زوجي

زوجي

12 0

الحياة بكل ما تمثله و كل ما تحتويه فهي بالنسبة للبشر أداة ضرورية لتشكل الشخصية, و تحدد الهوية, و ترسم الطريق الذي يعبر عن إختياراتنا و يفسر تصرفاتنا, و مع وجود التفرد في العقول و التنوع في التفكير فإن ذلك يعني بأن كل من تمكن من إدراك حقيقة هذه الحياة فإنه بلا شك سيعرف أنها أكبر من أن نعيش فيها بمفردنا و أصعب من أن نواجهها دون وجود شخص بجانبنا, و إن كان الحب شيء حقيقي فنحن بلا أدنى شك بحاجة لإختيار الشخص المناسب الذي سيشاركنا حياتنا بكل تفاصيلها من جيد و سيء, و علينا أن لا نتسرع عندما نقوم بهذا الإختيار لأن مستقبلنا و سعادتنا مرتبطة بشكل مباشر بذلك الشخص الذي سنتزوجه و الذي سيكون شريك حياتنا.. شريكنا في كل شيء.

عندما تعرفت على أمين لأول مرة لم أكن لأتوقع أبدا أن ينتهي بنا الأمر بالزواج, زواج عن حب بالطبع, و ذلك لأن علاقتنا بدأت كصداقة عادية, و ليست حتى صداقة بل أقرب ما تكون إلى زملاء في العمل. كنت قد عدت بعد تخرجي من الجامعة للمدرسة التي درست فيها في طفولتي لكن هذه المرة ليس كتلميذة لم تنهي تعليمها, أو مجردة زائرة تريد استرجاع ذكريات طفولتها, بل عدت كشخص مختلف, عدت كمعلمة, و هي المهنة التي أحببتها و كنت قد اخترتها دون غيرها منذ وقت طويل, منذ أن كنت تلميذة صغيرة بدوري.

أنا أتذكر يوم لقائنا الأول جيدا, كما أنني أتذكره بجميع تفاصيله, و السبب في ذلك يعود لأن ذلك اليوم كان يومي الأول في التدريس, و يومي الأول في مهنة كنت سأختبرها من منظور مختلف, حيث لم أعد تلميذة تحت مسؤولية مجموعة من المعلمين بل معلمة مسؤولة على مجموعة من التلاميذ, و مثل هذه مسؤولية لم تجعلني متوترة فحسب بل أيضا خائفة, خائفة من أنني لن أكون قادرة على أداء دوري في تعليم هؤلاء الأطفال على أفضل ما يجب. كانت تنتابني الكثير من المشاعر الأخرى كالحماسة لبداية فصل جديد من حياتي, و الحنين للمدرسة بجميع أركانها و جدرانها التي كانت جزءا مهما من فترة طفولتي, لكن سرعان ما طغت على نفسي شعور مختلط بين السعادة و الطمأنينة عندما التقيت بالمدير و المعلمين الذين بذلوا كل ما في وسعهم ليستقبلوني بحفاوة و ليرحبوا بي كفرد جديد في مجموعتهم الصغيرة. كانوا قد اجتمعوا في غرفة استراحة المعلمين و انتظروا حتى دخلت برفقة المدير الذي كان أول من استقبلني عند مدخل المدرسة, و ما أن دخلت لتلك الغرفة حتى اندفعوا نحوي بوجوه بشوشة مبتسمة و بمختلف عبارات الإستقبال و التهنئة, أما أنا فقد ظللت صامتة, مبتسمة, و قد مددت يدي نحو كل يد أرادت أن تصافحني, و من بين كل هؤلاء المعلمين لم أتعرف منهم سوى على ثلاثة أو أربعة كانوا نفسهم من بقي يدرس منذ أن كنت تلميذة و قد تعرفوا هم بدورهم علي فكانت فرحتهم بوجودي بينهم أكثر من الآخرين, أما بقية المعلمين فقد كانت وجوههم جديدة تماما علي, لكن ذلك لم يمنع أنهم عاملوني بلطف و لم يقصروا في الترحيب بي. كان أمين آخر من رحب بي لكنه كان أول من غادر الغرفة, كان قد ابتسم في وجهي فابتسمت في وجهه, ثم مد يده نحوي فصافحته, فلم يقل سوى كلمات قليلة ليرحب بي ثم استأذن ليغادر.

في الأسابيع الأولى و الشهور الأولى كانت علاقتي بأمين مثل علاقتي بباقي المعلمين, بل كانت محادثاتي معه أقل بكثير من محادثاتي مع أي شخص آخر, فعلى غرار التعليم ليس هناك أي نقاط مشتركة بيننا, لذلك فإن أغلب محادثاتي معه كانت بخصوص التلاميذ الذين نشترك في تدريسهم, و لأن له الأقدمية و الخبرة في هذا المجال مقارنة بي فهو لم يبخل علي بالنصائح التي أفادتني في تطوير قدراتي التعليمية و توطيد علاقتي بالتلاميذ المسؤولة على تدريسهم, أما عن علاقتي به فهي لم تتطور من مجرد زملاء إلى أصدقاء سوى في بداية سنتي الثانية في هذه المهنة, بل إن صداقتنا قد تطورت كثيرا في غضون أسابيع قليلة لنكون أصدقاء مقربين. لقد أقامت المدرسة رحلة ميدانية للتلاميذ لأحد متاحف المدينة, رحلة تجمع بين الترفيه و التعليم, و قد تم اختياري أنا و أمين من قبل المدير لنقوم بتنظيم هذه الرحلة و لمرافقة التلاميذ ذهابا و عودة, و قد قال المدير بأن السبب الذي جعله يختارنا نحن الاثنان بالذات, أولا لأننا في مقتبل العمر مما يجعل تعاملنا مع التلاميذ سلسا, و ثانيا لأن أمين محبوب من طرف التلاميذ أما بالنسبة لي أنا فهي فرصة لأشارك في الأنشطة التي تنظمها المدرسة. و سواء كان اختيار المدير مدروسا كما قال أو فقط عشوائيا فإن هذا لم يمنع أن تلك الرحلة المدرسية كانت من أمتع التجارب التي عشتها, و أنا لا أخفي أنني قد أحسست خلال الرحلة بأنني تلميذة صغيرة كبقية التلاميذ, و أنني استمتعت برفقة امين الذي كان لطيفا كفاية ليسايرني في تصرفاتي شبه الطفولية, حتى أنه هو الآخر قد أظهر الجزء الطفولي من نفسه و اندمج معي و مع بقية التلاميذ حتى يرسم السعادة على وجوهنا.

لقد اقتربت في فترة قصيرة من أمين و من تفاصيل حياته, و في تلك الفترة القصيرة كنت قد تعرفت عليه أكثر, فعرفت ما يحبه و ما يكرهه, ما يسعده و ما يغضبه, لقد عرفت أي نوع من الأشخاص يكون و ما يريد أن يحققه. لقد كان أمين يكبرني بخمسة سنوات, و قد كان شخصا مرحا, محبوبا, متفائلا بالحياة, يعشق مهنته و يقدم المساعدة لكل من يطلبها, و هذا ما جعله يكون من أفضل المعلمين رغم صغر سنه. أما عن عائلته فله أخت أكبر منه و هي متزوجة, و له أخ أصغر منه بسنتين ترك الدراسة و هو يعمل في مجال البناء, كلا والديه على قيد الحياة و هو يعيش معهما برفقة أخيه.

أستطيع أن أقول الكثير من الأشياء عن أمين لأصف شخصيته, لأبرز أفضل ما فيه, لأعدد كل ما يتميز به عن الآخرين, و لأبين كيف جعله ذلك يصبح ماهو عليه الآن, و من بين كل هذه الأشياء الكثيرة التي ساهمت بشكل كبير في احترامي له كإنسان و توطيد علاقتي به كأصدقاء مقربين هي علاقته بتلاميذه, و مثل ما جعلتني ميزته هذه أعجب به فقد جعلتني أيضا أحسده عليها, أو بالأحرى أغار منه, فأنا قد كان هدفي الأول من التعليم هو الوصول لقلوب التلاميذ و لأكون قدوة لهم مثلما فعلت أمي أثناء سنوات عملها, و أنا لا أنكر بأنني في بعض المرات عندما أرى كيف يتعامل أمين مع التلاميذ, و كيف ينجح بسهولة في رسم الإبتسامة في وجوههم, و كيف يحفزهم بأسلوبه المميز على الدراسة, و كيف يساعدهم على بذل أقصى ما يستطيعون و بالتالي إخراج أفضل ما فيهم, و أنا في كل هذه المرات أتخيل أمي أمامي و هي تقوم بما يقوم به هو في ذلك الوقت, و هذا ما يجعلني في كل مرة من هذه المرات أقول في نفسي بأنه يجب علي بذل المزيد من الجهد لأحقق ما حققه و لأصل إلى ما وصل إليه.

كان الوقت قبل العطلة الصيفية بشهر عندما صارحني بحقيقة مشاعره نحوي, و في المقابل فقد كنت أنا بدوري أحمل بعض المشاعر نحوه, لكنها كانت مشاعرا مختلطة و غير مفهومة مما جعلني أتردد في البداية و لا أعرف بما أجيبه, و فيما كنت أنا صامتة و متفاجئة بما قاله فقد اكتفى هو بابتسامة تخفي ورائها سعادة كبيرة, و عندما استجمعت شجاعتي لأسئله عن سر سعادته رغم أني لم أقل له أي شيء قال بأنه حتى إن لم أقبل أنا به فهو لا يزال أسعد إنسان في العالم لأن الحياة جمعتني به. فكانت كلماته تلك كافية بالنسبة لي لأعرف.. بل لأتأكد بأنه الشخص المناسب لأكمل حياتي معه, و أنه هو بلا شك جزء مهم من السعادة التي أسعى لتحقيقها.

في نهاية تلك السنة أقمنا احتفالا صغيرا جمع عائلتي بعائلته و تمت خلاله خطوبتنا بصفة رسمية, و في نفس الوقت من السنة التالية تزوجنا. لقد أقمنا زفافا بسيطا اجتمع فيه كل معارفنا و أصدقائنا, فشاركونا فرحتنا و دعمونا بمحبتهم, لكن هذا أيضا لم يمنع بأن البعض, كما هي العادة لدى البشر, قد ظنوا بأننا قد تسرعنا في تحديد موعد الزفاف, سواء من خلال التلميح أو إخبارانا بصفة مباشرة, و سواء كانوا على حق أم لا فإن ذلك لم يمنع أنني أنا و أمين قد كنا مقتنعين بأنه كان الوقت المناسب.. و الوقت المثالي, لإقامة الزفاف.

أنا لم أتزوج منذ فترة طويلة لأقول بأن الزواج جيد أم سيء, أو لأحدد إيجابياته و سلبياته, أو لأنصح طالبي النصيحة ممن هم مقبلين على الزواج. أنا أعترف بأنني لست مخولة للإجابة عن هذه الأنواع من الأسئلة, لكن من ناحية أخرى فإن ما أعرفه على وجه اليقين, و ما أستطيع أن أقوله دون تردد هو بأن إختيار شريك الحياة المناسب.. بأن اختيار الزوج المطلوب, أو فارس الأحلام كما يفضل أن يطلق عليه البعض, أنا أقول.. بل أعترف بأنه يمثل نعمة لا تقدر بثمن, و بالنسبة لي, عندما أفكر في زوجي و ما يمثله في حياتي, فهو الراحة عند التعب, و هو السند عند الشدة, و هو الصديق عند الحاجة, و هو بإختصار كل شيء ناقص من نفسي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قطعة صغيرة من السعادة

المؤلف Mondher Rhamni
2025/11/08 مكتملة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة