إن الذكريات تحترق بداخلي لتدفئ جسدي البارد, و لتنسيني كل آلامي, لتحفز جميع مشاعري, و لتواسي ما بقي لي من وقت في هذا العالم. لقد أتى اليوم الذي من أجله تحملت المرض الخبيث الذي استهلك صحتي و جسدي, و بعد انتظار فاق النصف ساعة داخل قاعة العمليات, نصف ساعة مرت و كأنها دهر من الزمن, دخل الطاقم الطبي و بدأت العملية, كانت عملية قيصرية تحت تخدير نصفي, و هذا النوع من التخدير يجعلني لا أشعر بالألم بينما أنا مستيقظة و واعية تماما بما يحدث حولي. في تلك الدقائق الأولى منذ بداية العملية كنت خائفة, قلقة, متوترة, و كنت أنتظر بفارغ الصبر حتى أسمع ذلك الصوت, ذلك الصراخ الصغير, لأعرف بأن كل شيء يسير على خير ما يرام, و لأعرف بأنني اتخذت القرار الصحيح عندما عارضت طبيبتي و زوجي و رفضت الإجهاض. ثم.. في لحظة لا يمكن سوى أن تكون الأسعد في حياتي, سمعت صراخها الجميل الذي اخترق قلبي قبل أذناي, و بعد أن سمعت الطبيبة و هي تهنئني و تقول بأن الطفلة في صحة جيدة تقدمت احدى الممرضات نحوي و هي تحمل ابنتي العزيزة, فانحنت بها نحوي لأراها بشكل أفضل, و أنا.. عندما رأيتها.. غمرني شعور لا يوصف بالسعادة, فضحكت, و نزلت دموعي, و أحسست لأول مرة بطعم الأمومة. كانت مثل الملاك, مميزة منذ ولادتها, عيونها كبيرة و براقة تحمل داخلها كل آمالي و أحلامي, و بشرتها.. عندما قبلت خدها الطري, كانت ناعمة و دافئة, و كأنني رميت بنفسي داخل حوض ماء دافئ ليعطيني شعورا بالأمان و الإسترخاء.
عندما انتهت العملية و أعادوني لغرفتي كنت أشعر بتعب شديد, و أن كل عظمة من جسدي قد سحقت تحت شاحنة ضخمة, لكن ما أن أحضرو لي ابنتي و حملتها للمرة الأولى في حضني دبت في جسدي طاقة جديدة و تلاشى كل ذلك التعب و كل ذلك الألم الذي تحملته لوقت طويل, لقد لمست روحي و وصلت لأعماقي و كل ذلك لتضيء عالمي, كما أنها غرست داخلي ذلك الشعور.. بالأمل, و كأنها تريد أن تخبرني بأن لا أستسلم, بأن أقاوم مرضي, بأن أحارب اليأس الذي تسلل لنفسي حتى أعيش.. حتى أحيا.. حتى أشاركها نفس المستقبل. في تلك اللحظة كنت قد اتخذت أهم قرارين في حياتي, الأول أن أحارب مرضي من أجلها, و الثاني أن أسميها أمل, لعل الأمل يكون دائما إلى جانبها كما هي الآن إلى جانبي.
كان زوجي أول الزائرين, فدخل متثاقل الخطى مغمورا بالسعادة, فاقترب مني ليطمأن علي ثم مد يده و حمل ابنتنا, حملها برفق و حذر و كأنه يخشى أن تنزلق من بين أصابعه, فنظر إليها, و استمر بالنظر إليها, و مثلي تماما كانت دموعه قد شاركته فرحته و شاركته سعادته.
كان هناك شيء بداخلي يجب أن أبوح به, شيء يجب على زوجي أن يعرفه و أن يفهمه, فقلت: أريد أن أخبرك شيئا قبل وصول بقية العائلة.
فنظر نحوي بعيون قلقة و قال: ماذا؟.. هل أنت بخير؟
- لا تقلق أنا بخير, فقط أردت أن أشكرك لوقوفك بجانبي و لمساندتي رغم كل شيء..
- لا داعي لقول هذا فأنت أهم شيء حدث لي..
- أرجوك لا تقاطعني فأنا لم أنتهي بعد.
- حسنا.
- أنا أعرف بأن مرضي قد إنتشر أكثر من ذي قبل و أصبح علاجه أصعب في الوقت الحالي, لكن رغم هذا فأنا لن أستسلم و سأحاربه بكل ما أوتي لي من قوة, و سأخضع للعلاج و سأصبر على كل الألم الذي سيسببه لي, لأنني أريد أن أعيش لأرى يوم غد, لأرى ابنتي و هي تكبر, و لأرى عائلتنا تعيش حياة طبيعية و سعيدة, لكن هناك شيء واحد أريدك أن تعدني به, و هو في حال لم تجري الأمور بشكل جيد معي فأنا أريدك أن تدفنني بجوار أمي, فأنا لم تسنح لي الفرصة لأكون بجانبها و هي حية لذلك أقل ما يمكنني فعله هو أن أكون بجانبها و هي ميتة.
لقد اكتملت سعادتي بوجود أمل في حياتي, لقد كانت القطعة الأخيرة التي من خلالها اكتملت الصورة التي تمثل سعادتي, و بالنسبة لمرضي فقد انقضى الآن شهران من العلاج الكيماوي دون أن يكون هناك تحسن ملموس, لكن رغم ذلك فلن أستسلم, و سأستمر في المقاومة حتى آخر لحظة, فالأمل الذي أستمده من ابنتي لن يتلاشى و لن يتزحزح.
Mondher Rhamni