صـلّوا علىٰ رسولِ اللّه
________
كان الصباح هادئًا، والهواء يحمل برودة خفيفة تُلامس الوجوه برفق.
خرجَ مالك من باب الفيلا بخطواتٍ ثابتة، يحمل في يده مفاتيح سيارته، وعيناه تتجهان نحو الممر المرصوف بالأحجار الصغيرة التي لامستها أشعة الشمس الأولى.
وقبل أن يفتح باب السيارة، لمح عند البوابة أخاه عبدالرحمن يقترب، و علىٰ وجهه ابتسامةٌ ودودة.
قال عبدالرحمن بصوتٍ دافئٍ:
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
التفتَ إليه مالك مبتسمًا، وبنبرةٍ لطيفة ردّ:
_ وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
سأله عبد الرحمن قائلًا:
– رايح الشركة دلوقت ولا مشوار ولا إيه؟
– أيوه رايح الشركة، يلا تعال اركب معايا نطلع سوا.
فتحا باب السيارة، ودخلا معًا، وبينهما جوٌّ من المودة الهادئة التي تشي بعلاقةٍ أخويّةٍ عميقة.
ركب عبدالرحمن جانب أخيه، وأدار مالك المحرك بينما علت وجهيهما لمحات الصباح الهادئ.
تحدّث عبدالرحمن وهو ينظر من النافذة:
– حبيبة قلبي راحت الجامعة إنهارده.
ابتسم مالك وهو يُدير السيارة للخلف بهدوءٍ:
– آه يا أخويا، حبيبة قلبك راحت. دي من امبارح مش مصدقة إنها بقت طالبة جامعية.
ضحك عبدالرحمن بخفةٍ صافية:
– وأحلى دكتورة كمان! يوسف كان بيقول تقريبًا إنه هيدخل يشرح أجزاء بما إنه بقا معيد في الكلية.
– أيوه، فاطِمة قالت لمريم.
هزّ عبدالرحمن رأسه بإعجابٍ خفيف:
– ما أنا قلتله، يحافظ على بنت عمه كويس.
زفر مالك تنهيدةً قصيرة وهو يقول.
– ربنا يصلح حالهم يا بودي.
وسارَت السيارة في طريقها بين ضوء الشمس الهادئ وصوت الراديو الخافت، فيما غمر الهدوء قلب كليهما قبل أن تبتلعهم طرق المدينة المزدحمة.
_________________________________________
أدارَ أحمدُ السيارة ببطءٍ عند بوابة الجامعة بعد أن أنزلَ «عائشة»، وبينما كان يستعدُّ للعودة، لمحَ «فاطمة» واقفةً أمام البوابة تُراقب الطريق بعينيها القلقتين.
خفّف السرعة، ثم توقّف إلى جوارها ونزل من السيارة قائلًا بلطفٍ:
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ابتسمت فاطمة فور رؤيته وقالت:
– وعليكَ السلام ورحمة الله وبركاته.
قال أحمد وهو يقترب بخطواتٍ هادئة:
– إزيك يا دكتورة فاطمة؟
ابتسمت و قالت:
– الحمد لله، إزيك إنت يا بشمهندس؟
ضحك يقول:
– الحمد لله... بس إيه «بشمهندس» دي يا فاطمة؟
قالت بخفة ظلّ:
– ما أنت قولت «دكتورة»، قولت ما أقول «بشمهندس» بقى!
ابتسم وهو يومئ برأسه:
– ماشي يا فاطمة، بس إيه اللي موقفك هنا؟
قالت بهدوء:
– مستنيّة أختك، هي لسة منزلتش؟
ضحك بخفة:
– نزلت من شوية... بس نصيحة، لو بتستني أختي يبقى كده هتفوتي نص المحاضرات!
ابتسمت وهي تهزّ رأسها:
– وماله، أهو خيرُها سابق، أحسن ما أرجع من غيرها ونتحاسب سوا بعدين.
_لا و الله!
قالتها عائشة و هي تنظرُ لشقيقتها بغيظٍ بعدما أتت.
ضحكَ أحمد يقول
: يلا ادخلوا عشان متتأخروش و لما تخلصوا هاجي آخدكم إن شاء الله.
__________________________________________
في مدرّج كلية الطب – السنة الأولى
ازدحم المدرّج الكبير بأصوات الطلاب وضحكاتهم المتقطّعة، بينما وقف يوسُف أمام المنصّة يُرتّب أوراقه استعدادًا لبداية المحاضرة.
رفع نظره نحو الباب فرأىٰ مريم تدخل بخُطىٰ متردّدة، تحمل حقيبتها الصغيرة وتبدو عليها علامات الارتباك.
قال بنبرةٍ جادّة:
– ما تخليكِ كمان شوية يا دكتورة، أنا دخلت المحاضرة و مفيش دخول بعدي.
أخفضت رأسها بخجلٍ وقالت بصوتٍ هادئ:
– آسفة والله يا دكتور، مش هيتكرر التأخير تاني إن شاء الله.
أشار بيده قائلًا:
– طيب، تفضّلي يا دكتورة، و بلاش تأخير بعد كدا.
جلست مريم في الصفّ الثاني، تفتح دفترها بسرعة بينما هو قال بصوتٍ هادئ:
– قبل ما نبدأ، في شوية قواعد لازم تتقال.
أولًا: التأخير مرفوض تمامًا، اللي يتأخر بيتمنع من
دخول المحاضرة.
ثانيًا: الكلام أو الضحك بدون إذن، مرفوض.
ثالثًا: مفيش تعامل بين الطلبة والطالبات لا في حدود الدراسة ولا غيره، وأنا مش هسكت عن أي تجاوز.
واضح؟
ردّ الطلاب بصوتٍ واحد:
– حاضر يا دكتور.
قال يوسف:
– بسم الله نبدأ.
وبدأ الشرح يتابعه في بعضِ الأوقات دكتور المادّة الخاص بالمدرّج و المُشرُف علىٰ متابعة يوسُف،
صوته هادئ وواثق، لكنّ عينيه أحيانًا تلتقط مريم دون قصد، فيستغفر في نفسه ويعود للشرح، محاولًا تجاهل اضطراب قلبه.
في أثناء المحاضرة، كانت مريم تسمع بعض الفتيات يتحدثن همسًا:
– سمعتوا إن دكتور يوسف معجب بدكتورة في الكلية؟
– آه، اسمها سمية، وبتحبه من زمان.
تقلّص وجه مريم دون أن تنبس بكلمة، لكنها شعرت بوخزةٍ مؤلمة في صدرها.
انتهت المحاضرة، وبدأ الجميع في جمع أغراضهم، بينما كانت مريم تهمّ بالمغادرة حين اقتربت منها فتاة لا تعرفها من قبل.
قالت الفتاة بابتسامةٍ ساخرة:
– هاي، ممكن أسأل سؤال؟
– اتفضّلي، خير؟
– ليه لابسة النقاب كده؟ حرام عليكِ شكلك كأنك مدفونة.
نظرت لها مريم بثباتٍ وقالت:
– حضرتك بتستهزئي؟
– هو أنتِ مستنية منّي إيه غير إنّي أستهزأ بشكلك اللي غير متحضّر ده!
قالتها و علامات الإستهزاء ظاهرة بشدّة علىٰ وجهها.
قالت مريم بصرامةٍ هادئة:
– أنا مش بقبل الأسلوب ده، ياريت تحترمي نفسك.
– وانتي فاكرة نفسك مين علشان أسمع كلامك؟
تراجعت مريم بخطوة وقالت بحزم:
– يكفيني إني محترمة ومش بتعدى حدودي مع حد.
اقتربت الفتاة منها بغضبٍ وشدّت طرف نقابها بعنف، فصرخت مريم و هي تحاولُ إبعادَ يدها و لكن نقابها بالفعل تنحّي عن وجهها.
في تلك اللحظة كان يوسف علىٰ وشكِ الخورج من المدرج، و عندما شاهدَ ما يحدث ركض نحوها سريعًا، صوته ارتفع بحدة:
– ممكن أفهم في إيه؟ أنتِ بتعملي إيه؟
تجمّدت الفتاة، ارتبكت، ثم قالت:
– هي اللي أهانتني يا دكتور.
ردّ يوسف بنبرةٍ صارمة:
– مستحيل، اللي قدامك دي مصدّقش عنها ربع اللي قولتيه، أنا بنفسي هجيبلك جواب فصل من العميد.
وضعت الفتاة رأسها في الأرضِ بخجلٍ و هي تقول:
– آسفة يا دكتور و الله.
خرجَ صوتُه حادًّا و هو يقول
: دا آخر تحذير، و أي إحتكاك بـ مريم تاني هيكون أسلوبي مش كويس و تصرفي مش هيعجبك و افتكري إنها بنت عمي و أختي و أي تعدّي مش هقبله.
تركها يوسف واتجه نحو مريم التي كانت تحاول حبس دموعها، ثم قال بلطفٍ حذر:
– إهدي يا مريم، خلاص، متزعليش.
– شكرًا لحضرتك يا دكتور.
– يا بنتي، بلاش "حضرتك"، إحنا قرايب.
– إحنا ف الجامعة، يا دكتور يوسف.
صمت لحظة ثم قال بهدوء:
– ذي ما تحبي، بس متعيطيش، خلاص.
وبينما كانا يتحدثان، اقتربت امرأة جميلة إلىٰ حدٍّ ما و يبدو عليها التَرَف وقالت بابتسامةٍ رسمية:
– إزيك يا دكتور يوسف؟
– الحمد لله يا دكتورة سمية، إتفضلي.
دقّ فؤاد مَريم و رفعت عينيها سريعًا تنظر ناحيتها ما إن سمِعَت اسمها.
التفت يوسُف إلىٰ مريم قائلًا:
– أحب أعرّفك يا مريم، دي دكتورة سمية من الكلية.
– أهلاً وسهلاً، إزيك يا مريم؟
– الحمد لله يا دكتورة.
– سنة كام يا مريم؟
– أولىٰ طب.
– ربنا يوفقك يا حبيبتي.
ابتسمت مريم ابتسامةً باهتة وقالت:
– جزاكِ الله خيرًا، عن إذنكم.
غادرت بخطواتٍ سريعة بينما يوسف يتابعها بعينه.
اقتربت سمية منه وقالت بهدوءٍ مُغلّف بالكثير:
– تعرفها يا دكتور يوسُف؟
– آه، مَريم بنت عمي.
قالت بابتسامةٍ مصطنعة:
– شكلها لطيفة.
وقبل أن يستأذن مغادِرًا، سُمع صوت ارتطامٍ خافت خلفهما، فالتفت يوسف بسرعة ليجدَ مريم ساقطةَ علىٰ الأرض فاقدة الوعي.
صرخ يوسف والهلع يملأ عينيه:
– مريـــــــــــــم!
______
لا تنسوا ذكر الله و الصلاة و السلام علىٰ رسول الله
أستودعكم الله.
Mir_Zeile