«۩» بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيْمِ «۩»
*❖ الفصل الثاني: "دمٌ أزرق" ❖*
*الآرك الأول: أتبرامار - مدينة الذهب والجنائز | 2/18
كانت أتبرامار من بعيد مدينة ذهب.
ومن قريب، كانت مدينة دم.
أسوارها بيضاء كالعظم، عالية كالكبرياء، تلمع تحت الشمس كأنها تغتسل كل فجر بماء النهر. لكنك حين تقترب، تشم الرائحة. رائحة عرق، وجوع، وحديد ساخن. رائحة الوحوش حين تجمع في حظيرة واحدة.
دخلت من "بوابة الغبار". البوابة التي يدخل منها الدريفان، والبضائع، والفضلات. لا يسألك الحرس عن اسمك هنا. يسألونك فقط: "ماذا تحمل؟ وماذا تدفع؟"
لم أكن أحمل شيئاً. ولم أكن أملك ما أدفع.
مررت. لم يروني. الناس الجائعة شفافة.
كان الحي الذي دخلته يسمى "حي الوحل". بيوت من طين، سقوف من قش، وأطفال بعيون واسعة يبحثون في التراب عن كسرة خبز. فوقه، على تلة عالية، كان "الحي الأزرق". قصور من الرخام، نوافيرها لا تتوقف، وحراسها يلبسون دروعاً لونها لون السماء.
بينهما جدار غير مرئي. لكنه أصلب من الحجر. اسمه: الدم.
كنت أسير، وبطني خاوية، وعيناي على الأرض، حين سمعت الصوت.
صوت سوط.
وصوت بكاء.
رفعت رأسي.
في الساحة، كان هناك نبيل. شاب في العشرين، يرتدي حريراً أزرق مطرزاً بخيوط الذهب. كان وجهه أملس، وشعره مصففاً، ويداه بيضاء لم تمسسهما شمس. أمامه، على الأرض، كانت طفلة.
طفلة من الدريفان. لا يتجاوز عمرها سبع سنين. ثوبها ممزق، وقدماها حافيتان، وفي يدها رغيف خبز صغير، مسروق، تضمه إلى صدرها كأنه كنز.
كان النبيل يمسك سوطاً من جلد أسود. وبجانبه حارسان ضخمان.
قال النبيل، وصوته ناعم كالحرير الذي يلبسه: "من علمك يا حشرة أن تسرقي من مخبز 'النور الأزرق'؟"
لم تجب الطفلة. كانت تبكي بصمت، وتعض على الرغيف كأنها تخاف أن يأخذوه منها.
قال أحد الحرس: "سيدي ميزان، اقطع يدها. هذا هو القانون."
ضحك النبيل. اسمه "ميزان". ميزان الذهب.
قال: "القطع فوضى. والدم يوسخ الساحة. أنا أُفضل... التعليم."
ورفع السوط.
في تلك اللحظة، رأيت عيني الطفلة.
كانتا عيني جدي وهو يموت.
نفس الانكسار. نفس السؤال الصامت: "لماذا؟"
لم أفكر.
"نصل الميزان" لا يفكر. هو يحكم.
قبل أن يهوي السوط الأول، كنت بينهما.
لم يرني أحد أتحرك. كنت فجأة هناك. جسدي أمام جسدها النحيل.
السوط نزل على ذراعي. لم أشعر به. جلدي محروق منذ زمن. الألم ضيف قديم.
ساد الصمت.
قال ميزان، ودهشته أكبر من غضبه: "من أنت يا كلب الوحل؟"
لم أجب. نظرت إلى الطفلة خلفي. همست: "اهربي."
هزت رأسها. خائفة حتى من الهرب.
قلت بصوت لا يسمعه إلا هي: "معك الخبز. اهربي، وإلا مات الخبز معك."
فهمت. ركضت. تعثرت. نهضت. اختفت بين الأزقة.
نظر ميزان إلى الحرس. قال: "علموه الأدب."
هجم الأول.
كسرت ذراعه من الكوع. صرخ. سقط.
هجم الثاني. ركلته في حنجرته. سقط بلا صوت.
تقدم ميزان نفسه. كان غاضباً. الغضب قبيح على الوجوه الجميلة.
قال: "أنت لا تعرف من أنا. أنا ميزان الذهب. عائلتي تملك نصف هذه المدينة. أنتم وحل. والوحل لا يُشترى... يُداس. وهذه عدالة السوق."
قلت: "والسوق اليوم مغلق."
وأمسكت يده التي تحمل السوط.
ضغطت.
سمعت العظم يئن. ثم يصرخ. ثم ينكسر.
صرخ هو. صرخة عالية، ناعمة، كغناء.
سقط السوط. سقط هو على ركبتيه. يمسك يده المكسورة، وعيناه تفيض بالدمع والكفر.
قال باكياً: "يدي... يدي الذهبية..."
في ثوان، كانت الساحة قد امتلأت. حرس. جنود. نبلاء. دريفان يراقبون من بعيد، خائفين، متشوقين.
عشرون حارساً أحاطوا بي. رماحهم مصوبة إلى صدري.
قال قائدهم: "ارمِ سيفك يا كلب. باسم الحاكم، أنت موقوف."
نظرت حولي. عشرون ضد واحد. أنا جائع، لم أنم، لم أشرب.
لكن الرماد في دمي كان جائعاً أكثر مني.
ابتسمت.
وكانت ابتسامة لم يرها أحد منذ مات جدي.
قلت: "لا."
ثم أطلقته.
"كاي الرماد" لم يكن موجة. كان انفجاراً صامتاً. دائرة رمادية اتسعت من حولي. لم تحرق البيوت. لم تكسر الحجر.
أحرقت البشر فقط.
سبعة حراس تبخروا. لم يبقَ منهم إلا دروعهم الفارغة تسقط على الأرض محدثة ضجيجاً.
الثلاثة عشر الباقون تجمدوا. الرماح في أيديهم ترتجف.
نظرت إلى ميزان. كان ما يزال راكعاً، يبكي على يده.
قلت له: "عدالة السوق تقول إن الوحل يُداس. لكن الوحل اليوم... تعلم كيف يحرق."
بصقت على الأرض قرب وجهه. ومشيت.
لم يلحقني أحد. الخوف سيد. والرماد رسول الموت.
سرت في الأزقة. الدريفان يفتحون لي الطريق. لا يلمسوني. يخافونني. يقدسونني. لا فرق.
وجدت الطفلة مختبئة خلف برميل. ترتجف. لا تزال تضم الرغيف.
جلست أمامها. لم أتكلم.
مدت يدها المرتجفة. أعطتني وردة. وردة ذابلة، لونها أصفر باهت، التقطتها من الوحل.
أخذتها.
نظرت إليها.
كانت أول هدية أتلقاها منذ دفنت جدي.
شكراً. لم أقلها. لساني لا يعرفها.
أومأت برأسي.
ثم نظرت إلى الوردة في كفي.
كانت تذبل. لا. كانت تحترق. حرارة "كاي الرماد" في دمي تسري في عروقي، وتخرج من مسام جلدي. الوردة الذابلة لم تحتملها. اسودت. تفتت. صارت رماداً بين أصابعي.
فتحت كفي. نثرت الريح الرماد.
نظرت إلى الطفلة. كانت تراقب الوردة تختفي. عيناها اتسعتا. لم تفهم.
وقفت.
قلت لها، ولنفسي، وللسماء الزرقاء التي لا تبكي: "أنقذتها. ثم قتلت الوردة. يبدو أن يدي لا تعرف أن تمسك شيئاً... إلا لتهدمه."
وتركتها.
ومشيت.
ويدي فارغة.
وقلبي... فارغ أكثر.
---
*انتهى الفصل الثاني*
Lucifer-249