«يومٌ مدرسيٌّ مُختلف»

«يومٌ مدرسيٌّ مُختلف»

11 0

ليتَ كُلَّ ألمٍ في صدرِكَ يَزورني؛

فَقد تعبتُ من رؤيتكَ مُحطَّمًا.

.

.

.

.

في صباحٍ طلق لا يُشبِهُ قلبَ أزرقِ العينين، وكأنَّهُ أقسمَ ألَّا يشاركَ الصَّباح هذا الصفاء، دخل تشويا المكانَ تائهًا في فكرٍ ثقيلٍ، وعيونُهُ البحريَّة كانت ساكنة لاضوءَ فيها،

كانَ شعورُهُ بالألمِ وضحًا على ملامِحه الهادئِة، والجرحُ في قلبِهِ يؤذيه ويؤلمهُ فلا مجالَ للضحكِ في يومِهِ.

يحاولُ الهروبَ إلى ثنايا الخيال... لكن الماضي مازال يُطارِدُهُ.

همسَ لنفسِه:

"لم أكُن مُسعدًّا لهكذا يوم... أشعرُ بالألم..."

كانَ يمشي بهدوءٍ في مَمرَّاتِ المدرسة،

قامتُهُ ليسَت طَويلة، يرتدي زيَّهُ المدرسيَّ بشكلٍ فوضويّ، قميصُهُ مرفُوعُ الأكمام و ربطةُ عُنُقِهِ بالكادِ مربوطة، لكن ورغم ذلك فيهِ لمسةُ جاذبية تجعل النَّاس يرمقونَهُ بنظارتٍ جانبية.

دخلَ فَصلَهُ وجلسَ في مقعدِهِ المُجاورِ للنَّافذة،

كانَتِ الحصَّة الأولى رياضيات أي دازاي من سيدخُلُ عِندما يدقُّ الجرس.

لم يأبه...

عينيهِ كانتا مُعلَّقتين على السَّماء، يسندُ ذَقنهُ على كفِّ يده وينظُمُ البيانَ في عقلِهِ، وكأنَّهُ يبوحُ لها عن ما يُثقِلُ صدره بكلماتِ شعرٍ خرجت من نصف قلبه،

إلى حينِ جلجلةِ الجرسِ ودخولِ بُنيِّ الشَّعرِ إلى الفَصل.

"مرحَبًا يا طُلَّاب!

أنا دازاي أوسامو مُعلِّمُ الرِّياضيات الجديد"

قال الجميع:

"تشرَّفنا بِك دازاي_سينسي"

أومأ بابتسامة،

ثُمَّ جالَ بعينيهِ بينَ المقاعد وسقطَت على الشَّاب الَّذي لم يُحرِّك ساكنًا مُنذ لحظةِ دخوله،

وضعَ الكتابَ على طاولتِهِ وذهبَ نحوهُ، وعيونُ الطُّلاب والطَّالباتِ تَتبعه.

"تشويا ناكاهارا، احترم دخولي على الأقل!"

قالَ بصرامة... تُشبِهُ كُلَّ شيء إلَّا الصَّرامة.

تشويا رفع زرقاوتيه إلى دازاي قائلًا بِبرود:

"تَذكُرُ ماحدث في آخر مرَّةٍ احترمتُكَ فيها؟"

"كلُّ خير"

"لا بل كلُّ شر"

"حسنًا لن أُجادلك..."

انحنى قُرب أذنه وتابع:

"دعكَ من نظرةِ البُرود فهي لاتليقُ بعينيك،

اجعلها بحرًا هائج"

ضحكَ تشويا بصدق رُغمَ الغصَّةِ في حُنجرته، وهمسَ بخنق:

"سأفعل أوسامو"

أمَّا الطُّلاب؟

كانوا في صدمةٍ عارمة، تشويا يَضحك؟

ويُنادي المُعلِّم باسمه؟

ولا يتجاهلُ كلامه؟!

ومع صعودِ دازاي لِمنصَّةِ المُعلِّم صمَت الجميع وصبُّوا جُلَّ تركيزهم على الدَّرس.

.

.

لاحِقًا وفي الباحة، تحتَ شجرةِ السَّاكورا كان عِدَّةُ فتيان يتناولونَ الطَّعام ويتبادلونَ الأحاديث، كان دازاي يبحثُ بينهم عن أيِّ فتى مألوف، لكنَّهُ لم يَعثُر على أحد.

بقيَ يجولُ في أرجاءِ المدرسة، إلى حينِ وصولهِ للحديقة الخلفيَّة للبناء... حيثُ كان يستخدمها طُلَّابُ نادي الزِّراعة أحيانًا.

وجدهُ هُناك يُحصي ألوانَ السَّماءِ ويضعُ أمامَهُ قلمَهُ والأوراق، بدا عليه الهمُّ من بُعدِ ألفِ ميل، فتى لم يبرح مُراهقتهُ بعد.. أنى لهُ أن يعيشَ كُلَّ هذا الألم؟

دازاي كان يكرَهُ الحياة والآن زادَ ذلك،

هو لم يكن يعتبر تشويا رفيقه... ربَّما أخوهُ أو ابنه،

لهذا عندما يراهُ مُتألِّمًا ينكسر، ويشعرُ أنَّ وجودهُ حولَ تشويا دون أيِّ نفع.

تشويا كَبُر وحيدًا لكنَّ دازاي في الواقع لم يَترُكه، بل كانَ يلعبُ بالخيوطِ في الظِّل وخلفَ ستارِ الدَّفترِ ولونِ القهوة.

مشى نحوَهُ وجلسَ على الأرضيَّة إلى جانبه؛

فنظرَ تشويا بعينهِ نحوَ دازاي:

"هل من مُشكلة؟"

"البتَّة،

لكنَّكَ تبدو لي مُتعبًا، من ازعجك؟"

"أنا مُتعبٌ حقًّا، لكن ليسَ بسبَبِ أحد"

"هل تودُّ العودة إلى البيت؟"

"لستُ كذلك، البيتُ قاتم يُزعجني...

حقيقةً أُفضِّلُ البقاء هُنا"

"حسنًا أنتَ تُعقِّدُ الأمور"

"أعلم، دعكَ منِّي بدأت الحصَّة التَّالية"

"تشويا توقَّف عن كونك مُهملًا جدًّا لِدراستك!

اذهب إلى فصلك"

"حِصَّةُ العلومِ لا أحضرُها.. لكونها تطبيقًا عمليًّا"

دازاي فَهِم السَّبب؛ لذا لم يُجادله ونهضَ إلى عملِهِ تاركًا أزرقَ العينينِ ينسجُ من خيالِهِ حياةً.

.

.

.

مساءً عند انتهاءِ الدَّوام، دازاي كان يجلسُ على طاولةِ المَطبخ وعلى ملامحهِ التَّوتَّرُ بائِن.

السَّماءُ كانت تُمطِرُ خارجًا، والأمطارُ تضرِبُ النَّوافذ بِحدَّة وكأنَّها تنتقِمُ من شيءٍ مجهول،

أوراقٌ رياضيَّة كانت أمام دازاي لكنَّهُ كان ينظرُ إلى كُلِّ شيءٍ عداها، الباب، السَّاعة الَّتي تُمزِّقُ هدوءَ المنزلِ وهي تدقُّ عقاربها الَّتي تجاوزت مُنتصف اللَّيل، والنَّافذة.

ينتظرُ تشويا، لم يَرهُ مُذْ كانا في الحديقة الخلفيَّة، لم يتَّصل، لم يَعد، هاتفُهُ مُغلق،

الأفكارُ السَّوداويَّة كانت تُعلنُ النَّصر في رأسهِ...

إلى حينِ سمعَ طرقًا خفيفًا على الباب،

فتحَهُ وفي رأسِهِ ألفُ قلق...

كان تشويا بشعرِهِ المُبلَّل وعينيهِ الذَّابلة، بدا عليهِ ألفُ ألم، جرحٌ كبيرٌ لا يندمل،

تجاهلَ دازاي ودخلَ إلى المنزل، رمى الحقيبة وتوجَّه إلى غُرفتهِ.

دازاي ناداه لكن دونَ جدوى،

أرادَ التَّحدث إليهِ لكنَّ تشويا لم يَترُك مجالًا لأيِّ شيء... حتَّى النَّظر.

طرقَ باب غُرفته:

"تشويا مابك؟

أقلقتني، أينَ كُنت؟!!"

"أزورُ أحدهم"

أجابَ من خلفِ الباب، بصوتٍ هادئ.

"في هذا الجوِّ؟!

ولمَ لم تُخبرني؟!

لقد قلقتُ عليك!"

"المَعذرة"

أجابَهُ بكلمة ناويًا اختصارَ الحديث.

"أين كُنت؟"

تشويا لم يُجب، ودازاي كانَ غاضبًا لأنَّ تشويا كانَ يُصرُّ على أن يجعلَهُ مُرتعبًا دومًا.

"لمَ لم يُخبرني أنسيَ أنَّ أحمقًا معهُ في المنزل؟!"

.

.

.

مضى الوقت، دازاي يتردَّدُ كُلَّ فترةٍ إلى الباب، يُحاولُ فتحه، لم يجدي ذلكَ إلى أنَّ دقَّت السَّاعة مُعلنة وصولها إلى الرَّابعة فجرًا،

فَتح الباب ودخل... كانَ تشويا نائمًا على مكتَبهِ، بملابسهِ المُبلَّلة نفسها وحولهُ الكثيرُ من الأوراق،

لكن واحدة مِنهُم أوقفته

'كُنتُ آخرَ من بقيَ في ذلكَ اليوم...

'٢٠/٧/٢٠١٤

كانَ عندَ قبرِ والديه، هذا ما استنتجهُ دازاي،

التَّاريخُ اليوم هو ٢٠/٧/٢٠٢٥ وتشويا اختفى مُنذ أعلنت السَّاعة أن اليومَ العشرين بدأ في السَّاعة الثَّانية عشرَ فجرًا.

كرهَ نفسَه، غضبَ على لاشيء.

"تشويا"

همسَ ناويًا أن يوقظَهُ.

أعادَ الكَرَّة إلى حينِ استيقاظهِ،

قالَ تشويا:

"ماذا تُريد، دازاي؟"

"أعتذرُ لكوني لم أكُن معكَ اليوم"

"لا تهتم"

"أكمل نومكَ على السَّرير"

"لا داعِ، سأكتبُ واجبَ الفيزياء وبعدها أذهبُ للمدرسة، لا أريد شجارًا آخر مع المُدير والمعلِّم"

"دعكَ منهُما، سأُبرِّرُ غيابك، لن تستطيعَ الذَّهاب وأنتَ بهذه الحالة"

"أنا بألفِ خير، اعتدتُ الذَّهاب في هذا اليوم ليست كارثة"

"أعلم، لهذا اذهب إلى النَّوم... المدرسة لن تهرب،

وطالما أنا موجود... لن تذهب وانت مُتعب"

.

.

ليتَ الزَّمانَ يعود، لأكونَ أقوى وأحميكما.

[يُتبع]

نجمة؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

حينَ أبصرتُكَ

المؤلف 𝑺𝒚𝒍𝒗𝒊𝒂
2025/10/22 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة