كانت الأيام في الجناح رقم 4 تمر برتابة قاتلة، لكن خلف هذا السكون، كان هناك عقلان يعملان في جسد واحد. أنا (آدم) أحاول إقناع الأطباء بأنني أتحسن، و"هو" (سامر) يراقب الثغرات في نظام الحراسة وتصرفات الممرضين.
"أنت هادئ جداً اليوم يا آدم،" قال الدكتور عادل وهو يدون ملاحظاته في الجلسة الصباحية.
"النتائج تظهر أن استجابتك للأدوية ممتازة، ولم نلحظ أي نوبات انفصالية منذ أسبوع."
ابتسمتُ بودّ مصطنع: "أشعر أن الصداع اختفى يا دكتور.. وكأن الضجيج في رأسي قد خمد تماماً."
في تلك اللحظة، شعرت بقرصة باردة في معدتي. كان سامر يضحك في أعماقي.
"أحسنت يا ممثلي الصغير،" همس في عقلي. "اجعلهم يظنون أنهم روضوا الوحش. الطبيب يحب أن يشعر بالانتصار، أعطه ما يريد ليمنحنا مزيداً من الحرية."
وفعلاً، تقرر نقلي من "غرفة العزل" إلى "العنبر العام" كجزء من خطة التأهيل. وهناك، بدأ سامر يظهر "مواهبه" الحقيقية.
كان هناك ممرض يدعى "سالم"، رجل غليظ القلب، يستمتع بإذلال المرضى الضعفاء.
رأيته وهو يدفع مريضاً مسناً لأنه لم يبتلع دواءه بسرعة.
شعرت بالغضب، لكن سامر شعر بـ "الفرصة".
"اترك لي القيادة الليلة يا آدم،" طلب سامر بنبرة غريبة.
"لن نقتله، لن نؤذيه جسدياً.. سنحطمه فقط."
في منتصف الليل، استيقظتُ لأجد نفسي واقفاً في الرواق المظلم. كيف خرجت من العنبر؟ لم أسأل، فسامر يعرف كيف يسرق المفاتيح أو يستغل ثغرات التبديل بين النوبات.
دخلنا غرفة الممرضين.
كان سالم نائماً على الكرسي، ورأسه مائل للخلف.
لم يلمسه سامر، بل اتجه نحو خزانة الملفات.
أخرج ملف سالم الشخصي، وبدأ يقرأ بسرعة مذهلة.
ثم اتجه نحو هاتف المكتب، وأجرى اتصالاً قصيراً جداً.
استيقظتُ في سريري في الصباح وكأن شيئاً لم يكن.
لكن عند تبديل النوبات، رأيتُ سالم الممرض يدخل وهو يرتجف، وجهه شاحب كأنه رأى شبحاً.
كان يحدق فيّ برعب كلما مر بجانبي.
"هل تعرف ماذا فعلت؟" سألني سامر بنشوة.
"لقد اتصلت بزوجته، واستخدمتُ صوته المسجل في بريده الصوتي لأوهمها بأنه يخونها مع ممرضة هنا.. وأرسلتُ لها صوراً من ملفه السري لم يكن ينبغي لها رؤيتها. لقد دمرتُ حياته بكلمتين فقط."
"لماذا يا سامر؟" سألتُ بذعر.
"لأنه الآن تحت سيطرتنا. انظر إليه."
وفعلاً، اقترب سالم مني وهو يوزع الطعام، وبدلاً من أن يدفعني كالعادة، وضع قطعة لحم إضافية في طبقي وهمس بصوت مرتجف: "أرجوك.. لا تفعل ذلك ثانية.
سأفعل أي شيء تطلبه، فقط لا ترسل بقية الملفات."
أدركتُ حينها أن سامر لا يريد الهروب فقط، بل يريد تحويل المصحة إلى "مملكته الخاصة".
كان يحشد "الخدم" من حوله؛ ممرض خائف، مريض يدين له بالولاء، وبوابة بدأت تنفتح ببطء نحو العالم الخارجي.
لكن الأسوأ كان في نهاية اليوم. وصلتني رسالة ورقية مع عامل النظافة، كانت من "خالد".
"آدم، أنا أعرف أنك تتلاعب بهم هناك.
ياسين يظن أنك تتعافى، لكنني أعرف نظرة (سامر) جيداً.
لن أتركك تخرج.. سأكشف حقيقتك للطبيب عادل غداً."
شعر سامر بغليان في عروقي.
"خالد لا يتعلم أبداً،" قال بصوت قاتم.
"لقد حان وقت الخروج يا آدم.. وبما أن سالم الممرض أصبح (مفتاحنا)، سنخرج الليلة.. لننهي قصة خالد للأبد."
Maro lol