أُحِبُّ عينيك... حتَّى عِندما تنطفئ.
.
.
.
"ستذهَبُ إلى المدرسة؟"
"لا سأبقى أُطبطِبُ على رأسكَ وأطبخُ الطّعام!"
"لمَ أنت غاضبٌ لهذا الحد؟
ألم تكن سعيدًا بالأمس"
"دازاي بحقِّ الخالقِ ماذا تعني السَّعادة في قاموسك؟!"
"لم تَسهر طويلًا،
لم تَشرب قهوتك الصَّباحية،
حدثت بعض المشاكل... لكنها انتهت بِيُسر
أليسَ يعني أنك سعيد"
"ألم تفهم أنَّ هذا يدلُّ على مدى سأمي؟"
همسَ وهو يربِطُ حِذاءه عندَ عتبةِ الباب بيدٍ مُرتجفه.
"سمعتك!"
تراجعت نبرةُ المرحِ في صوته، عِندما لمحَ ذلك.
اقترب من يدهِ وأمسكها، كانت ماتزالُ ترتجف بين أصابعهِ الطَّويلة.
"لمَ ترتجف يدك؟
هل من مُشكلة؟ أخبرني"
تشويا جفلَ قبلَ أن يسحبَ يدهُ بقوَّة قائِلًا:
"ليسَ بأمرٍ جلل، كما أنَّها ترتجف منذُ زمن لا تقلق"
همهمَ دازاي وأبعدَ يده:
"وبالمناسبة، سأكون مدرِّس الرِّياضيات في مدرستكم منذُ اليوم"
" جميل، وهل تفهم هذه الطلاسم؟"
"أتخالني أحمقًا مثلك؟"
"اخرس دازاي"
"حاضر استاذ،
تشويا لمَ لاتنادني باسمي، لا داعي لِكُلِّ هذا التَّكلُّف"
"ظَننتُك عاقلًا فاحترمتُك، لكنَّ وجهة نظري تغيَّرت الآن"
ضحكَ دازاي:
"تركتُ العقلَ لك...
قاطَعَ تشويا دازاي عِندما ناداهُ بتردُّد:
"أعتذر.. عن أمس،
لقد أزعجتُك"
صُدم دازاي لكن سُرعانَ ما تلاشى ذلكَ وحلَّ محلَّهُ لطفٌ جميل.
"ولمَ الاعتذار؟
كنتُ سعيدًا حقًّا... شعرتُ أنَّك تتقبَّلني"
"الأمرُ ليس بهذه البساطة... لكنَّني لم أجد فيكَ مايعيبُك وأيضًا... أعتقدُ أني أحببتُ رفقتك"
قالَ تشويا بينما تصادمت الأفكارُ في رأسهِ وسألَ نفسه:
"كم مرَّة قلتها لأحد؟ لا أتذكّر. لكنّها الآن، بدت كأنّها المرة الأولى"
أعادَهُ دازاي إلى الواقع بكلماته.
"أفرحتني بهذا، شكرًا لأنك اعتبرني كأخٍ كبيرٍ لك.. أعدُكَ سأبقى معك إلى حينِ الفناء"
ابتسم، وحملَ حقيبتهُ راكضًا:
"وداعًا أوسامو!"
.
عودة لما حدثَ في اللَّيلة السَّابقة:
.
مساءً،
وبينما كانَ آخرُ خيطٍ لِلنُّورِ يصدحُ في علياءِ السَّماء،
شابّان يجلسانِ مُتجاورين أمامَ البَحر.. لِكُلٍّ مِنهُما حكايا وأسرارٌ تخافُ الظُّهورَ إلى النُّور، أحدُهما يمسُكَ القلم ويخطُّ شيئًا مُبعثرًا في داخلهِ والآخرُ يراقبُهُ كأبٍ حريصٍ على ابنهِ من جناحِ فراشةٍ هارِبة،
عرفَهُ قبلَ خمسِ سنواتٍ عِندما كتبَ لِلمرَّةِ الأُولى في دفترهِ ذكرى مُؤرَّخه،
لكنَّهُ لم يتوقَّع البتَّة أن يكونَ في الواقعِ قويًّا هكذا،
يجابِهُ الحُزن علنًا، ويبكي على الأوراق.
دازاي كانَ يتوقَّعُ أن يرى فيهِ طفلًا تهاوى بيتُ لُعبته؛ فهو لم يعرف غير تشويا الَّذي ينسكبُ حُزنُهُ أمامَ الكلمات وتنهارُ الكبرياء بينَ أحضانها وكأنَّها الأُم الَّتي لم يشبع من حنانِها، لكنَّه تفاجئ بجبلٍ عالٍ شاهق لايعرفُ السُّقوط.. بداخلِهِ ظلامٌ لا يُدرك.
"ماذا تكتب؟"
"أُخربش، أفكارٌ مُبعثرة"
"هل تسمحُ لي بالقراءه؟
كنتُ أُحبُّ الخربشة في مُراهقتي"
"كنت تكتب؟"
"نوعًا ما"
"جميل... تفضَّل"
ناوله الورقة.
"صامتٌ، هائجٌ، فيهِ خبايا
لا يُدركُ جوفَهُ عالمٌ ولا مُسافر
باطنُهُ مخيف،
لا أحدَ يطيقُ الغرقَ فيه،
يشبهُ قلبًا أعرفُهُ،
فيه مِن الظُّلمةِ تكفي لملئ السَّماء"
وكانت باقي الورقة كلماتٌ ممحيَّة تخافُ الظُّهور،
تابعَ دازاي:
"ويُماثلُ بلونِهِ عينا فتى هائمٍ،
يتخبَّطُ الموج في حدقتيه
تَخبُّطًا
يجعلُ النَّاظر لها... يتأمَّلُ دهرًا
.
هكذا رُسمت ملامِحِهُ،
خليطٌ بينَ عتمةِ البحر
وقوَّةِ الموجِ"
"دامَ نبضُ صوتكِ دازاي"
"احببتها؟"
"جميلة"
"أصفُ فيها عينيك"
"أوه!
شكرًا على الاطراء!"
ابتسمَ تشويا.
"ألم تكن تَقصدُ قلبكَ في بدايةِ النَّص؟"
"لا...
قلب شخصٍ لا أذكرُ ملامحَهُ،
لكنَّهُ مازال يخيفُني في صحوي وسهوي"
ارتجف صوته،
ازدرَّ ريقه، وتابع:
"دعه...
أُريدُ رؤيةَ انتقامه عندما يشتدُّ عوده"
"من قتلَ والديك؟"
سأل وفي عينيه لمعةُ قلق.
لم يُجب تشويا، وأمواجُ عينيه كانت ترتجفُ رُعبًا،
قالَ بصوتٍ خافت:
"دماءُ والدتي كانت على بِدلته، يبتسم...
لقد كان يَبسمُ وهو يراني بينَ يدي والدي المَيِّت،
كنتُ أغرقُ بينَ دمائه... دماء والدي . . .
.
عودة يسيرة إلى الوراء:
.
لا أحدَ يدرك أنَّ اللَّيلَ رفيقُ البارود،
الحُزن،
وكـلُّ صرخةٍ مكتومة في قلبِ كاتب.
.
وأكبرُ دليلٍ على كلامي... هذهِ اللَّيلة،
حيثُ صُبغت ضحكاتٌ مُبعثرة بلونِ الدَّم،
وطعمِ الدَّمع،
ومُحيت أرواحٌ لم يفترض عليها الموت...
لكنَّهم كانوا مُجرَّدَ بشرٍ مبتوري الأيدي،
مشنوقونَ بحبلِ القَدر.
.
.
.
امتزجَ الجمالُ مع اللُّطفِ في طفل،
لهُ...
شعرٌ بُرتقاليٌّ ينبضُ باللَّمعان وعينان سكنَ البحرُ فيهما،
نمشٌ خفيف ينتشرُ على وجنتيه كأنَّه يُعانِقُ خلايا وجهِهِ ناصعة البياض.
كثيرَ التَّلعثُمِ فصيحٌ مع الأقلام،
لايُنسى ولا في صدرِهِ أيُّ آلام،
يعيشُ الأيَّام...
كأنها لوحةٌ وألوان،
ينسى البُكاء عندما تُعانقُهُ فتاة...
اسماها أُمِّي.
لكنَّ العذابَ كُتب على الجميع، مع اختلاف مراحلهِ وتسمياته...
وهذا الطِّفل بدأ عذابُه عندما تطايرت قطعُ البابِ الخشبيِّ أمامه...
"اقضوا على كُلِّ فرد، بدون رحمة لا أُريدُ شهودًا!"
"حاضر!"
وخلال لحظات كانت والدتُهُ مرميَّة في بركة من دماء،
حدث أشياءٌ كثير لم تتمكَّن عيناه الخائفتان من التقاطها.
وكانَ آخر مايذكرهُ صرخةُ والدهِ، ودماؤهُ المتناثرة بعدَ دويِّ الرَّصاص.
ارتجف عِندما وجِّه السِّلاحُ إلى حبينه،
لكن ذات الرَّجل قال:
"دعه...
أُريدُ رؤيةَ انتقامه عندما يشتدُّ عوده"
ومنذُ ذلك الحين... تشويا يرتجف،
يكره الدماء،
يخافُ البقاء وحيدًا دون كلمات.
.
عودة إلى البحر:
.
كانت يدا دازاي تعانقُ الأصغر بِحدَّة؛ بعد كلِّ ماقالَهُ... تشويا فقدَ رباطةَ جأشِه وانهارت سدودُ القوَّةِ الَّتي بناها، وانسكبت الذِّكرياتِ بين يدي دازاي الذي كان تائهًا مع كلِّ مايحدثُ أمامه،
لم يتوقع أن يسمع كلامًا مؤلمًا كهذا،
تشويا كان يحتاجُ ملجأً حقًّا؛ لكنَّهُ خائفٌ من الاعتراف،
ومن الخيانة.
[يُتبع]
نجمة؟
𝑺𝒚𝒍𝒗𝒊𝒂