قبل أن أكون ما عليه أنا الآن, أي قبل أن أكون امرأة ناضجة, و قبل أن أكون معلمة, و قبل أن أكون زوجة, قبل كل هذا.. كنت فتاة صغيرة يتيمة, فتاة بسيطة لا تزال تعيش حاضرها و لا تعرف ما يخفيه لها مستقبلها, فتاة ربما صغر سنها لم يمنعها من أن تكون لها أحلام كبيرة, أو أن صغر سنها هو ما لم يسمح لها بعد بالحصول على أحلام خاصة بها. لقد فكرت الكثير من المرات كيف ستكون حياتي و كيف ستكون طفولتي إذا كانت أمي لا تزال على قيد الحياة, هل كنت سأحضى بكل ذلك الإهتمام؟.. كل ذلك الحب؟.. هل سيكون المجتمع في صفي أو ضدي؟, هل سيتعامل معي كفتاة مميزة أم كفتاة عادية؟, و أنا.. هل ستضعني الحياة في نفس الوضع الذي عليه أنا الآن؟.
في طفولتي, و في سنوات دراستي الأولى, كان الجميع يتعامل معي بلطف مبالغ و بإهتمام دائم, لكن خلف ذلك اللطف و الإهتمام كنت أنا بالنسبة لهم مجرد فتاة مسكينة.. فتاة هشة فقدت توازنها الأسري, فتاة بحاجة لحياة متوازنة, لذلك فقد كان أبي يتعامل معي بدورين, كأب و أم, كان هو من يضعني في السرير في الليل, و كان هو من يعد لي طعام الإفطار, و هو من يأخذني للمدرسة, و هو من يسهر بجانبي و يهتم بي عندما أمرض, و مهما كانت مشاكله و مشاغله فقد كان يجد الوقت لي, و كانت الإبتسامة لا تفارقه عندما يكون معي, لقد بدى و كأنه وجد توازنه, و وجد سعادته, معي أنا, ابنته الوحيدة. أما في المدرسة فقد كان الأمر غريبا بعض الشيء, و ذلك لأن كل المدرسين, الذين أعرفهم و الذين لا أعرفهم, الذين قاموا بتدريسي و الذين لم يدرسوني, كانوا كلهم يعرفونني, و كانوا كلهم يتعاملون معي بطريقة مختلفة عن بقية التلاميذ, فأنا لم أكن بالنسبة لهم أميرة, التلميذة الصغيرة المجتهدة, لا.. فأنا كنت بالنسبة لهم الفتاة المميزة, الابنة المعجزة لحسناء.. المعلمة الإستثنائية. حتى أنني عندما أسمعهم يتحدثون عني فهم لا يشيرون إلي بإسمي, بل يقولون ابنة حسناء, و كأنه لقب مطبوع في عقولهم بدل اسمي الحقيقي, و أنا حقيقة لم أمانع كل ذلك, فأنا بدوري تعلقت بأمي و أصبحت بحاجة لسماع اسمها حتى أشعر بوجودي, و أشعر بأنني ذات قيمة, حتى أنني في ذلك اليوم الذي رأيت فيه اسمها محفورا على باب القسم الذي كانت تدرس فيه, كتخليد لذكراها, و كإعتراف بكل مجهوداتها في سلك التعليم, في ذلك اليوم نفسه كنت قد قررت ماذا سأكون في المستقبل.
لقد اجتهدت كثيرا في دراستي, فانقضت السنوات تباعا و أنا لا أزال أملك نفس الحلم, و لا أزال أحمل نفس الإرادة التي رافقتني حتى بلغت الجامعة, و هناك ضاعفت طاقتي, و ضاعفت إرادتي, فدرست و درست حتى حققت هدفي و أصبحت معلمة, لكنني لم أتوقف عند هذا الحد فحلمي أكبر من هذا بكثير, حلمي أن أخطو فوق خطوات أمي و أن أحمل عزيمتها, و أن أكمل ما بدأته و أن أصل لما وصلت إليه. لذلك عندما حل اليوم الذي انتظرته طويلا, اليوم الذي تخرجت فيه, حملت شهادتي, و حملت كل مشاعري و آمالي, و اتجهت مباشرة لقبر أمي, فقد أردت أن تكون هي أول شخص يشهد ما حققته, و أول شخص يشاركني فرحتي. كنت قد وقفت عند قبرها و أخبرتها بأنني الآن معلمة مثلها, بأنني الآن وريثة رسالتها و حاملة شعلة أحلامها, و وعدتها بأنني سأبذل كل جهدي حتى تفخر بي. كنت قد ضحكت, ثم بكيت, ثم ابتسمت, ثم تحدثت, ثم صمتت طويلا, ثم بكيت مجددا, و كنت قد أخبرتها بكل ما أحسست به, و أحسست بأنني لم أخبرها بكل ما أريد قوله, و في الأخير.. قبل أن أرحل, و بعد أن نزلت آخر دمعة من عيني, وضعت وردة حمراء بجانب شاهد قبرها, و أخبرتها بأنني أحبها, و أنني سأبقى أحبها حتى آخر لحظة من حياتي.
عندما بدأت عملي لأول مرة, و دخلت لمدرستي بعد غياب طويل, وقفت أمام القسم الذي درست فيه أمي و قلت في نفسي: أخيرا أنا هنا.. أنا الآن معلمة مثل أمي.. أنا سأبذل ما بوسعي لأحقق ما حققته.
لقد عملت بجهد, و تعاملت مع تلامذتي كما تعامل معي معلميني في السابق, و بذلت كل ما في وسعي لأكون معلمتهم و صديقتهم في نفس الوقت حتى أفهمهم بشكل أفضل, و لأصل لقلوبهم قبل عقولهم, و قد كنت محظوظة لأنني جنيت ثمار جهودي في وقت قياسي, و سرعان ما أصبح اسمي معروفا بين الجميع, فكان الأطفال يحبونني, و كان المعلمون يشجعونني, و كان الأولياء يشكرونني, و أنا.. في ذلك الوقت.. كنت قد انتشيت بطعم النجاح و الشهرة, و الأهم من ذلك.. أنا كنت أسعد إنسانة في العالم.
تلك السعادة التي امتلكتها لم أكن أتوقع أنها على وشك أن تتضاعف بشكل كبير, و لم أكن أتوقع أن الحب يمكن أن يغير الإنسان ويرفع سقف طموحه ليتجاوز كل الحدود الممكنة, لأنني عندما وقعت في الحب تغيرت نظرتي للحياة, و لم أعد وحدي في مواجهة العالم, فأمين.. الرجل الذي أحببته و تزوجته, لم يشاركني حياتي فحسب, بل شاركني أفكاري, و أحلامي, و مشاعري, و دعمني في كل شيء رغبت به.. عدى شيء واحد فقط, و هو ما سأتحدث عنه الآن, و هو سبب وجودي في هذا المكان طوال العشرة الأيام السابقة.
كان ذلك عندما أحسست بألم حاد في بطني, و هذا الألم كنت قد أحسست به عدة مرات من قبل, لكن في ذلك اليوم كان الألم أشد و كان مرفوقا بغثيان مستمر و دوخة خفيفة. عندما ذهبت للمستشفى و أجريت كل الفحوصات اللازمة اجتمعت بي الطبيبة أنا و أمين في مكتبها الخاص و قالت بأن الفحوصات أعطت نتيجتين مختلفتين, الأولى هي أنني حامل في بداية الشهر الثاني, أما النتيجة الثانية فقد أظهرت وجود ورم صغير, لكن الفحوصات لم تكن كافية لتبين إن كان ورما حميدا أم خبيثا, لذلك طلبت مني القيام بالمزيد من الفحوصات التي تستغرق عدة أيام لتجهز, و طلبت مني أن أعود فور حصولي على النتائج. و هكذا قمت بكل الفحوصات اللازمة التي طلبتها مني, و انتظرت بصبر أربعة أيام حتى حصلت على النتائج, ثم عدت بها للطبيبة على أمل أن تكون تحمل أخبارا جيدة.
نظرت الطبيبة للفحوصات و تمعنت فيها مطولا, ثم طلبت مني أن أستلقي على الفراش من أجل إجراء صورة بالصدى لتفقد كل من الجنين و الورم, و عندما انتهت أخبرتني بالتفصيل بحالتي الصحية, قالت بأن الجنين بصحة جيدة و نموه طبيعي, أما عن الورم فهو للأسف ورم خبيث و يجب التعامل معه بسرعة. لقد أخبرتني بأن لا أخاف لأن الورم لا يزال في بدايته و يمكن إزالته بسهولة من خلال العلاج الكيماوي, لكن المشكلة الوحيدة هو أن العلاج الكيماوي سيشوه الجنين و يعرضه لخطر الموت, و لأن العلاج يجب أن يبدأ في أقرب وقت ممكن حتى لا يتطور الورم و ينتشر لكامل جسدي أخبرتني بأن إجهاض الجنين أمر ضروري و لا مفر منه, كما طلبت مني أن أفكر مليا قبل أن أتخذ القرار و أكدت أكثر من مرة بأن حياتي أهم من حياة الجنين, مبررة موقفها بأن لدي الفرصة لا تزال قائمة لأحمل مرة أخرى بعد شفائي.
بالنسبة لي, عندما وضعتني الطبيبة أمام اختيارين لا ثالث لهما, إما أنا و إما الجنين الذي في بطني.. الجنين الذي ليس له أي ذنب لأحكم عليه بالموت, كنت قد اخترته على الفور, كنت قد وقفت و قلت دون تردد بأنني أختاره على نفسي, و أني مستعدة للتضحية بنفسي من أجل أن يعيش هو, لكن في ذلك الوقت كان أمين قد عارض قراري لأول مرة, و صرخ في وجهي لأول مرة, كان قد فضلني أنا على الجنين, و فضل سلامتي على سلامته, متخذا نفس الموقف مثل الطبيبة, لكنني أصررت على موقفي, و خيرت رغبتي على رغبته, كما أخبرته بأنني أفضل بقاء موضوع مرضي بيني و بينه فقط و أن لا يخبر أي أحد سوى من العائلة أو الأصدقاء. كان زوجي مصرا على موقفه, لكن بعد مرور أكثر من أسبوع و هو يحاول إقناعي بالعدول عن رأيي كان قد استسلم, و أيقن بأنه مهما فعل فهو لن يستطيع إقناعي, و بدل ذلك أخبرني بأنه يحبني كثيرا و أنه سيدعمني مهما كان قراري, و أنا.. عندما أعلن دعمه اللامتناهي لي.. كنت قد أحسست بمدى حزنه و خوفه, فهو في النهاية لم يرغب سوى بأن أكون بخير, و أن أكون سعيدة.
عندما أخبرت الطبيبة بأنني لن أتخلى عن طفلي, و أنني سأتقبل قدري مهما كان مادام أنه سيولد في صحة جيدة, فوصفت لي بعض المسكنات و الفيتامينات و أخبرتني بأن الآلام ستزداد, و أن الغثيان لن يتوقف, و أن الورم سينتشر تدريجيا في جسدي. و هكذا في الشهور التالية تحملت الألم, و التعب المستمر, و الغثيان المتواصل, كما قمت بفحوصات أسبوعية, و راقبت نمو الجنين إلى أن عرفت مؤخرا بأنها فتاة, حتى إذا إقترب موعد ولادتي أخبرتني الطبيبة أن أقضي الأيام القليلة المتبقية في المستشفى كإجراء وقائي و ذلك من أجل متابعة حالتي الصحية عن كثب, فوضعوني في هذه الغرفة. و لأكون صادقة أنا أشعر بالخوف و القلق, لذلك فإن الحديث يشتتني عن التفكير المفرط في ما سيحدث تاليا, و أنت.. مثل النساء الثلاثة الذين شاركوني هذه الغرفة قبلك, فقد كنت لطيفة كفاية لتستمعي إلي.
- هل أخبروك متى ستجرين العملية؟
- غدا صباحا.
- للأسف فأنا سأغادر اليوم و لن أكون حاضرة لدعمك حتى موعد عمليتك. لكن على كل حال أرجو أن تجري الأمور على أفضل ما يكون معك, و أنا أعدك بأنني سأعود قريبا لزيارتك و الإطمئنان عليك و على ابنتك.
- شكرا لك.
Mondher Rhamni