عتبة الفناء

عتبة الفناء

97 0

كانت أصوات الأقدام فوق رأسي تبدو كطبول حرب.

"آدم! نحن نعرف أنك بالأسفل، سلم نفسك ولن يؤذيك أحد!".. كان هذا صوت ضابط الشرطة، يليه صوت ياسين المبحوح: "آدم، أرجوك.. لا تنهِ حياتك بسبب خطأ لم تكن أنت المسؤول عنه!"

في القبو، كان الصمت أثقل من الجدران.

نظرتُ إلى يدي التي تمسك بقطعة الزجاج، كانت أصابع "سامر" تضغط عليها بقوة حتى سال دم خفيف من باطن كفي.

"يسمونه خطأً يا آدم،" همس سامر، وكان صوته هذه المرة هادئاً بشكل مرعب، كهدوء ما قبل العاصفة.

"سنوات عمرك التي ضاعت في الخوف، والارتجاف، والوحدة.. يسمونها (خطأ).

هل ترى كم نحن رخيصون في أعينهم؟"

"سامر، اترك الزجاجة،" قلتُ وصوتي يرتجف.

"ياسين هنا.. لقد جاء فعلاً."

"جاء ليشاهد النهاية، ليطمئن أن الوحش قد وُضع في قفص. إذا خرجت الآن، سيأخذونك إلى مصحة مغلقة، سيخدرون عقلك بالأدوية حتى تنسى اسمك، حتى تختفي أنا.. وعندما أختفي، ستصبح أنت جسداً بلا روح، فريسة سهلة لأي جديد يقرر دفعك من فوق سطح آخر.(خالد)"

بدأ الباب الخشبي للقبو يهتز تحت ضربات قوية.

"سنقتحم المكان خلال عشر ثوانٍ!" صرخ الضابط.

في تلك اللحظة، حدث شيء غريب. لم أشعر بالخوف، بل شعرتُ بغضب عارم يتفجر بداخلي.

غضب آدم، وليس سامر. غضب من كل هؤلاء الذين تركوني حتى وصلت إلى هذا القبو المظلم، ثم جاءوا الآن ليلعبوا دور المنقذين.

"أنت محق يا سامر،" همستُ، ولأول مرة، شعرتُ أن صوتي وصوته يندمجان في نغمة واحدة. "هم لا يهتمون بآدم.. هم يخافون فقط من الحقيقة التي تمثلها أنت."

"إذن.. لنرهم الحقيقة،" قال سامر بابتسامة انتصار.

تحطم الباب.

اندلع ضوء الكشافات القوية ليملأ زوايا القبو المعتمة.

دخل الضباط بأسلحتهم المصوبة، وخلفهم ظهر وجه ياسين، الذي بدا وكأنه كبر عشر سنوات في ليلة واحدة.

"آدم! ضع الزجاجة أرضاً!" صرخ الضابط.

رفعتُ يدي بالزجاجة، لكنني لم أوجهها لنحري، بل وجهتها نحو المرآة الكبيرة التي تتوسط القبو.

صرختُ بأعلى صوتي: "أنا لستُ مريضاً! أنا لستُ مجرماً! أنا كل ما رفضتم رؤيته في أنفسكم!"

وبحرة جنونية، هويتُ بالزجاجة على المرآة.

تحطمت المرآة إلى آلاف الشظايا، وتناثرت الصور المصلوبة عليها. وفي كل شظية سقطت على الأرض، كنت أرى وجهاً مختلفاً لي؛ وجه الطفل الخائف، وجه المراهق الوحيد، ووجه سامر الغاضب.

ارتمى ياسين نحوي متجاهلاً تحذيرات الشرطة، وأمسك بي وهو يصرخ: "كفى يا آدم! لقد انتهى الأمر! أنا هنا ولن أرحل، والله لن أرحل!"

انهرتُ بين ذراعيه، وبدأتُ أجهش بالبكاء.

كانت الشظايا تجرح يدي وقدمي، لكن الوجع الحقيقي كان في صدري الذي بدأ يتنفس لأول مرة بصدق.

"يا لك من أحمق.." سمعتُ صوت سامر يبتعد، كأنه يغرق في بئر عميقة.

"لقد اخترتَ الضعف مجدداً.. لكن تذكر، عندما يطفئون الأنوار ويرحلون.. سأكون أنا الوحيد الذي ينتظرك في العتمة."

أغمي عليّ وأنا أسمع صوت الأصفاد وهي تُغلق حول معصميّ، ورائحة قميص ياسين المليئة بالدخان والدموع

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

بداخلي يعيش وحش

المؤلف Maro lol
2026/04/15 مكتملة
قائمة الفصول (21)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة