فى تلك الحارة الشعبيه و على القهوة التى تتوسط الحى جلس عمرو و صديقه هاشم يتبادلون الحديث يفضي كل منهم بما فى قلبه لرفيقه لعبه يرتاح .
هاشم :أنا شايف إني فاشل، شايف إني ماعملتش حاجة وموصلتش لحاجة، شايف نفسي برجع لورا مع إن كل الناس بتتقدم، شايف إني مليش قيمة.
عمرو :طب يا عم احِمد ربنا، على الأقل عندك نظر وبتشوف.
هاشم : قوم من هنا يا عمرو علشان منخسرش بعض.
يا عم هاشم اهدى بس، هو انت يعني أول ولا آخر واحد يُطرد من شغله، ولا حبيبته تسيبه، ولا أبوه يطرده من البيت... ثانية واحدة، إيه ده ياض يا هاشم! حياتك دي ولا فيلم رعب؟
هاشم : يا عم قولتلك قوم من جنبي، هو أنا ناقصك؟
عمرو : روق بس يا صاحبي، كل حاجة هتتعدل والله، وحياتك هتتحسن... إلا أنا بقولك كده من 2019، هي حياتك مبتتعدلش ليه صحيح؟
هاشم : علشان أعرفك يا عمرو، هتتعدل إزاي طول ما انت صاحبي؟
عمرو : يا بني ده إن دل على شيء، يدل على إني الشخص الوحيد الصح اللي في حياتك.
هاشم :ده يدل على إنك عقاب ولازق فيا.
عمرو :طلقني لو مش عاجبك، طلقني!
هنا لم يتمالك هاشم نفسه وانفجر ضاحكًا ونسي ما كان يثقل صدره، دائمًا ما يجد مسرته عند صديقه الوحيد عمرو، صديق طفولته وسنده الدائم الذي لم يتخلَّ عنه أبدًا.
لم يكد هاشم ينهي ضحكته حتى وجد من يضع يده على كتفه بقوة، فالتفت ليجد أمين شرطة يُلقي القبض عليه ويضع الأصفاد حول يديه في ذهولٍ منه ومن صديقه عمرو الذي فزع لما يحدث، فلم يدرِ ما يفعل ولا كيف ينقذ صديقه الذي حملته سيارة الشرطة وانطلقت به إلى حيث لا يعلم.
أسرع عمرو إلى زوج أخته سمير، فهو أقرب محامٍ يعرفه. ظل أيامًا يبحث عن هاشم في كل الأقسام حتى وجده أخيرًا، لكنه كان في حالة يُرثى لها؛ لقد تعرض لضربٍ مبرح، وتكوّنت على وجهه آثار لكمات قوية، إحداها أصابت عينيه البنيتين فانتفختا على إثرها، وأخرى على أنفه فأدمته.
عمرو متلهفا: هاشم، إيه اللي حصل؟ مين عمل فيك كده يا صاحبي؟
اقترب منهم أمين الشرطة الذي قيد هاشم بيده.
امين الشرطه : انت بتعمل إيه يا أخينا؟ محدش يتكلم معاه، دي أوامر الباشا.
عمرو :اهدا بس يا حج، أنا عايز أطمن عليه.
امين الشرطه:ممنوع يا بيه، وأحسن لك اتكل على الله من هنا. صاحبك شكله متوصى عليه جامد من فوق.
سمير:طب بس قولي هو عمل إيه واتقبض عليه ليه؟
امين الشرطه: مقدرش أقولك حاجة، ونصيحة ليك خد الأفندي اللي معاك ده وامشي من هنا بدل ما تتأذى إنت كمان.
كاد عمرو أن يرد، لكنه سمع صوت صديقه الشارد ينظر إلى الأرض في انكسار واضح:
هاشم :اسمع الكلام يا عمرو وامشِ.
عمرو :مش همشي يا هاشم، فهمني على الأقل في إيه؟
لأول مرة يرفع هاشم عينه عن الأرض وينظر إلى سمير بعينٍ واحدة، حيث اختفت الأخرى من أثر الكدمة التي أصابتها.
خده وامشِ من هنا يا سمير.
هنا تحدث سمير بقلق واضح :
قولي بس، إنت موقفك القانوني إيه؟ إيه تهمتك؟ أنا هطالب بإثبات حالة على ضربك، وهطلب تقرير طب شرعي يثبت حالتك، وهرفع مذكرة للنائب العام.
صباح بهم هاشم : قولتلكم امشوا من هنا!
قالها هاشم ثم نظر إلى الأرض مرة أخرى. ابتعد عمرو عنه، يتحدث إلى سمير الذي قال مستفهمًا من عمرو:
سمير: إيه حكاية صاحبك يا عم عمرو؟ شكله ملطوط في حوار كبير ومعترف بيه!
عمرو : بالله مش عيب عليك تقول كده؟ بقي إنت تقول كده على هاشم؟ ده عشرة عمرك يا جدع، هو إنت لسه هتعرفه؟
سمير : ماشي،امال إيه الحوار طيب؟ رسيني علشان أعرف أساعده؟
عمرو : هو أنا لو أعرف، كان زماني واقف زي الأطرش في الزفة كده!
لم ينهِ عمرو حديثه حتى لاحظ أن أمين الشرطة يسحب هاشم إلى داخل مكتب رئيس المباحث، الذي دلف إليه قبلهم بدقائق بجسدٍ متعرق ويدٍ عليها آثار دمٍ وخدوش، وكأنها ناتجة عن ضرب شخص، وبالتأكيد هذا الشخص هو هاشم.
قضى عمرو وسمير الليل في محاولة الوصول إلى هاشم أو مقابلة رئيس النيابة حتى يعلموا التهمة الموجهة له على الأقل لمساعدته، لكن كل محاولاتهم فشلت، فاضطروا إلى المغادرة والحضور في صباح اليوم التالي، فهم أخيرًا يعلمون مكان هاشم ولن يتركوه مهما حدث.
لكن ما فاجأهم فى اليوم التالى هو عدم وجود أي أثرٍ لهاشم في القسم!
حاول سمير بكل الطرق إثبات وجود هاشم البارحة في هذا القسم، لكن تم محو اسمه من كل الأوراق التي قد تثبت وجوده. لقد اختفى مرة أخرى بعد أن عثروا عليه أخيرًا!
لقد عادوا إلى نقطة الصفر. تملكهم اليأس، لكنهم أدركوا أن هناك خطبًا كبيرًا قد وقع فيه هاشم، وأن هناك أشخاصًا لهم يدٌ عليا فيما يحدث له.
مرت الأيام والأسابيع والشهور بدون خبر عن هاشم، وما زال عمرو وسمير يبحثان عنه في كل مكان، ويستمران في زيارة أهله ليطمئنا عليهم، فقد ساءت حالة والدته بعد معرفتها بالقبض على هاشم، واضطرت أخته إلى أن تبحث عن عملٍ لتُعيل والدتها ونفسها بعد أن فقدوا مصدر الأمان والرزق الوحيد لهم وهو هاشم.
كان والد هاشم قعيدًا لا يقوى على العمل، لكنه لم يكن يُحسن معاملته أو معاملة أخته، فبرغم حالته إلا أنه كان عائقًا يُثقل كاهل أولاده ولا يُخفف عنهم.
مرت سنةٌ كاملة لم يسمع أحد عن هاشم خبرًا. تم محو اسمه من كل شيء قد يذكر به، وكأنه لم يُولد قط، لم يكن له وجود، لولا وجوده في ذاكرة أهله وأصدقائه لاقتنع البعض بأنه مجرد سرابٍ لم يُخلق يومًا.
لم يكف سمير عن السؤال عنه في كل مكان، يتوجه إليه بصفته محاميًا، سواء بسؤاله بصفته المهنية أو الشخصية، وفي أحد الأيام كان سمير يزور أحد موكليه في السجن، وخلال زيارته له التفت إلى خارج السور الحديدي ليجد شخصًا يجلس في ركنٍ منفردٍ يمسك بغصنٍ ذابل كعينه، يُحرّكه فوق الرمال في تيهٍ وحزن.
صُعق سمير عند رؤيته لصديقه في هذه الحالة، لقد تبدل تمامًا، فلم يعد هاشم صديقه صاحب الشكل المهندم والروح المرحة، بل أصبح أقرب إلى شبحٍ يشبهه من بعيد، يحمل ملامحه نفسها لكنها ذبلت وبهتت لمعتها.
فقد كل ما كان يميّزه؛ نظرته الحادة بعينيه العسليتين تحولت إلى نظرة انكسارٍ وضعف، وابتسامته الصافية تحولت إلى عبوسٍ احتل وجهه مدةً لا يعلمها إلا الله. شعره البني اللامع الذي كان يحرص هاشم دائمًا على تصفيفه بشكلٍ يناسب وجهه المستدير، ولحيته الخفيفة، فقدهما وكأنهما لم يكونا يومًا.
فاق سمير من شروده وتقدم نحو السور، وحاول النداء على هاشم، الذي رفع عينيه بثقلٍ إلى سمير، ثم تحرك ببطءٍ ليغادر مكانه متجاهلًا نداء صديقه المتكرر باسمه.
تعجب سمير لفعل صديقه، لكنه كان في غاية السعادة لمعرفته مكانه على الأقل. بعدها حاول سمير الحصول على تصريحٍ لزيارة هاشم، لكنه تفاجأ بعدم وجود اسمه في سجل السجناء، فعزم على مقابلة مأمور السجن الذي تجمعه به علاقةٌ قديمة، للاستفسار منه عن هاشم، والذي أكد له أنه لا وجود لشخصٍ بهذا الاسم في السجن.
فاقترح عليه سمير أن يصطحبه إلى داخل العنابر ليريه أن صديقه هاشم موجود هنا، وبالفعل بعد أن رآه المأمور، أخبره أن هذا الشخص اسمه قاسم الرشيدي، وهو متهم في قضية اغتصابٍ وقتلٍ، وقد حُكم عليه بالمؤبد.
صُعق سمير لما سمع، وحاول جاهدًا أن يثبت لمأمور السجن أن هذا الشخص اسمه هاشم، وأنه مهندس محترم لا يمكن أبدًا أن يقوم بفعلٍ كهذا، لكن المأمور أخبره أن هناك توصياتٍ عليا على صديقه، وربما تورط في أمرٍ ما.
طلب سمير ملف قضية هاشم، أو قاسم كما أصبح اسمه الآن، فأخبره المأمور أنه لا يمكنه فعل ذلك، ولكن بصفته صديقه سيعطيه نسخة من الملف بصفةٍ غير رسمية، وطلب منه المغادرة وانتظار مكالمته.
غادر سمير بعد أن شكر المأمور ووعده برد الجميل قريبًا.
ما إن خرج سمير من السجن حتى هاتف عمرو طالبًا مقابلته في المنزل بعد قليل.
طرق عمرو على الباب عدة طرقات قبل أن يفتح له سمير الباب.
عمرو :إيه ده؟ هو مفيش صوت للعيال ليه؟ هي نادية قتلتهم؟
سمير : لا، لسه لحد الآن، بس أختك ممكن تعملها قريب.
عمرو :أنا مش عارف إنتو عايشين مع المخبر دي إزاي!
بتقول حاجة يا عمرو؟ (ناداه صوت نادية من المطبخ).
عمرو : ست الكل، ده أنا بقول البيت مضلم ليه، أمال فين نوارة العيلة والشارع ومصر كلها؟
نادية : بطل بكش شوية ياض، إنت، عامل إيه يا قلب أختك؟
عمرو :الحمد لله يا حبيبتي، قوليلي عاملة أكل إيه؟ أصل أخوكي واقع من الجوع.
نادية : دايمًا كده، طفس وهمك على بطنك!
سمير : جهزي له الأكل يا نادية، ده لسه نفسه هتتفتح لما يسمع الخبر اللي هقوله له.
عمرو : استر يا رب، أصل أنا عارف أخبارك يا جوز أختي.
سمير : أنا لقيت هاشم.
كانت الصدمة هي أصغر كلمة تدل على حالة عمرو ونادية.
أغلق عمرو فمه المفتوح من الدهشة و كذلك فعلت بفم نادية ونطق أخيرًا:
عمرو : إنت بتتكلم جد يا سمير؟ لقيته فين؟ طب هو كويس؟ اتكلمت معاه؟ يلا نروح له!
سمير : اهدى يا عمرو، وأنا هفهمك على كل حاجة.
يتبع...
#بقلمي
#نورهان_عبدالمعبود
#رواية_الحقيقة_العمياء
Nourhan Mohamed