صلّوا علىٰ رسولِ اللّه
_________
كانت أشعة الصباح الذهبية تتسلل من نوافذ المطبخ الواسع، حيث انتشر عبق الخبز الطازج والشاي الساخن على مائدةٍ عامرة أُعِدّت بعناية. جلس مالك عزيز إلى جوار زوجته نور، يراقب بعين الأب الحنون تفاصيل بيته وهو يضج بالحياة.
من المطبخ أطلّت سميرة المساعدة تحمل إبريق الشاي.
نور نادت بنبرة معتادة:
– سميرة!
أجابت باحترام:
– نعم يا ست نور هانم.
ضحكت نور وهي تقول:
– يا سميرة كام مرة أقولك قولي نور بس، من غير "هانم".
لكن سميرة أصرّت:
– ما ينفعش يا ست نور.
ابتسمت نور:
– خلاص قولي أم أحمد أو أم عائشة، كفاية كده.
من طرف الطاولة، تسللت ضحكة مريم قائلة بخبثها الطفولي:
– طب ما ينفعش تبقى "أم مريم" يا ماما؟
التفتت نور إليها بعاطفةٍ غامرة، ضمّتها بعينيها وقالت:
– مريوم أنتِ حبيبة قلبي، بس الكبير كبير يا حبيبتي.
ضحكت مريم قائلة:
– ماشي يا ست نور هانم، ماشي فين العدل والقانون والمساواة بقىٰ؟ فين ال
وقبل أن تُكمل، جاء صوت مالك الأب من خلفها يمازحها بلُطفٍ:
– بس بس! إيه الحنفية اللي اتفتحت ومش عارفين نقفلها دي؟
ضحكت نور وابنتها معًا، فمالت مريم على أبيها قائلة:
– معلش يا سي بابا، بس ينفع اللي ماما بتقوله ده؟
أجابها مالك بابتسامةٍ واسعة:
– بتقول إيه مراتي حبيبتي.
زفرت مريم ساخرًة:
– آه حبيبتك..كده خلاص مش هاخد منك حق ولا باطل!
ضحك مالك:
– بس يا لمضة.
ثم التفتت نور إلى ابنتها:
– هي عائشة لسه ما صِحيتش يا مريم؟
أجابتها مريم:
– أظن لا، كانت سهرانة إمبارح بتسمع كرتون.
رفعت نور حاجبيها بدهشةٍ ممتزجة بالضحك:
– البنت دي مش هتكبر؟! في الجامعة وبيتقالها
"يا دكتورة عائشة"، ولسه قاعدة على سبونج بوب؟
ضحكت مريم وهي تحاول الدفاع:
– عادي يا ماما، وإيه يعني؟
هزّت نور رأسها بمرحٍ ساخر:
– ماشي يا "دكتورة مريم"، ما أنا بكلم واحدة هبلة برده قاعدة على الكرتون هآخد منها إيه يعني!
ضحكت مريم بخفة:
– سامحكِ الله يا غالية.
قاطعهما مالك وهو يبحث بعينيه:
– طيب وأحمد فين؟
نور:
– صحيته من شوية، بياخد شاور ونازل.
ابتسم مالِك وقا:
– تمام..يلا يا مريم، روّحي صحّي عائشة عشان نفطر. وما تتأخريش، النهارده أول يوم جامعة ليكِ وأنا ورايا شغل.
ارتعش قلب مريم بخليطٍ من الحماس والقلق، واعترفت وهي تنظر إلى أبيها:
– اه يا بابا أنا متحمسة جدًا بس خايفة..خايفة أوي.
– خايفة من إيه يا دكتورة مريم هانم؟
قالها مالك ممازحًا.
ترددت قليلًا قبل أن تهمس:
– سمعت إن يوسُف ابن عمّو ممكن يدخلنا عشان هو إتعيّن معيد و في نهاية السنة اللي عدت دخل شرح بدل دكتور هناك و عجبهم شرحه فبقوا يدخلوه كتير.
أشرق وجه مالِك وكأن الخبر أراحه:
– جميل جدًا..على الأقل أبقى مطمِّن عليكِ. بس إيه اللي يخوّف بقا؟
ارتبكت مريم وقالت بسرعة:
– يا بابا..يوسف ابن عمو ده يخوّف! أول ما بشوفه في طريق بجرى.
ضحك مالك:
– يوسف محترم جدًا، بس هو مش بيحب الدلع.
و بعدين بنتي، محترمة، وهتبقي دكتورة شاطرة إن شاء الله..مش كده؟
ابتسمت مريم بخجل:
– طبعًا يا بابا صح إن شاء الله..طيب، أنا هروح أصحي عائشة قبل ما نِتساهر أنا و أنتِ و تروح عليا الجامعة و أتدبس مع ماما في المطبخ.
ضحك مالِك قائلًا:
– يلا يا دكتورة، اطلعي.
______
في غرفة عائشة، طرقت مريم الباب مرارًا قبل أن تيأس وتقول لنفسها:
– أنا عارفاكِ…لو خبطت لبُكرة مش هتصحي. هدخل وخلاص.
دخلت مريم بخطواتٍ حذرة، ثم اقتربت من السرير وجذبت الغطاء فجأة:
– بت يا عائشة، اصحي!
تمتمت أختها بصوتٍ مبحوح:
– سيبيني يا مريم…عايزة إيه؟
أجابت مريم وهي تبتسم رغم عصبيتها:
– عايزة سلامتك يختي…اصحي، خلينا نفطر ونلحق المحاضرات.
فتحت عائشة عينيها متثاقلة:
– ماشي يا مريم…قايمة أهو.
أشارت لها أختها:
– يلا بقى اجهزي بسرعة عشان ما نتأخرش.
أنا هغيّر هدومي و أنزل نفطر…أحمد هييجي يوصّلنا قبل ما يروح مع بابا.
ردت عائشة بمزاح:
– ماشي ياختي، يلا اطلعي من غير مطرود.
______
لم يمر وقت طويل حتى كانتا الاثنتان أمام المائدة، كل واحدة في ثوبها الجديد:
مريم ترتدي فستانًا نبيتيًا بنقابٍ مماثل اللون، بينما عائشة اختارت فستانًا زهريًا بخمارٍ بسيط.
ألقت عائشة السلام بصوتٍ رقيق:
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأجاب الجميع:
– و عليكِ السلامُ و رحمة الله وبركاته.
جلسوا جميعًا في أجواء أسرية دافئة، تبادلوا الضحكات والأحاديث، ثم بعد الإفطار انطلق أحمد بسيارته ليوصِل أختيه إلى الجامعة.
في الطريق، نظر إلى مريم بمكرٍ وقال:
– على فكرة، محاضرتك بدأت من نص ساعة يا أستاذة..الساعة دلوقتي تسعة وربع.
شهقت مريم بصدمة:
– يا نهار أبيض! من أول يوم كده؟! هنتطرد!
ضحكت عائشة:
– خير يا مريوم..هتلحقي إن شاء الله.
رمقتها مريم بغضبٍ ساخر:
– اسكتِ إنتِ! ده كله بسببك..ساعتين عما تصحي!
بينما تضحك عائشة ببراءة:
– أنا؟ ده أنا نومي خفيف ولطيف.
ضحك أحمد وهو يوقف السيارة:
– خلاص يا بنات، يلا انزلوا..كل واحدة على مدرّجها.
ترجلت الأختان، ولوّحت عائشة بيدها لمريم قبل أن تفترق طرقهما.
توجهت مريم إلى مدرجها بخطواتٍ مترددة بعد أنا أشارت لها عائشة عليه، طرقت الباب بخفة، ودخلت قائلة:
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رفع يوسف رأسه من بين أوراقه، و هو ينظر بتعجبٍ
ماذا تفعل هذه الآن بعد المحاضرة بما يقارب الساعة إلا ربع:
– وعليكِ السلام ورحمة الله وبركاته..
رايحة فين يا دكتورة؟ ما تخلّيكِ شوية كمان.
تجمّدت مريم في مكانها، وقلبها يخفق بقوة..
_______
لا تنسوا ذكر الله و الصلاة و السلام علىٰ رسول الله
أستودكم الله.
Mir_Zeile