جنازة بلا بكاء

جنازة بلا بكاء

16 0

«۩» بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ «۩»

*❖ الفصل الأول: "جنازة بلا بكاء" ❖*

*الآرك الأول: إتبرامار - مدينة الذهب والجنائز | 1/18

لم تبكِ السماء يوم مات جدي.

كانت زرقاء، صافية، قاسية كعيون الأورين حين ينظرون إلينا. كأنها تقول: موت رجل من الدريفان لا يستحق أن تُبلل الأرض من أجله.

حفرت القبر بيدي. الأرض كانت صلبة، تأبى أن تبتلع طيباً. كان عليّ أن أكسرها بحدّ سيفي. "نصل الميزان" لم يُصنع للحفر، لكنه كان الشيء الوحيد الذي ورثته صالحاً. كل ضربته كانت تصرخ في صمت: لماذا أنا؟ لماذا تركتني؟

كان جسده خفيفاً. أخف مما ينبغي لرجل حمل جبال العالم على كتفيه. لففته بعباءته الوحيدة. لم يكن لدينا كفن. الفقراء يكفنون بثيابهم، والأغنياء يكفنون بذنوبهم.

وضعته في الحفرة. نظرت إلى وجهه للمرة الأخيرة. تجاعيد عميقة كأخاديد الأرض بعد عام جفاف. لحية بيضاء كان يخفي فيها حلوى اللوز لي حين أبكي. عينان مغلقتان... لكنني أقسم أنهما كانتا ستفتحان لو ناديته باسمه: "جاد".

لم أناده.

لأن الرجال لا ينادون الموتى. الرجال يدفنونهم.

مددت يدي. لمست صدره البارد. همست، ولم يسمعني أحد: "نم يا جدي. كفاك حملاً."

ثم أطلقت "كاي الرماد".

لم يكن لهباً أحمر كالنار التي تعرفونها. كان رمادياً، بلا صوت، بلا دخان. كان حزناً متجسداً. التهم الجسد في ثانيتين. لم يبقَ منه عظم ولا رماد... لم يبقَ إلا فراغ على شكل رجل.

هكذا ندفن نحن الدريفان موتانا. نحرقهم بالكاي، لأننا لا نثق في الأرض. الأرض تأخذ ولا تعيد. أما الرماد... فالرماد يعود إلى الهواء، وربما يعود إلينا في رئة عصفور عابر.

انتهيت. وقفت. لم أبكِ.

لأنني منذ عشر سنين، يوم أحرق الكاي قرية "حقل القمح" ونسيت بعده اسم أمي، تعلمت القاعدة الأولى: *الكاي يأخذ ذكرى مقابل كل شيء يحرقه*. لو بكيت الآن، سيحرق الكاي دموعي، ثم يحرق سببها، ثم يحرق وجه جدي من ذاكرتي.

لن أعطيه وجه جدي. يكفيه ما أخذ.

كنت أهيل التراب حين سمعتهم.

خمسة رجال. روائحهم عفنة كالجيف. ضحكهم مسن كالسكاكين. زعيمهم كان ضخماً، له أصبع سادس في يده اليسرى، يلعب به خنجراً. كانوا يسمونه "أصبع".

قال، وصوته يقطر جشعاً: "على مهلك يا ولد. الجثة هذه لنا."

لم ألتفت. تابعت إهالة التراب.

قال آخر: "سمعنا أن العجوز جاد كان 'كاي رماد' قديم. نخاع العظم الخاص بكاي الرماد يجلب ذهباً في السوق السوداء. يعيد الشباب للعجائز الأورين."

توقفت يدي عن إهالة التراب.

استدرت ببطء.

كانوا خمسة. مسلحين. يبتسمون. يرون فيّ صبياً في السابعة عشرة، نحيلاً، مدفوناً للتو رجلاً. يرون فريسة.

لم يروا الرماد في عيني.

قال "أصبع" وهو يتقدم: "لا تحزن يا فتى. الميت لا يحتاج عظمه. والحي يحتاج خبزه. نحن فقط... نوصل الطلبات."

قلت، وكانت أول كلمة أنطقها منذ ثلاثة أيام: "لا."

ضحكوا.

قال "أصبع": "لا؟ وهل تظن أنك تستطيع إيقافنا؟ أنت وحدك، ونحن خمسة. والميت لن يقوم ليدافع عنك."

أخرجت "نصل الميزان". لم يكن يلمع. السيف الذي لا يقتل إلا ظالماً لا يبرق أمام اللصوص... بل يسودّ.

قلت: "هو لن يقوم. لكنه علمني كيف أُجلس الآخرين."

هجموا معاً.

الأول مات قبل أن يفهم. "نصل الميزان" دخل عنقه وخرج من الجهة الأخرى. لم يصرخ. لم يكن هناك وقت.

الثاني والثالث هجما من الجانبين. أحرقتهما بـ"كاي الرماد". لم يتبقَّ منهما إلا ظلان أسودان على الأرض. الثمن كان فورياً: نسيت صوت جدي وهو يناديني "يا كايرو" في الصباح.

الرابع تبول على نفسه. حاول الهرب. لحقته. سألته قبل أن أفصل رأسه عن جسده: "هل للخبز طعم العظم؟"

لم يجب. الموتى لا يجيبون.

بقي "أصبع".

كان راكعاً. خنجره عند قدمي. أصبعه السادسة ترتجف.

قال باكياً: "أرجوك... عندي أطفال..."

قلت: "والميت كان عنده حفيد."

رفعت السيف.

صرخ: "انتظر! الميت لا يحتاج عظمه! الحي يحتاج خبزه! أنا فقط... أوصل الطلبات!"

أنزلت السيف ببطء. اقتربت منه. همست: "اوصل هذه الرسالة إلى من أرسلك."

ثم غرست "نصل الميزان" في قلبه. مات والكلمات على شفتيه.

صمت.

خمسة جثث حول قبر واحد.

والسماء ما زالت زرقاء، لا تبكي.

نظرت إلى القبر. التراب لم يكتمل. أكملت إهالته بيدي. ببطء. باحترام.

حين انتهيت، جلست. وضعت سيفي بجانبي. حاولت أن أتذكر صوت جدي.

لم أستطع.

كان "كاي الرماد" قد أخذ ثمنه. أخذ صوت "جاد".

وضعت يدي على التراب. كان دافئاً. دافئاً ككف جدي في ليالي الشتاء.

قلت للقبر، وكنت أعلم أنه لا يسمع: "سامحني يا جدي. دفنتك... ودفنت معك آخر شخص ناداني باسمي دون خوف."

وقفت. حملت سيفي. نظرت إلى أتبرامار في الأفق. مدينة الذهب، حيث يباع نخاع العظم، ويشترى الغفران.

كان عليّ أن أدخلها. كنت جائعاً. وكنت بلا مأوى.

بصقت على جثة "أصبع". وقلت، وكانت هذه أول كذبة أقولها لنفسي: "من اليوم، أنا لست كايرو. أنا الرماد الذي خلفه الحريق."

ومشيت.

والقبر خلفي.

واسمي خلفي.

وصوت جدي... ضاع في الريح.

---

*انتهى الفصل الأول*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ڤالكيرون--متحف الجشع

المؤلف Lucifer-249
2026/04/21 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة