التاسع، ارتأى ذلك".

قالها سهيل دون أن يرف له جفن، كأنما يختم مرسومًا إلهيًا.

لم يرد شاهين. لم يستطع.

كاد يصرخ مجددًا: "محال!"

لكن الصوت لم يخرج.

شيء في عينيه، في فكيه المرتجفين، فضحه، فقال سهيل بنفس النبرة المقتضبة: "خطابات نرمين تؤكد صدق هبات شقيقتها...".

وقبل أن يُكمل، كان شاهين قد استعاد أنفاسه.

" وقالت إنها تتقن... العلاج؟".

" أكثر من ذلك. المهارات التي وصفتها نرمين في رسائلها لا يعرفها إلا قديس من الأسرة الثامنة عشر، سلالة سلطان".

وهنا ماتت شكوك شاهين. كل شيء اتضح، وكل شيء ازداد تعقيدًا.

مهما بلغ جهلك بعالم الجن الملكيين، لا أحد يجهل قديسي بابل.

الله منح كل أبٍ مؤسس ختمًا، وهبة... أو أكثر.

تلك القوى وُرِّثت، مثل الدم، لسلالاتهم.

ولذا تشترك عشائرهم في الهبة ذاتها. بلا استثناء.

بنو بلقيس؟ كانوا مؤرخي الذاكرة، يستخلصون الذكريات من كل شيء تقريبًا - من حجر، من عظم، من رماد.

كانت الذاكرة هي هبتهم، والتأريخ فنهم.

آه... ولديهم أجنحة أيضًا، لطالما نسي أن البابليين، مثل بني إدريس الأراسيين، شعبٌ مزدوج الهبات.

ثم ظهرت الطفرة، واختلطت الروايات، كما هو الحال دومًا مع بابل.

ما هبة هؤلاء المستثنين بالضبط؟

قال بعضهم: علاج.

لكن شاهين لم يُصدّق هذا قط.

تحكم فائق بالوظائف الجسدية؟ أقرب إلى التصديق، لكنه غير كافٍ.

خصوصًا حين يتغافل الجميع عن قدراتهم الأخرى.

ماذا عن الأقاويل التي تجاهلوها عمدًا؟

عن قُدرة بعضهم على "إيقاف" القلب بنظرة؟

عن يدٍ أعادت العظم من غبار، ثم سحقته ثانية؟

أحد الكتب القديمة... ذكر أن واحدًا منهم مزّق جيشًا كاملًا بنظرة.

الهبة لم تكن للشفاء فقط.

كانت قادرة على إحياء... وعلى الإهلاك.

لكن كل ذلك كان قبل قرون.

فهل يُعقل... أن تعود هذه القوى في عصرهم؟

" أنا...لا أفهم.....". كان صوت شاهين أقرب للمناجاة.

"...إذن لمَ لا تزال على قيد الحياة، كيف سمح المجلس بوجودها؟. وإن لم تكن بتلك الخطورة حقاً، فلمَ تُخَاض حرب بسببها؟. هل كانت نرمين تتواطأ مع..."

لكن سهيل شخر، بسخرية العارف: "لست أول من ظن ذلك. خطابات نرمين ذكرت أن فيروز... تحت السيطرة. لا خطر منها، أو هكذا زعمت."

شاهين فتح فمه للاعتراض، لكن والده قاطعه بنبرة أشد:

فيروز لم تنتظر أن تُعْرَض عليها القيادة، أخذتها فور موت نرمين، وتوجت نفسها، وهذا يسمى...".

"تمرد؟ اغتصاب حقوق؟"

لم تكن الكلمات صعبة على لسان شاهين، لكن معناها أثقل من أن يُصدّق.

تنهد سهيل. "في عرفنا نعم، في بابل...محمد يدعي أن بعض أنصار فيروز طالبوا بإزاحة نرمين لصالح فيروز فور ظهور قواها".

" اسمح لي بأن أضيف بأن رسالة سعد، خالك العزيز، كانت تحوي تفاصيل ضئيلة. يا لعبث الحياة، لو لم يكن هجوم فيروز الأول بمدينة القصاح المجاورة لفلك كرمان لما كان آل مرقع....كيف أقولها دون إهانة عائلة أمك أكثر؟.."

" هجوم؟". ذلك أثار اهتمام شاهين.

" لمَ أنتَ متفاجئ؟، مؤكد محمد لن يقف ساكناً، حتماً سيرفض الخضوع للباديشاه، وستكون غريزته الأولى هي الالتجاء برعايا سارين المحليين هناك، وفعلاً تصاعد الصراع واحتك الطرفان، وبطريقة ما طُرِدَ محمد ورفاقه مهانين"

"حري بمحمد مسايستها في انتظار المدد". خمن شاهين. "على أي حال، لن يدوم هذا كثيرًا، قد لا يستلزم الأمر تدخلنا المباشر، ستنهض مقاومة داخلية ضدها، العديد من العوائل الشريفة موالية لسارين، دون ذكر ذوي الدم الهجين...."

سكت شاهين وقد باغته نهوض سهيل فجأة، والده توجه للشرفة يتأمل الليل، مرت ثوان.

" يزداد عدد أتباعها في كل لحظة....المجتمع البابلي يقدس طبقيته ومناصبه، والقديسون هم قمة الهرم البابلي. حتى الهجناء، من كانوا يظهرون ميلاً لشقهم الساريني، يبدون على استعداد لدعمها، وها هي فيروز تصدر قرار بإجلاء كل ساريني من بابل".

تمرد ضد سارين، محمد لم يكن غايتها بالبداية. فهم شاهين.

" هذا. جحود". نبس ببطء.

"حين كانوا يقتتلون وعلى شفى الدمار، نحن أنقذناهم...".

"سارين غزت بابل". تدخل والده.

"هو غزو لأنه كذلك، لا تكن جاهلاً يا شاهين، جيوش، حرائق، وأوامر. لم يدعنا أحد لفعل ذلك".

"بعض العوائل الشريفة طلبت دعمنا". قال شاهين بضعف.

" لابد من أنهم ندموا". أعقب والده.

"المجاعات التي أوقفناها؟ جلبنا الطرق، والتعليم، وحكم القانون؟ ألا تعني شيئاً؟".

شاهين لم يعاصر تلك الحقبة، لكنه قرأ عنها بتعمق، وببساطة كان يردد ما استوعبه.

"وهل تظنّهم يرون القانون حين يُحكم باسم سارين؟ أم لا يرون السلاسل التي لا تصدر صوتًا؟".

تلك النغمة المعتدلة بردود والده....ذكرته بالماضي، حين كان غراً كثير الكلام وكان والده وعزان هما جمهوره الوحيد حين يستعرض ما تعلمه. لكن هذا الوضع مختلف...

"عائلة سلطان ظلت تحكم". أصر شاهين.

"الشاهزاداه سلطان مجرد تمويه لإرادتنا وسلطتنا". رد والده بتكاسل.

" القرار ليس بيدها، تلك بلادنا أيضًا، العديد منا بنوا حياتهم هناك، دماؤنا اختلطت...والفصل بين الاثنين غير ممكن".

" فيروز تعتقد أنه ممكن".

تفرس شاهين في والده، لم كان والده يتحدث هكذا؟هذه الأقاويل...ليسامحه الله، لكن لو كانت هذه أراء والده العامة، لو تلفظ بها أمام سيد آخر، يا الله، تسارعت نبضات قلبه، حتماً والده ليس....، أعصاب شاهين تتلاعب به حتماً.

" والمجلس لن يسكت، هي من بادرت والعوائل المؤسسة ستنهيها". همس لنفسه وكأنه يطمئنها.

حدجه سهيل بنظرة مطولة: "قلها صراحةً، هل تحسبني متقاعساً؟".

شاهين نفى بسرعة: "حاشا لله، أنا فقط..."

"أنت فقط غر برئ". زجره والده.

"كم حملة سارينية قيدت ضد بابل؟ منذ الغزو؟".

"خمسون". انسابت منه الإجابة بسهولة.

" هل تخلفت عائلتنا عن أي منها؟"

.

هز شاهين رأسه، ثم غمغم: " لقد شاركتَ بسبع حملات يا أبتي".

" أتعلم لماذا؟".

السؤال الأخير لم يكن ينتظر إجابة، واصل والده خطابه: " كنتُ بعمرك وقتها، حين أرسلني والدي لحملتي الأولى، وماذا كانت آخر وصاياه وقتها: صن استثمارات العائلة واكسب المزيد. لم يكن كبرياء العوائل يعنيه وقتها، أو رسالة سارين الحضارية.

جذب والده رأسه ونظراته قيدته: "...وبعدها حملة تلو الأخرى، نفذت وصيته مراراً وتكراراً. الحرب ليست شرفاً، وعائلة هرون لم تَسُدْ بناءً على أنصاف حقائق".

"أتفهم؟". ضغط والده على كلماته.

وفهم شاهين، أطنان الفضة الناتجة من استثمارات العائلة ببابل السفلى، ثراوتها تغطي تكاليف صفقات الزئبق الأراسي الباهظ، هناك يقبع اهتمام والده.

" أفهم". رد شاهين ببساطة.

زم والده شفتيه. "لا".

قطب شاهين حاجبيه.

سهيل أفلته ورغم أنه لم يبتعد، إلا أنه كان بعيداً للغاية حين رمى جملته الأخيرة، مغمض العينين وكأنه يرتل: "سنربح الحرب، نعم، هذا متوقع منا. وقد تُقْتَل فيروز. لكنك لن تقتل ما تمثله.

بابل ستنزف، وسارين ستنزف معها.

ولن يكون هذا النصر نهاية شيء... بل بدايته....

خمسون حملة وفي يومٍ ما، كل هذه الأراضي، وهذه المكاسب التي نتباهى بها… ستبدو هزيلة، تافهة، أمام ما دفعناه لنقيم الحرب.".

لم يتحرّك شاهين. لم ينبس.

وقف فقط، للحظة، يشعر بشيء ثقيل ينغرس فيه ولا اسم له.

كأن جملةً منسية وُلِدت داخله، ثم اختبأت قبل أن يسمعها.

وبينما غادر شاهين، أدرك أن السؤال الحقيقي لم يكن كيف ستفوز سارين بالحرب...

*****************************************

بعد ستة أيام لاحقة، وبينما كانت سفنهم تقارب فلك كرمان، أعلن عزان دون سابق إنذار:

"هذا المكان يزداد قبحاً، عامًا بعد عام."

لم يجد شاهين هذه المرة ما يعارض به شقيقه الأكبر؛ فكل سخرية لفظها عزّان كانت تصيب هدفًا مألوفًا في نفسه: الاشمئزاز من آل مرقع... من أهل منال.

طيلة رحلتهم، لم يتوقف عزّان عن التذمر، السخرية، أو الاستهزاء — لم يترك نافذة دون أن يعلق، ولا صوتًا دون أن يلعنه.

عزان لم يقلها صراحة ولكن مشاعره تجاه المكان برزت على أي حال.

أسند شاهين رأسه إلى زجاج النافذة، متأمّلًا البؤس تحتهم.

كأن العالم هنا نسي كيف يكون حيًا. الزمن، في لحظة مللٍ عظمى، قرر أن يتوقف هنا بالذات، ثم نهض متثاقلاً وترك خلفه فراغًا بلا معنى، كل شيء في كرمان يوحي بأنه كان، ثم تراجع عن كينونته.

ألوان لا تنتمي لطيف، خطوط أفقٍ تتهرّب من الاستقامة، وأنسجة المكان مفككة، كأنها محاولة فاشلة لتقليد الجغرافيا.

الأرض لم تعد مجرد أرض، بل بدت كجرح قديم، بصخورها الحادة وأشجارها الذابلة.

عشرون حزاماً فلكياً، كانت هذه سارين، وكل فلك كان يزخر بنجوم تجعلك تعتقد أنه الشمس، لكن في كرمان كانت السماء باهتة، تعلوها غيوم قاتمة لا تنذر بالمطر، التربة الجافة المتشققة كانت إشارة واضحة لانعدام المطر لسنين، تلك الغيوم اكتفت بسكب ظلال سوداء ثقيلة.

" حتى الضوء لا يضئ، الهواء لا يُسْتَنشق. فقط في هذا المكان دون جميع الأمكنة". دمدم عزان.

" لنكن منصفين قليلاً، أفلاك الحزام الجنوبي معظمها هكذا، مجرد انعكاس لموقعهم".

" رجلي الجيد، لا يمكنك أن تجلس دون محاولة شرح...اممم أي شئ".

اتسعت ابتسامة عزان: "كلمة موقع لا تعني شيئًا عندنا؟".

" طبعاً...كنت أقول...أن قربهم من الممالك الأرضية يجعل مناخهم مختلفًا، أبطأ، أقل وهجًا.".

سارين، رغم أنها مجموعة أفلاك سماوية طافية ، تضم في أطرافها الجنوبية مناطق متدنية، أقرب ما تكون للأرض — لا فقط مجازًا بل فعليًا، إذ كانت بوابات العبور إلى العوالم السفلية والممالك الأرضية تتركز هناك.

" آه اعفني من الحقائق المملة، لم أفتح كتاباً منذ عقد ولن تضجرني أكثر".

عزان كان محقاً، هو دائماً كذلك، ما يُفترض أن يكون "موضعًا"، إذ إن هذه الكلمة نفسها تصبح خادعة حين يُستحضر عالم الجن الملكيين.

فالمكان، كما نعرفه، لا ينطبق هنا، بلاد الجن الملكيين لم تُبْنَ لتخضع للخريطة، بل لتتجاوزها، وأي خريطة رسمت موقعها بدقة كانت تُمارس نوعًا من الخيال المنهجي — محاولة فاشلة لتثبيت ما لا يُثبت.

هذا الفلك لم يبلغ ذروته بعد، قدَّر شاهين. ليس حين يكون معبر لمعظم عالم الجن ومركز تجارة.

" على أي حال، كانت أحوالهم أفضل في عهد السيد رضوان، كما تعلم ".

"تخيّل أن أورّث هذا الفلك لأبنائي! الأفضل أن أحرقه... "

كانت تلك نغمة عزان المعتادة، نغمة لا يمكن تحديد إن كانت سخرية أم شكوى أم تهديدًا خفيًا. وفي عينيه الخضراوين– المختلفتين عن عيني شاهين بدرجة لا يلحظها سوى المقرّبين – كان هناك ضوء خافت من متعة.

نعم، شاهين يعرف هذا البريق جيدًا.

كل شيء لعبة عند عزان. 

"أو أن تتزوج يسرى وتصلحه؟". قال شاهين بتلقائية.  في الحقيقة كانت منال وعائلتها تضغط ليتزوج عزان بيسرى، كبرى بنات سعد لتوحيد إرث منال وشقيقها .

حدجه عزان بنظرة مثقلة. " فليخقني البابليون قبل أن اتزوجها ".

لم يرد شاهين، تلك النبرة الحادة لم تكن موجهة له، كان واثقاً.

"أنا؟". ضحك عزان، عدل وقفته وأشار لنفسه.

"هل أبدو لك كمن يلخط نسبه مع أمثال يسرى؟".

لا ليس كذلك. كان شقيقه الأكبر عظيماً، طويل القامة، عريض المنكبين، يقف بثقة من نسي معنى الهزيمة. ملامحه لا تشبه ملامح إخوته الآخرين — لم يرث منهم النعومة ولا الابتسامة السهلة التي أخذوها عن سهيل -في شبابه- بل جاء حاد الزوايا، حاد النظرة، حاد اللسان.

وجنتاه، ذقنه، حواف فكه... كلّها بدت وكأن أحدهم نحتها من صخر غاضب، نسخة مطابقة لوالدته منال. وبشكلٍ ما، لم يملك من حوله سوى الإعجاب. و عزان يعرف ذلك.

" أياً يكن". تهكم شاهين.

قاطعتهما طرقة خافتة على الباب. ثوانٍ، ثم جاء صوت خافت يستأذن:"سيدي، هل تأذن لي؟"

نور، وصيف عزان.

لوّح عزان بيده نحو الباب، لينفتح طيعاً وقال بلا اهتمام:

"لك الإذن."

دخل نور حاملاً الصينية المذهبة، زجاجة بمحلول أزرق كانت تتوسطها.

العنثر الأزرق.

انحنى الخادم  للرجلين وقال بنبرة وقورة:

"جرعتك جاهزة، يا صاحب الامتياز."

"سيدي شاهين".

لم تفُت على شاهين لكنة نور، رغم حرص البشري. العبيد البشريون نادرًا ما يفلحون في التخلص منها، مهما طالت سنين خدمتهم. فلهجات العشائر الملكية معقدة، ولهجة بني لقمان أشبه بشيفرة اجتماعية، لا يتقنها من لم يُولَد في دمها.

رمى عزان نفسه على الأريكة. بينما راقب شاهين الخادم وهو يملأ المحقن. أشار لعزان: " جرعة في هذا الوقت؟ لمَ التبذير؟".

"لا يفترض بك أن تتعاطى العنثر إلا قبيل معركة أو مهمة".

صرَّح شاهين.

بدأ عزان بنزع سترته.

" كلانا يعلم أنه لا يوجد موهوب ساريني يمكنه مقاومة العنثر، بالنهاية هذا مصدر قوتنا".

العنثر، أو الزئبق المُحَوَّل، كان يضخم هبة لقمان بشكل مهول، من كان يعجز عن تطويع معدن ثقيل أو عدة أغراض كان يجد في جرعاته عوناً. لكن كل شئ يزيد عن حده ينقلب لضده، القصص عن موهوبين نال منهم الذهان والجنون إثر جرعة غير متزنة سواء بالزيادة او النقصان كانت شائعة.

"أنا أعلم". رد شاهين باقتضاب.

أشار عزان للخادم ليطعنه بموضع معين.

لم يكن بحاجة لأن يقول شيئًا. التغيّر حدث أمام عينيه مثبتاً صحة أقواله، فقد اتسعت حدقتا عزان فجأة، كأن الضوء صار كثيرًا فجأة، ثم انكمشتا حد الاختفاء، وبدأ صدره يصعد ويهبط، أطرافه تحركت بخفة غير معهودة إذ دفع خادمه عنه، كأن شيئًا ما أيقظ عصبًا ميتًا داخله.

رأى عزان نظرات أخيه المتفرسة فيه، بدأ يفسر: "أنا أوازن استخدامي له. هذه أول جرعة منذ اسبوع. شاهين الحيطة واجبة في كل مكان خصوصاً حين في وجود جمع غفير كالذي سنشهده".

جاء حديث عزان بطيئاً مغايراً لطلاقة لسانه المعتادة، سيظل هكذا لدقيقة حتى يستقر جسده.

"أياً يكن". أشاح شاهين بوجهه يتجاوز الموضوع، لم يعد بإمكانه تجاهلها بعد الآن.

تصلب جسده فضح تأثيرها عليه،  ندوب عزان المقدسة، تجري كأنها أوردة، من كتفه وحتى كفه. مطابقة لندوب والده، منال، عبد العزيز ورضا. مطابقة لندوب كل موهوب ببني لقمان.

أن تحصل عليها، كان يعني أن أتقنتَ هبات لقمان وقد اعترف بك كخلف له.

مهما تصرف شاهين بلا مبالاة، لم يكن بإمكانه إنكار الغصة التي هاجمته دون إنذار، ذراعه كانت ملساء وناعمة، حتى الآثار التي قام بحفرها على يديه بالنصل، شفيت تماماً على يد المعالج الذي استأجره والده الغاضب وقتها.

استدار شاهين يتظاهر بمراقبة المنظر، نبس بصوت حاول جعله هادئاً: "أنتَ لا تحتاجها معظم الوقت، عصبك الثالث قوي دونها حتى".

الزجاج عكس تحديق شقيقه فيه بإمعان. هذه المرة لم يوفق في خداعه على ما يبدو.

لم يكن شاهين مولعاً بوصيفه بشير بشكل خاص، لكن حين دخل وأعلن أنهم على وشك النزول، كاد شاهين يعانقه.

هرب تاركاً شقيقه خلفه، قبل أن يأتي سؤال عزان المعهود، كيف حال ساقك.

اقتصرت إجاباته على كلمة بخير، عائمة وبلا معنى فهو وعائلته يعرفون جيداً أن جذر المشكلة ليس في ساقه، بل في شئ آخر، كارثة لا شفاء منها....مولده دون هبة لقمان.

-

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مواثيقهم المظلمة

المؤلف نوف آدم
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة