مع كُلُّ سيِّءٍ يحدثُ معي، وكلُّ خذلانٍ أتناولهُ على منضدةِ الأسى؛ أُدركُ أنَّ عليَّ أن أكمل طريقي وحدي في كنفِ الحياة.
-23/7/2025-
_كاتِب.
.
.
.
أمشي وحدي في سفوحِ النِّسيان، أرتدي خيباتي و أحمل على كاهلي ثقلَ الأفعال ...
لا مؤنس، لا رفيق كلٌّ هربَ تاركًا أمواجَ الماضي تلعبُ بي، بقلبٍ مطعون، و غصَّة أحرقت مفهومَ الكلمةِ في قاموسي، لم يبقَ شيءٌ حتَّى رُفاتُ الأصدقاء، تيه، ضياع، ألم ... شعورٌ لا يوصف، بتُّ أنظرُ لظلّي لعلّي أرى فيه ملامح من رحلوا فأجدهم تلاشوا مع نورِ القمر البَشع، جرمٌ مظلم، وحيد، كثيرُ الثُّقوب كقلبي، أسمعُ منه صدى النَّبضِ لما فيهِ من لاشيء ... مجرَّدُ فراغ .
كم قاتلٌ هو ذاكَ الشُّعور، أن تبحثَ عن مؤنسٍ حتَّى بينَ السُّطور ولا تجده .
-26/7/2025-
_كاتِب.
.
.
.
حياتُنا التَّعيسة، مُجرَّدُ كذبةٍ عشناها في خيالِ عقولِنا الَّذي تمتزجُ فيه الحقائق مع الأكاذيب وتتربَّعُ الشُّكوكُ على عروشِ السَّيطرة، لِـندرِكُ بعدَ فواتِ الأوانِ أننا لم نكن الحكَّام يومًا بل المحكومونُ بمؤبَّدٍ خلف قُطبانِ سجن الخديعة.
-30/7/2025-
_كاتِب.
.
•
.
•
"لستَ وحدك ياصاحبي"
.
•
.
•
كانَ بُرتُقاليُّ الشَّعرِ يكتُبُ على أوراقِ دفترِهِ المُتهالك كروحِهِ، أكوابُ القهوةِ مُتناثرةٌ حوله، وشظايا أفكاره مُتساقطة على طاولةِ المكتب،
تنهد...
"مللت"
وهذا المَلل أدَّى إلى أنَّهُ سكبَ القهوة على دفتره خطأً.
"اللَّعنة!"
شتمَ تحتَ أنفاسِه.
لكنَّ ضوءًا خفيض واصطدام دوى في أرجاءِ الغُرفة قاطع جلسةَ الغضبِ خاصَّته،
ومن العدم...
خرجَ شابٌّ طويلٌ بشعرٍ بُنيِّ يرتدي مِعطفًا بلونِ القهوةِ بالحليب، لهُ بشرة بيضاء مُتناسقة مع عُمق عينيه، وصرخ:
"مرحَبًا أيُّها الكاتب الحَزين،
أنا مارِدُ السَّعادة جِئتُ لأُضفي لمساتي على حياتك الباهِته"
سقطَ فَكُّ برتقالي الشَّعرِ من الصَّدمة، فركَ عينيه..
مرَّة... مرتين... ومازالَ ذاكَ الطَّويلُ على أرضية الغُرفة.
"كيفَ وصلتَ إلى هُنا؟"
"سأجيبكَ هكذا؟!
يالَ سوءِ ضيافتك... أحضر كوبَ قهوةٍ نحتسيه لأشرح لكَ الأمر"
"مُتطفّل وتريدُ ضيافَةً أيضًا!
بدونِ تعقيد!
من أنت؟ وكيفَ وصلتَ إلى منزلي؟!"
"أول علامة من علامات الاكتئاب، الغضب الغير مُبرَّر"
"يارأسي!
هل طلبتُ طبيبًا نفسيًّا وأنا نائم"
"لا... بل طلبتَ رفيقًا، مُنقذًا وأنتَ تكتُب... تشويا"
جمدَ المدعو تشويا في مكانه وهدأ صُراخه، ملامحهُ لانت.
"من أنت؟"
سأله.
"أنا قِصَّة طويلة من الحياة،
أحملُ على كاهلي أثقالًا عجز أصحابُها عن حملها لسوء تأثيرها عليهم،
أقسمتُ أنني سأزرعُ البسمةَ على وجهِ كل من ذرفَ دمعةً وكتبَ حرفًا فيهِ لمعةُ ألم،
وكنتَ أنت من أردتُ أن أنتشلهُ من عالمهِ التَّعيس؛ لأنَّكَ تستحقُّ حياةً أفضل.
معكَ دازاي أوسامو، عمري ٢٥ كارهٌ للحياة، راغبٌ بالبقاء"
تشويا لم يُجبه بل بقي يتأمَّلُ جمالَ الصِّدقِ في عينيه، ودونَ أدنى إرادة حاولت الدُّموعُ أن تتسلَّل إلى وجنتيه لكنَّ تشويا كتمها، وصرخ:
"اخرج من غُرفتي!
من سلَّطكَ على جراحي؟! أوعرفتَ كلَّما عانيتُه؟
ماقاسيتُه؟!
عجزَ الرَّفيقُ عن مداواتي... فما بالك بالغريب؟"
دازاي صُدم، تهاوى جدارُ المرحِ في وجهه وتحطَّمت ملامحه...
يال بؤسها من حياة.
صمت لِبُرهةٍ قبلَ أن يقول:
"اقتُلني لكن بِلطف... 2/7/2025
لا تدلِ بدلوكَ دُفعةً واحدة،
إنَّ ندوبَ كلامِكَ ما تزالُ ناضِجة،
تؤلمُني مع كُلِّ قطرة،
و تنبِضُ معَ كُلِّ دمعة،
و الشَّرايينُ باتَت مِن فرطِ الأذى مخدوشة،
فَـلا تطعنِّي بكلماتِك مرَّةً واحدة،
اجعلها إبرًا تَخزُ وخزة،
و تدومُ أبدا،
لتهدأ فلن أكونَ مِن حولِكَ هاربًا،
إنَّ لي روحًا علَّقتُها في الزاوية،
تخافُ البقاء وحدها فكنتُ لها الأنيسَ،
أنيسٌ و أنا من نفسي خائف،
يالها من سُخرية!
لقد كتبتَها عِندما أدركتَ أنَّ أقربَ صديقٍ لك كانَ يستغلُّ فيكَ كُلَّ خير،
كانت دموعُ الخيانةِ تتساقطُ على الورقة، ليسَ لأنّه طعنك بل لأنك سئمت من كل هذا، مازلتُ أذكر كيف كانت ليلتك...
أجل تشويا أنا أحفظُ قصائدك وكلماتك ليست لأنها جميلة فقط بل لكونها حقيقة.. تؤلم بصدق"
وفي هذهِ اللَّحظة كانَ الصَّمتُ هو من يُملي الأوامر، لا شيء سِوى رجفة خفيفة بقلبِ تشويا تجعلُ من نفسيته سدًّا على وشكِ الانهيار مع أي حصى كلماتٍ يُرمى عليه.
دازاي تنهَّد قبل أن ينهضَ عن الأرض الخشبيَّة ويسيرَ هادئًا نحو الكامنِ على كُرسِّيه وعينيهِ سُلِّطت على اللاشيء.
"أُحبُّ كونكَ تُخفي ضعفك... لكن ليسَ بعدَ اليوم،
اسمح لي أن أكونَ سندًا لك، مازلتَ صغيرًا على كُلِّ هذا الأسى"
تشويا ابتسم:
" لستُ صغيرًا.. عمري ستَّ عشرةَ سنة"
أشرقت ملامح دازاي وهتف:
" ياربَّاه! إذًا أنتَ تُتقنُ شيئًا غيرَ الصُّراخ والغضب، أفهمُ من هذا أننا أصدقاء؟!"
"أُتقنُ الضَّرب أيضًا...
مازلتَ مُشرَّدًا تخدعُ النَّاس في نظري"
"لئيم... كسرتَ قلبي"
تشويا تجاهلَ نواحَ دازاي وحدَّقَ في دفترهِ الَّذي جفَّت القهوةُ عليه وبانَت الكلماتُ وكأنها تسبحُ في لُجِّ البُن.
"دازاي، كيفَ عرفتني وكيفَ خرجت من الدفتر؟"
"سِرِّي الصَّغير، أُخبركَ به لاحقًا"
"يال بؤس هذا الهُراء!
تعرفُ عنِّي كُلَّ في تُخفيهُ الصُّدور وتعلِنُهُ الألسِنة وأنا لا يُحقُّ لي التأكُّد من كونك بشريًّا حتّى؟!"
"لم أعلم بإرادتك بل رُغمًا عن أنفك"
تأوَّهَ تشويا من مرارةِ الواقعِ، لكنَّه اكتفى بلعنِ الحياةِ في سِرِّه ونهضَ يبحثُ عن مِنشفةٍ ينظِّف فيها ما بقي من القهوةِ على المنضدةِ.
دازاي كانَ يراقبُ حركاتِ تشويا، فوضاهُ، الأوراقُ المُتطايرة حَولهُ، بهوتُ شعرهِ، انطفاءُ عينيه، وهالاتهُ السَّوداء.
يُراقبُ بِهدوء، وكأنَّهُ يخشى عليه من أيِّ نظرةٍ خاطئة قد تقتُلُ في روحِهِ آخرَ أملٍ في البقاء.
كانَ يعرفُ هذا الفَتى مُذْ قُتل والداه أمام عينيهِ، وغرقَ في دهاليزِ الألم بعدها،
تفاوتَتِ الأحداثُ في حياتِهِ وجثمت الخيانة على صَدرِهِ تفتكُ بأمن قلبِهِ؛
حتَّى تهاوى...
إلى قعرِ قعورِ البؤس،
ومنذُ ذلك الوقت... أقسم أنَّهُ سيكون اليد الَّتي تنتشِلُهُ من ذاك.
[يُتبع]
.
.
𝑺𝒚𝒍𝒗𝒊𝒂