اقتربَ حاجباي من بعضهما بيقينٍ تام، ورفعتُ رأسي أنظر إلى ثنايا السقف المنحنية بعيون باردة حادة..
لأن هذه الرسالة.. بالتأكيد من ذلك المترصد!
- هآه..
أشعر أنه يشبهني تماماً، كما لو كان كياناً آخر عني؛ متهورٌ وجريء ليكشف عن نفسه الرخيصة بكل وقاحة أمام مُنشئه!
- مُـ.. مُنشئه؟!
ما الذي أهذي به حقاً؟!..
رفعتُ الرسالة إلى ضوء الغرفة، وحدّقتُ بأحرفها الباهتة التي تلاشى بريقها تحت وطأة نور السقف الساطع، بينما أفكر بتمعنٍ وتركيز، متأملاً أثر تداخل حركات الحروف مع بعضها، كتشويشٍ غامض، يماثل تماماً اضطراباًً عقلياً يسيطر عليّ:
* لماذا أشعر أنني أعلمه؟!
لماذا هناك هذا الشبه الكبير بيننا؟!
هل هو على صلة بي؟!
وماذا قصد بوصفه.. بأننا فئران لهم!
من لهم؟!
من؟! *
سحبتُ الغلاف بحركةٍ خاطفة لا تكاد ترى بالعين المجردة، مدفوعةً بالغيظِ والأسى اللذانِ تلبساني تماماً؛ فهذه الأفكار تجعلني أشعر وكأني.. غريبٌ عن نفسي!
أعدتُ الرسالة إلى داخل الظرف أبيض؛ ذلك الغلاف الذي يخزن كل هذا السواد الحالك والقرف المخزي، بداخله! – ثم قذفتُ به فوق الطاولة بعنف، حتى تدلّى نصفه على طرفها، معلقاً هناك، ينذر بالسقوط في أَيِّ لحظة؛ فأنا.. لا أطيق أن ألمس شيئاً قد يُشْعِرُنِي بأني مجهول أو لا أعلم أبسط الحقائق عن نفسي!.
التقطتُ بيدي اليسرى الجوهرة الحمراء، دحرجتها بين أناملي، أتأمل بدقةٍ متناهية في التدقيق؛ تفاصيلها، نقوشها، لونها، ملمسها وحجمها – وأيقنتُ تماماً أنها ماسة نقية!
وهذا لا يدل إلا على أمرٍ واحد فقط، وهو إنه ينحدر من عائلة غنية – لا، بل ثرية ثراءً فاحشاً؛ ثراء يخمد النيران بكثرة الممتلكات المهولة التي يَختزِنونَها ويكدسونها لديهم!. وبالتأكيد.. ستكون لهم مكانة مرموقة جداً في المجتمع،
- هآه..
فإهدار ماسةٍ بهذه القيمة، لا يصدر أبداً من شخصٍ عادي، بل من شخصٍ يملك من الكنوز ما يجعل هذه الماسة شيئاً أرخص من العدم ذاته، ويجعل من التخلص منها، وتثبيتها على حافة ظرف رسالة عادية، أمراً لا قيمة له أبداً!.
وهذا يقلّص دائرة الشكوك كثيراً!
حافظتُ على هدوئي واتزاني؛ فليس مجرد ورقة وحبر يمكنهما هزَّ جبروتي!.
نهضتُ من الكنبة، وخبأتُ الماسة في جيب البنطال الأيسر، ثم سحبتُ الظرفَ المتهاوي بأطراف أصابعي؛ أحتقر ملامسته، بينما أتجه خارجاً من غرفة المعيشة نحو غرفة النوم.
---------------
بينما أجلس على طرف السرير بقرب المنضدة، رميتُ الظرفَ على فراشه، مانحاً الجاذبية كامل القرار في اختيار موقعِ سقوطه.
فتحتُ درج المنضدة العلوي، وأخرجتُ علبة مرطب فارغة معقمة ونظيفة.
فتحتُ غطاءَها، ثمَّ أرسلتُ ذراعي اليُمنى إلى الخلف، أستشعرُ مكانَ وجود الظرف الساقط بقرب المخدة.
قبضتُ عليه بقوة حتى انثنى بطيّاتٍ بارزة؛ فدفعني هذا إلى تأمّلهِ قليلاً – لمدى بُروز التفاصيل المشوّهة على نقاء هذا اللون المشؤوم.
اشمئززتُ منظرَها، ومزّقتُها بتأنٍّ وهدوء، حتى صارت قطعاً صغيرة تتطابق تماماً؛ كأنّما قُصَّت بآلةٍ دقيقة، لا أيادٍ فاخرة كأياديّ – فأنا من عادتي، حينما أتخلّص من شيءٍ معدومٍ من كلّ معنى، أن أمنحَهُ قليلاً من القيمة التي يُجاهدُ هو نفسُهُ طوالَ عمره للحصولِ عليها، وتحديداً هذه الرسالة التافهة، فيجدرُ بي أن أتفضّلَ على ذلك المرسل المترصد ببعض الرقيّ الفائق، لأُريَهُ مدى روعة فنّي البديع، الذي لم ولن يقدر يوماً على رؤيةِ إبداعٍ يُضاهيه.
جمعتُها كلّها معاً بقبضتيّ بخفّة، ودحرجتُها حتى أصبحت كرة ورقيّة سوداءَ بيضاء تُشبِهُ تماماً تلك اللقطات الكاسرة، ثمَّ رميتُها في عمق العلبة، لأسرقَ النورَ منها، مُغلِقاً عليها بإحكام.
أخرجتُ من الدرجِ ذاتِه منديلاً مقوّى، ومزّقتُهُ بيديّ إلى نصفينِ متساويَين. وضعتُ أحد النصفينِ بجانبي، والنصف الآخر لففتُ بهِ العلبة؛ كغطاءٍ يحميها من أن تلوثَها ذرّاتُ التربة الناعمة.
بعدها التقطتُ مجدداً النصف الآخر، ولَفَفتُ بهِ العلبة مرّةً أخرى؛ لضمانِ عدم تمزّق الطبقة الأولى مع مرور الزمن.
نهضتُ ببطءٍ من مكاني، وسِرتُ بخُطىً وئيدةٍ خافتة، متجاوزاً باب الغرفة.
عبرتُ الممرّ بهدوءٍ ساكن، بينما تتحرك عيناي بتركيزٍ مألوف على كلِّ زاوية، أستشعر نظرات الجدران الباردة المُثبَتة عليَّ، قبل مراسم الدفن.
وصلتُ إلى الحمام، وأغلقتُ البابَ خلفي بهدوءٍ تام؛ لكي لا يتسلَّل صوت، ولا يمُرَّ هواء، إلى سرِّيَّةِ ما سأُجريه.
كانَ أحدُ بلاط الحمام بمثابة بلاطة كاذبة، أُخبِئُ في أحضانِها كلَّ ما أخشى أن يكشفَهُ أحد. تتميّز هذهِ البلاطة بموقعِها الدقيق والمدروسِ بعناية؛ فهي تقبعُ داخل أعماقِ خزانة المغسلة، تحتَ قاعدتِها الخشبيّة الخاصة.
وضعتُ علبة المرطب المدفون بالمنديل المقوّى على حافّة المغسلة، لكي يسهُلَ عليّ إفراغ الخزانة بالكامل من كلِّ عُلَبِ المنظّفات، المناشف وما سواها من أغراض، وأضعها جميعها جانباً بترتيب.
في الزاوية الداخلية من الخزانة، وتحتَ عمقٍ دقيقٍ بالكاد يُرى، اختبأت سلسلة بيضاءُ متينة، زرعتُها هناك. وعلى جوانبِها الداخلية، ترتفع المعدات الحادّة المعلّقة بحدائد لامعة، كأنّما تناديني؛ لألتقطَ منها مفكَّ البراغي، وأباشرَ بمراسم الدفن.
شرعتُ أُحِكُّ بحذرٍ شديد حوافَّ تلك الزاوية المخفيّة، حتى ارتخت القاعدة الخشبيّة، وبات بإمكاني إدخالُ طرف إصبعي؛ لأسحبَ بتأنٍّ طرف السلسلة بيضاء من مخبئِها.
رفعت السلسلة بحذرٍ بالغ، خشية أن تنكسر القاعدة أو أُجرِحَ نفسي، لترتفع القاعدة الخشبية تلقائياً؛ إذ كنتُ قد وصلت السلسلة بأسفلها لتسهل عليّ رفعها، ثم نحيتُ القاعدة جانباً برفقة الأغراض التي أزلتُها.
وبذات الدقة والحرص، أزلت البلاطة الكاذبة الخلفيّة بمفكِّ البراغي بكلِّ سهولةٍ ويُسر.
حفرتُ بيديّ التربة البنيّة الخصبة على عمق عشرة سنتيمترات، وقبضتُ على علبة المرطب، ودفنتُها في الحفرة، راصّاً عليها التراب الناعم حتى استوت.
فور انتهائي، أخفيتُ السلسلة وأحكمتُ مخبأَها، ووضعت القاعدة الخشبيّة فوقَها، ثم أعدتُ كلَّ الأغراض إلى مكانِها الأصلي.
طهّرتُ يديّ من هذه الجنازة بصابونٍ ومعقّم، ثمَّ نشّفتُهُما بهدوء. وعدتُ إلى غرفة المعيشة، لأُشاهد برنامجاً وثائقيّاً عن غموضِ جرائم القتل والخطف..
وكأنّني لم أستلم، ولم أقرأ، أيَّ شيء.
---------------
وبعد حادثة الرسالة، وما تلاها من راحةٍ دامت أسبوعاً، مضى شهرٌ كامل وثلاثة أيام على عودتي إلى الثانوية من جديد، مع بعض المشاهد الجديدة التي بتُّ أعتاد عليها الآن؛ حيث لم يتعرَّض لي جبّار ومجموعته طوال هذا الشهر، بل والأعجب أنني أصبحت مشهوراً أيضاً، فكل الفصول يتداولون سيرتي، وما حدث معي، كـسبق صحفي يومي لا يملُّون من تكراره وتناقله.
حتى إنني صرت محور الأحاديث في كل مكان؛ فالجميع دون استثناء، ليس مَن في فصلي فحسب، بل وجميع طلاب الصفوف الأخرى قد احتقروا التعامل معهم، ونظروا إليهم وكأنهم عار يلطخ سمعة هذه الثانوية المرموقة، وكانوا دائماً ما يتهامسون فيما بينهم، كلما رأوهم يسيرون في ممرات الثانوية بذلك الوقار الكاذب الذي يحاولون ادِّعاءه:
" يا لهذا العار.. كيف لم تفصلهم الثانوية، على الرغم من أفعالهم التي لا تمتُّ إلى الآداب والأخلاق بصلةٍ على الإطلاق! "
كما أنَّ البعض منهم حاول التقرب مني؛ ليس لأنني – وكما كنتُ دائماً – محور اهتمام الثانوية منذ سنتي الأولى حينما مثّلتُهم بحفل التخرج لتفوقي وامتيازي ومساعدتهم في المواد الدراسية؛ بل فقط كي لا أشعر بالضيق، أو بأنني وحيد، كأنما يقولون لي بصمت:
" نحن هنا لحمايتك! "
وهذا بالتحديد ما أزعجني حقاً؛ فأنا لا أطيق البتة التقرب من أحد، ولا أحتاج لشفقة أو حماية من أيِّ كان، لذا كنتُ دائماً ما أختلق الأعذار والمبررات لهم إن حاولوا التقرب مني؛ فتارةً أقول:
" إنَّ صدغي يؤلمني "
وتارةً أخرى:
" يجب عليَّ تحضير الدرس قبل وصول المعلم "
فقط كي يتركوني وشأني، ويُعيدوا لي وحدتي التي أُفضّلها.
وحتى بعد انتهاء الدوام، إن دعوني للعب كرة القدم أو غيرها من الألعاب، أو أصرُّوا على الحديث معي وتبادل أطراف الكلام، لم أكن أقبل البتة، وكنتُ أجيبهم بهدوء وثبات:
" يجب عليَّ العودة مبكراً للمنزل، لإنجاز أعمال هامّة لا يمكن تأجيلها "
أو
" أنَّ لديَّ موعداً في المستشفى لا بدَّ لي من حضوره "
هذه الحُجَج الدائمة، جعلت الطلابَ يظنون بأنَ جبّار ومجموعتَه هم السبب وراء كلِّ معاناتي تلك؛ بعد أن لاحظوا اختفاءَ طاقتي، وتلاشي روحي التي كانت لا تكلُّ ولا تملُّ من مساعدة الجميع، ومشاركتِهم كلَّ الأنشطة.
وبسببِ هذا الظنِّ السخيف الذي رسخَ في أذهانِهِم، ازدادَ حِقدُهم، ازدراؤُهم ونفورُهم منهُم، وكأنني صرت صنيعَ أفعالِهم الطائشة، إذ تحوّلتُ في أعيُنهِم، من شابٍ مجتهد نشيطٍ مثَّلهم في السنة الماضية وكان دائماً ما يشاركهم أمور الدراسة والأنشطة، إلى شاب لا يحتمل حتى مجرد التعامل مع طبشورة على السبورة.
سخافةٌ حقاً!
فمَن قال إنني أُريدكم أن تلتفوا إليَّ بمحض الشفقة؟!
فأنا تمثّيلي وحده لكم وللثانوية العريقة، كافٍ لأن يُحفَرَ اسمي ضمن الأسماء التاريخية الساكنة في عُمق الحجارة العتيقة!
وشفقتكم هذه، من الأفضل لكم أن تشعروا بها اتجاه أنفسكم؛ كي لا تبكوا في نهاية كل فصل على علاماتكم المزرية!
فأنا لا أعترف بأن أصادق أي أحد على الإطلاق؛ فلا حاجة لي بكم أو بأحد، وأستطيع الاعتماد على نفسي في كل شيء، لأن مساعدتكم لي لا تجلب سوى تخريب أموري؛ حتى إذا ما وقع الخطأ، تصطنعون ابتساماتٍ كاذبة تسليكية، تقولون فيها:
" لم يكن بقصدنا! "
سخافةٌ لا تُطاق!
سأبقيكم دائماً خارج دائرة حياتي، لأنني الوحيد الذي يستحق أن تكون ذكرياتي ولحظاتي ملكي أنا وحدي، وليست مشتركة مع غيري!.
( حسناً، لا أريد أن أُطيل السرد بأحداثٍ لا داعي لذكرِها؛ فقد انتهى الفصلُ الأول من الثانوية، دون أن يقع أيُّ حدثٍ يستحقُ السرد في حكايتي الاستثنائية؛ حيث كانت فقط أيامٌ عادية جداً، قضيتُها ما بين حَلِّ الواجبات، الدراسة، وتجاهل الطلابِ وضوضائِهم،
وما بينَ زياراتي للطبيب إياس، لتفقد حالي، وتعليمي القيادة حتى حصلتُ على الرخصة.
وبالإضافة إلى زيارة قبر أمي وأبي، التحدُّث مع خالتي عبر الهاتف، وسماع ضحكات ابنها بهاء المشاغب التي كانت تملأُ المكالمة دائماً. )
---------------
وها نحن هنا، بعد انتهاء الفصل الاول، في عطلة ما بين الفصلين، وتحديداً:
يوم الخميس
الموافق ٢/٢/٢٠٤٥
الساعة الثانية مساءً
في هذا اليوم، كنتُ مستلقياً على سرير الفحص الطبي، أكشف على الدِعامة؛ لشعوري المستمر بوخزات حادة ومؤلمة، كانت تلسع ظهري وتشتد عليّ كلما بذلتُ مجهوداً عضلياً عادياً، أو حتى عندما أُحني ظهري للأسفل قليلاً لألتقط شيئاً ما أو لأغير وضعيتي.
كان الطبيب إياس يجلس بجواري، يمسك بيديه أداة الكشاف الطبي الدقيق، يمرر عدستها الضوئية الباردة ببطءٍ وتأنٍ على أسفل ظهري، متتبِّعاً مسار الدعامة المعدنية المثبتة في الفقرات الأخيرة من عمودي الفقري، بينما يحدق بتركيز شديد في الشاشة الرقمية المقابلة له.
كانت تظهر على ملامحه علامات الارتياح والرضى؛ يهزّ رأسه ببطء صعوداً وهبوطاً وهو يهمهمُ بصوتٍ خافت، ثم رفع حاجبيه مُرتسِماّ ابتسامة هادئة على شفتيه،
= الحمد لله، لا يوجد أي تغيّرٍ مقلق، ولا علامات التهابٍ أو تورم، يبدو لي أنك أجهدتَ نفسك قليلاً فقط في الفترة الأخيرة
قالها بنبرة مطمئنة ودافئة، بينما يرفع أداة الفحص عن ظهري، ليغمسها في محلول التعقيم الطبي.
بعد هذا، مسح ظهري بقطنة مبللة بمطهرٍ لطيف، ثم رماها بسلة المهملات القريبة منه.
التفت إليَّ بوجهه المبتسم بينما أُعَدِّل ظهري لأجلس،
= ما رأيك أن نستغل فترة العطلة هذه، ونجري لك الآن عملية استبدال الدِعامة؟
أجبته على الفور، بنبرة خافتة متسائلة وفيها شيءٌ من القلق والتعجب:
- لماذا؟!، ألم تقل لي بأن الأمر إجهادٌ بسيط فحسب؟!
فلماذا العملية؟!
= هذا صحيح، حالتك الحالية ممتازة ولا خلل فيها، لكن وكما تعلم..
توقف قليلاً وجلس على حافة السرير بقربي، وأمسك بيديّ ليوضح لي الأمر ببساطة:
= آخر مرة قمنا فيها بتغيير هذه الدعامة وتركيبها، كان ذلك قبل ثلاث سنوات، والآن المعدن قديم، وطريقة التثبيت تغيرت مع الوقت، ولا تنسى أننا قبل أربعة أشهر من الآن قمنا بتعزيزها بقطعة معدنية إضافية داعمة فقط
- أجل..
= واتفقنا سوياً حينها أن الموعد المثالي للاستبدال سيكون بعد انتهاء الفصل الأول من هذه السنة، أليس كذلك، بني؟!
- هآ.. أجل..
همست في خلدي بدهشة وتساؤل:
* ما خطب عقلي لا يزال متأثراً من تلك العملية!
كيف لي أن أنسى أمراً بهذه الأهمية؟! *
تناول ملف العلاج الحامل لأسمي والموضوع على الطاولة الملتصقة بالسرير، وبدأ يكتب الملاحظات بخطّه الدقيق، بينما يتابع حديثه بجدية واهتمام معي:
= والآن هذا هو الوقت الأنسب والأمثل تماماً للقيام بذلك؛ نستبدل القديمة بجديدة أقوى وأحدث، كي يبقى ظهرك قوياً وسليماً لفترة طويلة قادمة، وأيضاً كي لا يتعرض العمود الفقري لأي مضاعفات مستقبلية، أو أي أعراض جانبية ناتجة عن تآكل المعدن القديم، أو ضغطه على الأعصاب؛ فالأفضل دائماً أن نكون سبّاقين ونتدارك الأمور قبل حدوثها..
كان لا يزال مستمراً في شرح التفاصيل وتدوينها، حتى قاطع حديثنا اقتحام شابٍ لهدوء الغرفة بشكلٍ مفاجئ وعشوائي؛ إذ دخل بحركةٍ خاطفة، لم أقدر خلالها على رؤية اللحظة التي أغلقَ بها الباب وراءه بصمتٍ مُخيف وثباتٍ غريب!.
- هآ..
* هذا الحضور،
هذه الهالة،
هذه النظرة!.. *
كان هو – ذلك الشاب المترصد!
انتفض الطبيب إياس بسرعةٍ وغضبٍ شديد متوجهاً إليه بخطى واسعة، بينما يزئرُ عليه بصوتٍ عالٍ وعميق، هزَّ له أثاثَ الغرفة بأكملها وروحي:
= أنت! ما تراكَ فاعلاً؟! ومن سمح لك بالدخول؟!
لم يكترث ذلك المترصد لصراخ الطبيب إياس الحارق، ولا لغضبه المشتعل؛ بل أمال رأسه بكل برودة ولامبالاة نحو اليسار، كي يحدّق بي مباشرة بابستامة شيطانية، وأنا لا أزال جالساً على طرف السرير، أرتدي البلوزة بكل هدوء.
رفعتُ رأسي بكل علوٍّ وجبروت بوتيرة توقف لها الزمن، مُتَصاغِراً وجودَه المعدوم أمامي؛ فهو مجرد نسخة مني لا قيمة لها.
وفي لحظة تبادل نظرتي الأحتقارية لنظرته المتجبِّرة، تردد صدى كلمات رسالته في عقلي بوضوحٍ صارخ:
” مفهوم الجرأة “
حقاً!
اقتحامه الجريء لعيادة الطبيب إياس عوضاً عن باقي عيادات الأطباء الآخرين، هو تحديداً تعريفه الخاص لهذا المفهوم الملتوي!.
استفزت برودته القارسة الطبيب إياس بشدة لا توصف، ليففقد أعصابه تماماً؛ ويقذفه بسخطٍ إلى الباب بقوةٍ هائلة ارتجّ لها جسده وحوائط المكان؛ حتى إنني سمعتُ صوت فرقعة مفاصلهِ من مكاني!.
لم أرغب في البقاء ساكناً أشاهد فقط، حيث استشعرتُ أن الشاب لن يسكُت على هذه الإهانة، ولن يتحملها، وسيردّ الضربة أضعافاً مضاعفة وبطريقةٍ ساحقة؛ فنهضت بسرعةٍ من مكاني، وكنتُ على وشك أن أخطو للأمام لأتدخل، إلا أن الطبيب إياس منعني فوراً..
رفع ذراعه الضخم بشموخٍ وكبرياءٍ ليحولَ بيني وبينه، وحدّق إليَّ بطرفِ عينه بنظرةٍ حادة تحمل تهديداً صريحاً واضحاً، لتقول لي بوضوح مُهدد:
" إن تعديتَ خطَّ ذراعي هذا، فستنال أنتَ نصيباً من العقاب مثل هذا المتراخي هناك! "
---------------
تجمدت قدماي في مكانهما، وكأنما صارتا جزءاً من الأرضية، وتوقفتُ عن الحركة تماماً أمام هيبته وصرامته.
تقدم الطبيب إياس خطوتين بطيئتين للأمام، يملأ المكان بطشاً وغيظاً، وأشار بأصبعه إلى الباب، لينطق بنبرةٍ خافتة هادئة، تحمل جبلاً كاملاً من الخطر والتهديد الواقع:
= هل ستنقلع من هنا لوحدك أم تنتظرني لأقلعكَ أنا بطريقتي الخاصة؟
لوهلة، كدتُ أشعر من نبرته الغامضة بأنه يحاول المحافظة على مبدئه كطبيب وعلى وقار مكان عمله، لكن سرعان ما تبدد هذا الاستنتاج، إذ همست لي القوة من أعماقي بريبة:
¶ مملوكي، ألا ترى أنَّ هناك أمراً مبالغاً فيهِ هنا؟
- هآ..
ارتشعت عيناي، وبدأ قلبي يضرِبُ بعنف، لكنه هدأ في ثوان؛ فاستنتجت مباشرة أن هناك سراً يحاول الطبيب إياس جاهداً أن يتستر عليه ويخفيه قدر المستطاع – وأنَّ كشف هذا السر وفضحه، باتَ الآن بيد ذلك المترصد الواقف هناك!.
- هآ..
= بني؟!
فهذا حقاً ليس منطقياً على الإطلاق!
لماذا كل هذا الانفعال المفاجئ؟!
وكيف وصل به الحد ليدفع الشاب ويصدمه بقوة على الباب؟!
وأن يصرخ عليه بهذه الحدة الغريبة؟!
هذا.. مبالغٌ فيه؟!
بل مبالغٌ فيه جداً!
في المقابل، استقام الشاب بهدوءٍ مخيف، وتصاعدت منه شهقات ضحكٍ خافتة ساخرة، ثم انتصب واقفاً بشموخٍ عظيم وكبرياءٍ متجبّر، وأسقط نظراته الباردة ببطءٍ على إصبع الطبيب إياس الممتد نحو الباب، ثم تحدث بنبرته الجليدية الخالية من أي شعور، بينما يرفع يده اليمنى ببطء، ويُزيح بها يد الطبيب المعلّقة في الهواء برويةٍ وتؤدة:
≠ تشير نحو الباب كأنك تملك المخرج، لكنك لا تملك الجرأة الكافية لتخرج الحقيقة!
ترددت جملته في عقلي كصدىً ينذرني بأنَّ لهذه الكلمات صلةً وثيقة بحديثه الذي قاله سابقاً!..
« أيها الفأر، أسمعني جيداً..
ذلك الذي تظنه أكبرَ داعمٍ لك، ذلك الطبيب إياس الذي كنت عنده قبل دقائق.. سيصبح قريباً جداً، وسيبقى طوال عمرك، كوصمة ألمٍ، عارٍ واشمئزاز على قلبك..
فاستمتع! »
ماذا يقصد بجوابه له؟!
هل هناك أمرٌ لا أعلمه عن الطبيب إياس؟!
وهل المترصد يحمل في جعبته الأمر الذي فعله الطبيب إياس والذي يخفيه عني؟!
لكن..
هل الأمر بهذا القدر من الفظاعة، حتى يستحق كُلَّ هذا العدوان؟!
كان ظهر الطبيب إياس يقابلني تماماً، لذا لم أستطع رؤية الملامح التي ارتسمت على وجهه، ولم أعرف ما الذي يدور في خلده أو تجول فيه ذاته؛ فزاد هذا من حيرتي، وأشعل عقلي بسؤالٍ واحد، جوابه بين يدي الوقت فقط:
إلى أي مدى ستتطور الأمور هنا؟!
كنتُ أشاهد بصمتٍ مُطبق، دون أن أتفوه بكلمة، أو أتحرك بخطوة واحدة؛ حتى لا أكسر هذا المشهد أمامي، ولا أشتت ردات فعلهما عما هو قادم؛ لكن سرعان ما انتهى هذا المشهد، حينما وجه الشاب بصره إليّ بنظرةٍ ثاقبة مخترقة، شعرتُ بها توخزني وتؤلمني أكثر من نخزات ظهري الموجعة!.
ثم صرَّح لي بسخرية سامة، قاصداً بها استفزاز الطبيب إياس بأقصى حد:
≠ لا تقلقا، سأغادر بعد أن أخرج الحقيقة كاملة..
أسدَلَ جفنيه قليلاً على عينيه، ليرتفع بؤبؤاه داخلهما بكل كبرياءٍ وتهكم:
≠ فأنا وحدي من يملك الجرأة هنا، أيها الطبيب السفاح وليس أنت!
اشتعلَ نار الغضب في داخلي، وهرولت إليه بغضبٍ عارم صَدَحَ من قوة خطواتي، بينما أقبض بيدي اليسرى قبضة حديدية صلبة، عازماً لإرغامهِ على احترام حدود تجبُّرِهِ أمامي! – إلا أنَّ الطبيب إياس مدَّ ذراعه مجدداً أمامي، معيقاً تقدمي بكل هدوءٍ وسيطرة، ثم التفت برأسه نحوي، لم أرَ منه سوى ربع وجهه، لكن هذا الرُبع الصغير، كان مرعباً جداً لكي أتراجع وأتوقف عن تهوراتي؛ فملامحه المرسومة كانت قاسية تحذيرية، تصرخ فيّ بوعيدٍ عظيم لا رجعة فيه:
" كيف لك تتجرأ على اتخاذ خطوةٍ واحدة.. بحضوري؟! "
اقشعر بدني بأسره، وتجمدت كل أعصابي الثائرة بذعرٍ محفور في أعماق روحي، من عواقب ما قد يُقْدِمُ عليه لاحقاً معي – جراء تصرفي الجاهل المتهور!.
---------------
لم يُعطِ الشاب أيَّ احترام، ولا ذرةَ اهتمامٍ ضئيلة للطبيبِ إياس، بينما يحاول ببطشٍ وقسوة أن يسحبه من ياقته، ليُقلِعَهُ خارج الغرفة؛ فقد كان وعيه متوقفاً عندي، إذ يتجاهل كلَّ هذا العدوانِ المُسلطِ عليه، ويركِّزُ بصره الثاقب فيّ، بحدةٍ مخيفة، مما زاد ببروده الصامت من لهيب الجو الخانق.
كانت عيناه ثاقبتين، ذاتَ نظراتٍ سوداوية، لا تسمح لأيِّ انعكاسِ نورٍ أن يشوهَ حَلكَتَها المذهلة؛ وكأنها تنتظر اللحظة المناسبة لسحبي إليها، وابتلاعي في عُمقِ ذراتها القاتمة!.
ارتفع صوت الطبيب إياس بنبرة حادة مجلجلة، بينما يهوي بصفعةٍ كاسرة على وجه الشاب:
= أنت! ألا تسمعُ ما آمركَ به!
ارتعش جسدي من ردة فعله العنيفة، غيرَ المقبولةِ البتةَ!؛ فلماذا كل هذا الانفعال والعدوانية عليه؟!، كان بإمكانك فقط طرده دون كل هذا العنف!.
اتسعت عيناي في صمتٍ مطبق، وخوفٌ يتسلسل إلى أطرافِ أصابعي برجفةٍ طفيفة مستمرة – حينما رأيت الشاب يصنع ذات ردة الفعل السابقة؛ فبينما يقبض الطبيب إياس على ياقته بسخطٍ محاولاً طرده بالإجبار، وضع يده اليمنى على وجهه، وبدأ يُقهقِهُ بضحكاتٍ هستيرية مخيفة وعميقة تخرُجُ من قعر روحه.
ومن شقٍّ ضيقٍ جداً بين أنامله التي لامست كلَّ ملامحِ وجهه، كانت تَطُلُّ عينهُ اليسرى، تفيضُ نصراً وشهوانيةً تُتْلِفُ الأعصاب!.
أشعرني تكرارُ هذا المشهد بتوترٍ مهيب، لكني سرعان ما تمالكتُ أعصابي وهدأتُ من روعي.
أنهى الشاب قهقهته بضحكة قصيرة استهزائية، ثم أطرى على المشهد أمامه بنبرةٍ عميقة مستفزة، بينما يزيح يده عن وجهه ليمرر بإصبعه السبابة على شفته السفلى:
≠ كم أنا متأثرٌ بهذه العظمة! حيث الفريسة هنا تدافعُ عن ناحرها بإرادتها الحرَّة!
ثم أمال الشاب نفسه قليلاً، ليُظهِرَ رأسَهُ من وراء كتفي الطبيبِ إياس العريضتين؛ كي يتسنى لي رؤية ملامحِهِ بالكامل. بينما يُكمل كلامه بنبرةٍ عميقة، وهو يجرحُ شفتَهُ ويشقُّها بأظفرِهِ الحاد، ليسيلَ خطُّ دمٍ منساب:
≠ كيفَ لو تدري أنَّ معاناتِكَ بدأت منه!
- دم!
نطقتُها، وخفقانٌ في قلبي يمزقُ صدري؛ فرؤيةُ دمهِ ينسابُ مُنحدراً من شفتِهِ على ذقنه، جعلتِ الهلعَ يوشِكُ أن يلتبِسَني، وجعلتني أتناسى للحظة ذلك الشكَّ القاتل الذي يضغطُ على روحي، ليجعلَهُ يهيجُ لعدمِ الاحتمال!.
= ما بك، بُني؟!
سألني إياها الطبيب إياس بقلقٍ بالغ يتلألأ في عينيه.
≠ طبيب ولا تدري ما به! كم هذا مُضحِكٌ جداً!
- هل تريد استعراضَ وقاحتك؟!
وجهتها للشابِ بينما أقبضُ على صدري بلهاثٍ متألم؛ عدا أن ردُّهُ كان سريعاً وحاسماً، بابتسامة واثقة مشبعة بالغرور، ونبرة عالية تتردد في أرجاء الغرفة، مؤكداً صدقَ كلماته:
≠ هه، لا أظنُّها توازي وقاحةَ محوِ ذاكرتِك، أيها الفنان العظيم!
ثم أكمل بينما يخترقُ عينَيْ الطبيبِ إياس بنظراتٍ تحملُ استهزاءً بارداً يرتسمُ في كلِّ ملامحِه:
≠ فالذكرياتُ لا تختفي برغبتِكَ في نسيانِها، وطبيبُك.. عفواً، والدُك يعرفُ ذلكَ أكثرَ مني ومنك!
- ها؟!
* هل هذا يعني، أن اللقطات.. ما هي إلا استرجاعٌ لذكرياتي التي مُسحت؟! *
تمتمتُ بكسرةٍ واضحة في ملامحي، وأنا أنظرُ في كلِّ الاتجاهات، برعشةٍ تسكنُ عينيَّ، خوفاً من أن أصدقَ ما نَطقَ به:
- هل يعقل.. أن تلكَ اليد..
{ لقطة لإياس وهو يحزم ربطة عنقه بغرور بينما يقول بتهكم واستعلاء:
إذاً سأجعله الكويكب المُدلل الذي سيتذوق مذاق الكوازار الجديد! }
حدقتُ بإياس، الذي يتملَّكُهُ الاضطرابُ الشديد، الظاهرُ جليّاً في اتساعِ عينيهِ البطيء، وإطباقِ فمِهِ الشديد؛ لكن ملامحه تلك، واضطرابَهُ ذاك؛ لم يتملَّكاهُ أبداً حينما قرَّرَ ساخراً أن يجعلَني تجربةً لدى ذلك الراصد!.
---------------
لم أحتمل مقدار الخذلانِ والخيبة اللذانِ تملَّكاني – بل استوليا عليَّ تماماً!
لا أعلمُ ما الشعورُ المناسب لوصفِ ما يعتملُ في داخلي الآن!
شعورُ خذلانٍ!
شعورُ خيبةٍ!
بعد كلِّ هذهِ الثقة العمياء، بل بعدَ أن جعلَني كويكباً لدى راصدي، يملكني ولا أملكُ من أمري شيئاً!
¶ مملوكي، أنت لي وحدي فقط!
شعورٌ مؤلمٌ وصعبٌ للغاية، لا توجد أيُّ كلماتٍ في هذا الكون تُعبِّرُ عمَّا أشعرُ بهِ الآنَ، سوى أني مجردُ عاجزٍ لا حولَ لهُ ولا قوة!
كم أكرهُ ذاتي في هذهِ اللحظة..
كم أكرهُ عدمَ إدراكي للحقيقة التي كانت واضحة أمامي طوال الوقت!
¶ بجدية؟!
{ لقطة لي وأنا طفلٌ في الخامسة، أنتحبُ بقهرٍ بينما أحتضن وردة بيضاء داخلَ كفّيّ الصغيرين، وأرتدي بلوزة بيضاء مُطرزٌ على صدرها الأيسر رمز " M87 " }
قلبي سيخرجُ من بينِ أضلعي، وطنينٌ مزعجٌ في أذني يشوشُ محيطي، جسدي لا يكفُّ عن الارتجاف، وعينايَ فقدتا بريقَهما، وصارتا شاردتينِ تبحثانِ عن مأوىً يحتويهما..
عبوسٌ واضحٌ شوَّهَ ملامحي وسوَّدَها، حينما بتُّ لا أقدر البتةَ أن أرى الراصدَ إياس كما اعتدت!.
لكنه كان يُحدقُ بي، وقلقٌ متجذرٌ في كيانه.
مع ذلك، لم أُطق لمحَ عينيه؛ وكأنما صمت تبادل النظرات الذي سيُقامُ بيننا.. سيفتكُ بي ويُمزِّقُني!؛
ليسَ لأني ضعيف، لا! – بل لأني بكلِّ بساطة..
لن أقدر على تحمُّل حقيقة هذه المواجهة!.
بدأتُ أتمتمُ دونَ وعي، بينما أضمُّ ذراعيَّ بقوةٍ إلى صدري؛ كنوعٍ من حماية روحي المُمزَّقة:
- لا أُصدِّقُ هذا، لا أريدُ تصديقَهُ البتة!
{ لقطة لعيون أمي الذابلة وهي تحدّق في عينيه الباردة، بينما الدماء منتشرة في كلِّ مكان }
هذه اللقطة..
كانت كصاعقة، بل كزلزال – بل كقطارٍ يدهسني فتطايرت أشلائي بين سككِ الحديدِ والحصى!
رأسي.. ثقيل!، لا أُطيقُ رفعه، يؤلمني للغاية!
= بني!
{ لقطة لسكين، مملوءٌ بدماءها المنسابة على حافَّتِه الحادة }
وهذه اللقطة..
تُخيفني،
تُرعبني،
تقتُلني!
لا أريد استعادتها!
لا أريد ان أشاهدها!؛
فلماذا لا ازال أراها – رغمَ أن عينيَّ مغلقتان؟!
- هآه..
ماذا أفعل!
ماذا أصنع!
وما الفرق بينهما!
لا اعلم!
هذه اللقطات، لم تعد مجرد مشاهد عادية، بل سيناريو حي لمشهدٍ واحدٍ منسيّ؛ إذ يُحكِّمُ الطبيب إياس عقدة ربطة عنقه بطريقة مثالية رائعة بعد عناءٍ شاقٍ من..
- هآ..
هو.. هو وهم؟!، من هم؟!، لكني كنت في الخامسة حينما عرض عليهما أن أكون..!
صرختُ عالياً ورأسي مرفوعٌ إلى السماء الشاسعة، على أملِ أن تتحرر روحي وتحلق مع الطيور البرتقالية هناك!:
- هذا مُهلك.. أخلصيني من هذه اللعنة!
الـ.. النجدة!
---------------
قبضتُ على رأسي بقوة حتى تداخلت أناملي بينَ خُصلاته المرتعشة، وخفضتُهُ قليلاً.. لكني سرعانَ ما تراجعتُ خطوةً إلى الوراء، حينما وجدتُ نفسي أقفُ على حافَّةِ هاويةٍ سحيقة مظلمة؛ يخرجُ منها أيادٍ نحيلة سوداءَ ممزقة إلى خيوطٍ رفيعة، تلتفُّ حولَ أذرُعِها، وتُحاوِلُ باستماتة مرعبة أن تُمسِكَ بقدمي؛ لِتَسحَبَني إِلَى جوفها السَّحيق، وتلتَهِمَني ماسحةً وجودي عن الأرض!.
جسدي يرتجف، كأن دلواً من الماء القارس كُبَّ عليَّ، ملامحي تقاربت كُلُّها من بعضها كقماشةٍ مبلولة، باستثناء شفتايَ اللتانِ لا تُشاركانِ جسدي أيَّا من هذا، مُتراخيَتانِ تماماً؛ لا حولَ لهما ولا قوة!.
لم أكن أعلم ماذا أفعل – فسواءٌ فتحتُ عينيَّ أم أغمَضتُهُما..
ستبقى النتيجة واحدة؛ عالماً فظيعاً، وحقيقة مرعبة!
= أرفع رأسك!
≠ كم هذا مؤثر!
عاصفة ذاتُ دَوَّامةٍ عنيفة تدورُ بي، وتصطَدِمُ بِي بكلِّ حوافها الحادة؛ لتُمزِّقَ جسدي طولياً إلى شرائح، كورقة ضعيفة!.
جَثَوتُ على رُكبتيَّ مُستسلماً مُنهاراً؛ عدا أنَّ جسدي لم يكُن القريب من الأرض فحسب، بل وصوتُ إياس البعيد وهو يناديني بصدى مدوٍ ومؤلم، لكنه لم يكن كافياً ليُغَطِّيَ على صدى المشاهد المؤلمة التي تُكرِّرُ نفسها مُجبِرةً إياي على أن أدرك
بأَنَّ هذه هي الحقيقة، والتي يجبُ عليَّ أن أتقَبَّلَها، شِئتُ أم أبيت!
تلك اليد التي تُحكم ربطة عنقه بإحكام،
وتنطق بسخرية وجراءة جملته الوقحة التي يستحق عليها الإعدام؛ هي ذاتها اليد القلقة التي تمسكني برقة الآن، خشية أن أُؤذى!
هي ذاتها اليد..
التي تعاهدت على حمايتي؛ لغاية نجاح التجارب عليّ؛ وليس لأنها تَوَدُّ احتوائي، بل لأجل مصلحتها فقط!
سحقاً.. كم هذا لا يُطاق!
لا أريد هذا!
ليوقف أحد تكرار هذه الذكرى اللعينة!
دفعتُ إياس عني بقوة، وحبوت إلى الوراء حتى ارتطم ظهري بطرف السرير.
خَبَّأْتُ رأسي بين ركبتيّ، كي لا يرى أي منهما مقدار الشفقة التي أنا أبدو عليها الآن، وهذيتُ مُتمتماً بصوتٍ ضئيلٍ مبحوح:
- هذا مؤلم.. كفى، لا أريد أن أتألم، لا أريد!
انهمرت الدموع بغزارة من عينيّ الشاردتين، وفمي فُتح باتساعٍ كبير لِيُحَاوِلَ بيأسٍ التقاطَ بعض الأنفاس الباهتة التي تأبى رئتي أَن تَكتَسِبَها!
وفي لحظة..
صمتَ كُلُّ شيء؛ حينما احتَضَنَني الطبيب إياس بين ذراعيه، وأخذَ يُمررُ يده اليمنى على شعري ويُهَدِّئُ من روعي، بينما يهمس بدفئٍ في أذني بنبرة لم أشعر بها إلا مع خالتي وأمي:
= اهدأ، أنا معك هنا، لا تقلق، سأبقى معك حتى تهدأ، بني
كان شعوري لحظتها خليطاً مُتناقضاً؛ خيبةُ أملٍ قاسية تمتزج براحةٍ دافئة، وهناك أيضاً – الإحباط، والارتباك، والتوتر، و.. و.. و..
≠ لا تصدق هذه الراحة الزائفة أيها الفنان المخدوع!
( أخرس! لماذا لا تَكُفُّ عن زيادة عمقِ غرقي!. )
ومع استمراره في ملامسة شعري بحنيَّة مصطنعة، وهمسه بكلماته المطمئنة المتلاعبة:
= اهدأ، ستكون بخير، أنا معك، بني!
كان هذا.. يحتويني ولو قليلاً..
لكني أريد إجابة صادقة..
هل سأكون بخير؟!
أم سأبقى أتعذب ما حييت؟!
لماذا تناديني بني؟!
طالما أنك تعاملني بقسوة جافة؟!
ورغم أنك أيضاً.. تأبى أن تُعلِّمَني على عائلتك الحقيقية!
هل هو يتلاعبُ بي.. أم يخدعني؟!
وما.. الفرق بينهما؟!..
لا أعلم!
وما الذي أعلمه حقاً هنا؟!
هل أنا في باحةٍ فسيحة، أنظر إلى السماء الشاسعة؟!
أم على حافةِ هاويةٍ شاهقة؟!، وهل هذه الأيدي التي تخرج منها.. حقيقية؟!
لكن اليدين اللَّتَينِ تَحتَضِنانِني هنا.. حقيقية!
لكن شعورها.. غير حقيقي!
فَكُلُّ ما أُعانيهِ واتلوَّى بِهِ هو..
بسببك!
كيف لك كل هذه الوقاحة والجُرأة، لتقتل معهم أغلى شخصٍ عندي، وتأتي وتواسيني بدافع الشفقة والعطف؟!
كيف لك كل هذه الوقاحة والجُرأة، وأنت تعلمُ أنَّ قُربكَ مني يقتل روحي ولا ينقِذُها؟!
كيف لك كل هذه الوقاحة والجرأة لتخدعني طوال.. هذه السنين.. الجرأة..
هذا الشاب على حق..
لماذا أعتَبِرُه أكبرَ داعمٍ لي، رغم كبريائه وجحودِ معاملته لي!
أنا حقاً.. استمتع بذلك بطريقة مروعة ورائعة!؛
فعقلي يَشعُر بحماسٍ مبالغ ليُكافحَ هذه اللقطات، كي لا يُصدِّقها!
لكن لماذا؟!
لماذا يجاهدُ عقلي رغماً عن روحي لأن يُحافظَ على صورته النظيفة الملوثة كما هي.. بينما هو سبب دماري؟!
..
لماااذااا!!!
ما هذا الشعور المتناقض الذي أنا به.. كالمجرة والأرض، كالليل والنهار، كالملحِ والسكر!
= بني، أتسمعني! أرخِ يديك!
- أخرس! صوتكَ نشازٌ على أُذني!
صرختها بجموحٍ قاتل، بينما أظافري تَجُزُّ على عقلي.. كي تَقتُلَه لأجل هذا التفكير العقيم!
= أرخِ يديك!
كان ذلك السفاح اللعين يحاول بحنيَّةٍ مُتَكلِّفة، وجهدٍ مبتذل، حماية عقلي الخائن من حُكمي العادلِ والذي سأُُطلِقُهُ قريباً عليهم أيضا!
لكن أولاً..
يجب أن يموت!
يجب أن لا يبقى على قيد الحياة!
لأنه يرفض جعلي أن أتقبَّلَ الحقيقة!
لا..
لا يجب لعقلي أن يموت!
لا يجب أن يموت لوحده!
يجب أن..
أسنانه مُخيفة! ستمتلئُ بدمي!
- هآه..
---------------
مجهول ١:
كل ما عليك هو أن تعتني بهذه الفوضى هنا!
مجهول ٢ :
رغم أنه فريد.. فأنا حقاً لا أعلم ما سبب رفضها الذي استوجبَ قتلها!
مجهول ٣ :
لأن جسده ضعيف؛ فلا يقدر على تَحمُّلِ كَمِّ تلك التجارب عليه
مجهول ٢ :
هه، يا لهذا الكويكب الممل!
هذا الصوت الثالث – أنا أعلَمُهُ جيداً..
« كنتُ أتوقع قدومكَ إلي »
« توقف عن التحديقِ بي »
« لم أركَ منذ مدة »
« يا لك من ذكي! »
« هذا أمرٌ بديهيٌّ.. يا والدي! »
« بني.. أأنت حقا..
لا تتذكر ماذا حدث لك؟! »
أجل!
هذا الصوت.. صوت إياس!
مجهول ١:
هل ستجرب عليه الكوازار الجديد؟
إياس:
مازال تحت التجربة، لذا لربما لن ينجح عليه
مجهول ٢:
يمكنك التجربة على أَيٍّ من الكويكبات التي تريدها، قبل أن تجربَ عليه
اقترب الطبيب إياس مني، انا الطفل، وبدأ يتفحَّصُ ظهري بعنايةٍ وتركيز؛ فقد..
تَفوَّهَ إياس بنبرةٍ خافتة ممزوجة بالاستهانة:
أرأيتِ كم هو هشٌ هذا الكويكب؟!؛
فيبدو لي أنَّ أحد عظام ظهره السفلية قد كُسِرَت، وعلى الأرجح بأنه سيحتاج إلى دعامة تُثبَّتُ له لبقية حياته؛ وإلا سيُصاب بآلامٍ مُزمِنة في ظهره قد تؤدي إلى تشوهٍ هيكليٍّ في العمود الفقري، أو سيتطور الوضع بشكلٍ أسوأ ليصل إلى الشلل السفلي الكامل
مجهول ١:
و؟
إياس:
لدي فكرة
مجهول ١:
ما هي؟
تنهد إياس بعمق ونهض متوجهاً نحوهما ببطء:
لنأخذ برأي.. هنا على الأرض، حيث يتسنى له الاختلاط بـ..
لذا، سيتيح لنا الوضع الجديد..
- ها!..
ما الخطب؟!، لماذا لا تُكمل كلامكَ أيها السفاح!
مجهول ٢:
أهوى تخطيطك.. شقيقي!
إياس:
إذاً سأجعله الكويكب المُدلل الذي سيتذوق مذاق الكوازار الجديد!
مجهول ١:
لا وقت.. أتفقنا على هذا، سأقوم الآن بتمويل كل أموال العمليات.. لكن لا تتوقع.. أن..
- ماذا يجري هنا!
ارتفع رأس إياس بينما يقول بنبرة تساؤل مشحونة بكبرياءٍ مقيت:
وهل تظن بأنني أتوقعُ منكَ شيئاً كهذا؟
---------------
في الفراغ السرمدي، حيث عُرِضت محادثاتهم داخل لقطةٍ من مكعبٍ جديد. كان المشهد كما المكعبِ السابق، يتكررُ مراراً وتكراراً، ليجبرني على أن أخمّن ما نُقِّصَ من كلامٍ أنا نفسي لا أعلَمُه.
انتهت مهمة هذا المكعب، وتبخر أمامي ليصير ضباباً كثيفاً ثقيلاً، وانقضّ عليَّ بسرعةٍ خاطفة؛ ليغزو جسدي بعنف، ويُقَطِّعُ جلدي بشقوقٍ دقيقة، كأنما ذرات غباره سكاكينَ حادة، تنهَشُ لحمي وتأكُلُهُ بلذةٍ تُشعل لسعاتٍ حارقة تسري في سائِرِ بدني!.
صارَ لون الضباب قانياً من امتزاج دمي به، وشعرتُ من سخطه الشديد عليَّ، بأنَّهُ يَلومُني ويُحاكِمُني على سُكوني وجُمودي أثناءَ مَقتَلِها، وكَأَني أنا المُذنب!
فقد كنتُ في الخامسة من عمري فقط، وكنت.. أنزِفُ معها أيضاً!
وقد كانَ طوال الوقت يمسحُ ذاكرتي، كُلَّما علمتُ طرفَ خيطٍ واحدٍ عني!
ويعاملني بقسوةٍ بالغة، أجبرتني على أن أفكِّرَ بكلامي ألف مرة؛ ليس لأقوله، بل لأحبِسهُ داخل عقلي وأكتُمه – بعد أن أيقنتُ وتأكدتُ أنه لن يرضى البتة بما سأتفوّهُ به، وسيُعاقبني عليه حتماً!
ازدادَ دوران الضباب حولي بجنون، وتكاثَفَ حتى تشكَّلَ سيفاً حاداً مدبباً، انطلق واستقرَ في عمقِ قلبي الهلع، ينحدرُ ببطءٍ متقطِّعٍ بفعل نبضاته المذعورة، شاقًّا إياه إلى نصفين متماثلين، كلٌّ منهُما ينبضُ بحكاياتٍ مؤلمة لا تُحتمل، تماماً كحكايتها حينما قُتلت!.
انتزعَ السيفُ نفسه من صدري بتأنٍ مُميت، ليمتلئَ أنيني الصارخ فضاء اللامكان، وبرأسهِ المُدبَّب كان نِصفَ قلبي يتدلَّى عليه، حتى هوى ساقطاً في عُمق البركة الدموية أسفلي بلا صوت ولا أثر.
لم أكُن أتَبَيَّنُ تَقاطُر الدم الغزير الساخن على سائرِ بدني، من بعد أن فارقَ السيفُ أضلُعي، حتى استشعرتُ بأنَّ الشقوقَ نفسها تَتأوَّهُ من المُعاناة الحارقة!.
اتسعت الشقوقُ على جلدي، يَسيلُ منها سائلٌ لزج أخضرُ كريهُ الرائحة، يخرُجُ من فقاعاتٍ متلاشية تظهر وتختفي عليها.
أما النصف الآخر من قلبي.. فقد ظلَّ يطرُقُ بهولٍ على جدارِ صدري، مُستنجداً للهربِ لعدمِ قُدرَتهِ على التحمُّلِ أكثر، حتى أُجبِرَ جسدي على تَقَيِّئِهِ دفعةً واحدة، باختناقٍ رهيب كاد يزهقُ روحي!
طعمُ دمِ قلبي عالقٌ في مسامِ لساني، وشظايا صغيرة منهُ مُلتصقة في سقف حلقي.
الشعور.. مُقرفٌ حد الموت..
فكل ذلك كان يثير فيّ رعباً لا يوصف، وحنقاً..
لا ينتهي!
---------------
كان ذلك.. مجرد – وهم..
لماذا تعذبني هذه اللقطات أيضاً؟!
هل لا يكفي أن تعيدَ إليَّ الذكريات فقط دونَ أذية؟!
هل هو شرطٌ أنانيٌّ أم ماذا؟!
لماذا تُصرُّ على إيذائي؟!
هل هي فقط تشعِرُني بما شَعرت بهِ، أمي..؟!
مهلا..
هناك.. كان على ما أذكُر، أنَّ أحدهما وصفَ إياس بـ « شقيقي »، وأيضاً صوتها كانَ ناعماً، وقد وجَّه لها كلمة كانت:
« أرأيتِ »
هل هي امرأة؟!.. شقيقته؟!..
وبما أنه أخفى عني أمر عائلته بالكامل، فهذا يدلُّ على أمرٍ واحدٍ لا احتمالَ ثانٍ له، وهو:
كي لا يؤثر هذا على عودة الذكريات، إن قابلتُ أحداً منهم!
- هآ..
هل يُعقل أن المترصد..؟!
هه،
سخافةٌ حقاً!
نهضتُ بعنفٍ حتى انتصبتُ شامخاً وسط المحيط الدامي، وصرَّحتُ بيأسٍ عالٍ ممزوجٍ ببعض التهكم:
- أيها المُكعب.. لا، بل أيتها المربعات!،
إن كنتِ تُخَطِّطينَ لأن تهبينني جزءاً منكِ وتُغرِقينَني بباقيه لعدم اكتماله – فلا حاجة لي به البتة!
لذا..
عودي وأكملي الحقيقة!
ماذا حدث في النهاية؟!
لماذا الكلام كانَ ينقَطِع؟!
ومن هو ذلك المجهول الأول؟!
وهل المرأة على صلةٍ به بطريقة أو بأخرى؟!
وأنا.. ماذا حلَّ بي حينئذٍ؟!
هناك شَكٌّ في داخلي يخبرني أن هذا الشخص الجامد، المجهول الأول، لا يرحم كل من يراه، على قدر ما رأيتهُ منه في حقهم!
فقوله غير المُكتمل:
« بتمويل كل أموال العمليات.. لكن لا تتوقع.. أن.. »
أرجح أن تكون تَكمِلَته:
« بتمويل كل أموال العمليات التي يحتاجها، لكن لا تتوقع مني أبداً أن أدفع فوق هذا المبلغ، ديناراً زائداً! »
هذا الطَّمعُ الجَشع..
أنا متيقنٌ تمام اليقين، أنَّهُ..
..
* ما هذا.. الضوء؟! *
= استيقظت أخيراً، بني!
- ها؟!
كان رأسي يميلُ يميناً ويساراً فوق الوسادة القطنية، إذ لم أكن قادراً على حِملهِ الثقيل وتثبيته؛ فرفعتُ جفنيَّ بصعوبةٍ بالغة تزيدُ من سرعة تمايله، وبرؤية مشوشة غير واضحة تتداخل فيها الأضواء كومضاتٍ لامعة تشبه تلك.. المربعات؟!..
وجدتُ نفسي نائماً على سرير الفحص، في غرفة عيادة الطبيب إياس.
كان الجو حولي يبعث في قعر روحي ضيقاً غامضاً لا أعلم ما سبَبُه، لكن ما أعلمه هو – أنه يضيّق عليَّ تنفسي بشدة.
حاولت أن أُجْبِرَ نفسي على النهوض بصعوبة، غير أن تخديراً غريباً سرى ببطءٍ أسفلَ ظهري.
= لا تنهض وحدكَ هكذا، بني!
وجدتُ صوته قريباً جداً من أذني، لم يَعُدْ صَدًى بَعِيدًا كما..؟!
أملتُ نظري إلى الجانب الأيمن، لأرى ذراعه الضبابية تمدُّ لي يد العون، ليقبضَ بها على ذراعي اليسرى، وثبَّتَ ذراعه الأخرى على كتفي الأيمن، وأسند ظهري برَويَّةٍ حذرة مع الرفقِ الشديد، حتى جلست. أثناء ذلك، شعرتُ أنًَ هناك أمراً ناقصاً في المشهد؛ فهمست لنفسي بريبة:
* متى.. انتهى الفحص؟! *
= أهناك ما يؤلمك، بني؟
أجبتهُ بإرهاقٍ واستغراب، بينما أتفقَّدُ محيطي برمشاتٍ سريعة من جفنيّ:
- الفحص.. أنتهى؟!
= أجل، انتهى منذُ خمس ساعات
بحركةٍ خاطفة رفعتُ جفنيَّ إلى أقصاهما مندهشاً من جوابه، وظللتُ أحدِّقُ به، دون أن أنطقَ بحرف؛ فعقلي مشغولٌ بالبحث عن الأمر الناقص في ملامحه، في المكان، في الجو، وفي المشهد بأسره! – هناك حدثٌ مفقود!
أشعر أني رأيته يتصنَّعُ سخرية وعدوانية غريبة..
أشرتُ إلى صدري، بينما أضغطُ بوهنٍ وخوف بيدي اليُمنى على ذراعه الممسكة بذراعي اليُسرى. فهمَ فوراً ما أريدهُ، وجعلني أستلقي ببطءٍ وتأن، ليتمكَّنَ من رفع البلوزة وفحصِ دقَّاتِ قلبي بسماعة أذنه الطبية،
= ما الذي تشعرُ به بالضبط، بني؟
أجبتهُ بينما ألهثُ بقوة:
- حريق!
كان جسدي يحترقُ من الداخل بنيرانٍ تلتهمُ كل ما فيها، وتُحيلُه رماداً أسوداً يملأُ روحي. حاول جسدي تخفيف لهيبه وحرارته بدفع ظهري إلى الأعلى، مما زاد هذا من الشدِّ على منطقة الدعامة.
في لحظةٍ عَجَلَةٍ وطارئة، توقف الطبيب إياس عن فحصي، وهرولَ مسرعاً إلى مكتبه، وضغطَ زرّ الاتصال الذي يصل بالسكرتيرة مباشرة، وأخذ يتحدث معها بنبرةٍ قلقة خافتة.
جفناي يريدان الاستسلام للألم الطاغي ولضعفهما، إلا أني أحاولُ جاهداً وخوفٌ يقتلني ألا تُغلِقا..
= بني..
يده الدافئة لامست برودة يدي،
= لا تخف، أنت تشعر بهذا الألم لأنني حقنتك أثناء نومك بإبرة، وهذه الإبرة ستساعد ظهرك على الاستعداد للعملية
ذُهِلت!
وصعد صدري ثم هبط بسرعةٍ اضطرابية، وبدأت ساقاي تتحركان بعشوائية رفضاً لهذا الخبر المُفاجئ!
حاولتُ أن أمنع،
حاولتُ أن أرفض،
حاولتُ أن أوقف هذا الإجراء،
غيرَ أنَّ أنيني المتواصل جعل الطبيب إياس يدرك أني على وشك الدخول في مرحلة متطورة، وربما حَرِجة.
قبضَ على يدي بقوة، وجال ببصره في وجهي بقلقٍ مكتوم:
= لن يطول الأمر، سيصلون فوراً ليأخذوك إلى غرفة العمليات، وبعدها سترتاح، بني
لا أريد أن أرتاح!
لا أريد الراحة!
لا تجعلهم يأتون!
تساقطت قطراتٌ باردة على خدي؛ فاندهشتُ لأنها ليست مني، وحاولتُ تركيزَ نظري بِكُلِّ ما تبقى لدي من قوة – ليفاجئني مشهدُ عينيه تذرفان دموعاً كالسيل الهادئ الصافي. كنتُ مستغرباً حد الجنون والوجل!
فلماذا يبكي؟!
هل يبكي لأنه أيقن مدى سوءِ حالتي؟!
هل يبكي لأنه يعلم أن العملية لن تنقذني؟!
هل يبكي لأني سأموت؟!
هل أنا حقاً على وشك الموت؟!
لماذا تبكي؟! – أجبني.. هل أنا..
بخير حقاً؟!..
---------------
- انظري!
لقد رسمت الورود والأزهار التي في فناءنا!
❀ يا للروعة، صغيري!
لقد أبدعتَ حقاً بجعل كل جمال الفناء في رَسمِكَ المتألق!
- انظري، هذه الوردة البيضاء التي سأهديها لكِ عندما تُزهِر!
❀ حقاً!
كم أنا متشوقة لهذا، صغيري!
- وهنا انظري،
هناك أزهارٌ لم تنمو بعد، رسمتُها أيضاً!
❀ كم أنت دقيقٌ جداً!
- حقاً؟!
❀ أجل! وإذا كنتَ بهذه الدقة، أجبني:
ما الفرق بين الوردةِ والزهرة؟
- وما الفرق بينهما؟!
❀ لا أعلم، أنا أسألك!
- أظن أنَّ الزَّهر هو ما في الفناء، والوردة هي أمي!
❀ أوه، تعال إلى حضني، صغيري!
- أحبكِ للغاية!
❀ صغيري..
- نعم، أمي؟!
❀ تذكر هذا جيداً:
كل وردةٍ زهرة.. لكن ليس كل زهرةٍ وردة!
- هآ!
وماذا يعني هذا؟!
❀ ستفهمهُ حين تعتني جيداً بها..
صغيري!
---------------
- أمي..
انفتحَ جفناي ببطءٍ متثاقل، أثر صوت ضحكاتها الرقيقة تصلني من بعيد.
رؤيتي.. كانت ضبابية ومشوشة، لكنها كانت تلتقط ملامحها وما تفعلهُ هناك..
لكن..
لماذا هي ليست بقربي؟!
لماذا تركتني وحدي هنا في هذه الساحة الشاسعة الخضراء؟!
الجميل أني على الرغم من بُعدي عنها، إلا أني أستطيع سماع ضحكاتها، والإحساس بخطواتها وهالتها المطمئنة.
كما أستطيع أيضاً الشعور بها وبدفئها المريح الذي يجعل قلبي يحلق في سعادةٍ مؤقتة..
لكن..
لماذا هي بعيدة هكذا؟!
لماذا تسيرُ في نقطةٍ تبتعدُ فيها شيئاً فشيئاً عني؟!
لماذا تتَّجه نحو مكانٍ..
لن أقدِر على بُلوغِهِ البتة؟!
ولماذا لا أملك القدرة على التقدم أو الركض إليها؟!
لماذا جسدي مُثبَّت في نقطةٍ واحدة لا يتحرك عنها؟!
لماذا أستطيع أن أسمع ضحكاتِها البريئة، وصوتَها العَذب؟!
لماذا أستطيع أن أرى حركاتها الهادئة، وتصرفاتها الرزينة؛ كوضعِ يديها وراءَ ظهرها بهدوءٍ وأدب، وكأنها لا تعلم أن قلبي يَتمَزَّقُ هنا؟!
أمي..
أنتِ بعيدة!
بعيدة للغاية!
فمهما مددتُ يديّ إليكِ لأحتضنكِ مرة أخرى، أو أن ألمسَ يداكِ اللتانِ كانتا تكبُرانِ يداي الصغيرتان..
فلا أستطيع!
أنتِ بعيدة!
بعيدة
وبعيدة للغاية!
ألتفتي إليّ أرجوكِ!
أنا هنا! – وراءَكِ!
هنا!
ألتفتي إليّ.. أرجوكِ..
ألم تعِدينَني أنك لن تتركيني؟!
فرحيلك هذا، رغماً عنكِ – أليس كذلك؟!
أمي..
الألمُ يُمزِقُني، أريدُ العودة إليكِ، لا أريد البقاءَ هنا!.
حاولتُ أن أنهض من على هذه الأرض العشيبة للحاق بها قبل أن تتوارى عن عينيّ، وتختفي من حياتي للأبد!
إلا أن جسدي بالكادِ يستجيب، كلُّ عضلةٍ فيه تصرخُ باستماتةٍ لمنعي من النهوض، لكني لا أكترث!؛
فأنا الذي أريدهُ هنا – هو تَتَبُّعَ خطواتِ أمي غير الموجودة!
رفعتُ ركبتيَّ، بينما أزمُّ شفتَيَّ ذَعِراً من أن لا أقدر على تحقيق مُرادي، حاولتُ رفع جسدي بكُلِّ قوتي، إلا أنَّه سرعانَ ما سقطَ قسراً؛ إذ منعني ظهري من اللحاقِ بها، وأخذَ يَنْخُزُهُ الألم كنخز الإبر الحارة..
= ولكن لا تقلق، ستهدأ بعد أن تأخذ المسكنات..
صوت هذه المرأة.. مألوفٌ لديّ..
بدأت الذاكرة تعود تدريجياً..
¿! غرفة العمليات، التخدير، عملية تبديل الدعامة ¡?
نظرتُ حولي بتعجبٍ مُتعب، حيثُ تَغَيَّرَ المكانُ تماماً، لم يَعُد تلك السماء الزرقاء الصافية، ولا تلك الأرض الخضراء العشبية و.. أمي؟!..
سألت نفسي بريبةٍ مُقلِقة:
* هل.. أُجريت لي العملية؟! *
لا أُطيقُ الاستيقاظ!
دمعةٌ حارقة انسابت من عيني اليُسرى، وحرقةٌ تَلتَهِمُ صدري؛ نابعة من رغبةٍ مُلِحَّة في أن أرى أمي من جديد!
= لكن أخبرني، لماذا كُنتَ مستيقظاً منذُ نصفِ ساعة؟
- ها؟!..
أردتُ أن أعلمَ ما تسألُه، إلا أني شعرتُ ببحةٍ في صوتي من جفافه القاحل كالصحراء. حاولتُ أن أبلعَ ريقي، بيد أن الألم في ظهري كان قوياً لدرجة منعي من ذلك. أغمضتُ عينيّ، وتنفست بعمق، كي أسيطر على الألم والإحباط اللذان يأسرانني.
= يبدو أنك لا تستطيع التَّكَلُّم
قالتها الممرضة وهي تفتح باب خزانة الأدوية، بحثاً عن المسكنات المطلوبة.
- مـ.. ماء..
التفتت برأسها نحوي، ولاحظت فوراً أنفاسي اللاهثة وجفاف حلقي؛ فأخرجت المسكنات المطلوبة بسُرعة من الخزانة وأغلقتها، ثم هرولت إليّ بعجلة وساعدتني على الجلوس.
تناولت بيدها قنينة الماء المَوضوعة على الطاولة بجوار السرير، وسَقَتني إياها حتى خَمَدَت نارُ الألمِ في جوفي.
= لا تقلق، فكما تعلم، هذا أمرٌ طبيعيٌّ بعد العملية. سأُعطِيكَ مُسَكِّناً للألم حتى تستريح وتنامَ بهدوء
وبعد أن أعطتني المسكنات، وسقتني إياها بما تبقى من ماءٍ في القنينة، بدأتُ أشعرُ بتحسُّنٍ تدريجي؛ إذ أخذَ الألمُ يَخف، وصرتُ قادراً على الحركة بصعوبة أقل.
استلقيتُ بهدوءٍ وتؤدة، وبمجرد أن لامسَ رأسي المُثقل ملمسَ الوسادة القطنية، تَبَدَّدَ ذلك الثقل الذي استقر فيه طويلاً، مما زاد من شعوري بالسكينة والاسترخاء. أغمضتُ عينيّ مستعداً أخيراً للراحة المزيفة، بينما كان آخر ما أراه هو حركات الممرضة وهي تُعِيدُ كلَّ شيءٍ إلى مكانه بعد تعقيمه جيداً؛ بعدها أطفأت ضوء الغرفة، وغادرت بهدوء.
---------------
في صباح اليوم التالي، أحضرت لي الممرضة وجبة الفطور، وتكونت من الأرُز واللحم وبرتقالة مُقَطَّعة. لم أكن أَمِيلُ إلى طعام المستشفيات حقاً؛ لِخُلُوِّه من تلك النكهة المميزة ولمسة الحلاوة التي أُفَضِّلُها. ومع ذلك، كان عليّ تناول الطعام مُجبراً، كي يتسنى لي التعافي بشكلٍ أسرع، ومغادرة المستشفى في أقرب وقتٍ ممكن.
وبينما كنتُ أتناولُ الطعام، كانت الممرضة تُحضّر المسكنات والأدوية وتضعها في الحُقن، استعداداً لإعطائي إياها بعد انتهائي من تناول الفطور.
كنتُ دائماً معجباً بهدوئها، وبطريقتها في أداء عملها بحبٍ وإخلاص؛ وكأن رعاية المرضى وتخفيف آلامهم هي أسمى غايةٍ تسعى لتحقيقها.
- أينَ والدي؟!
أجابتني بابتسامة هادئة:
= لم يأتِ اليوم إلى المستشفى، وقال إنَّ لديهِ عملاً مهماً، لذا أخذَ إجازة من العمل
سألتُها بنبرة قلق، بينما أُلقي بنظري نحو عصفورة برتقالية تقف على عتبة النافذة:
- وما هذا العمل المهم؟!
أجابت بينما تستعد لإعطائي الحُقَن متوجهةً نحوي:
= لا أعلم، لم يَذكُر شيئاً بخصوص هذا الأمر
مددتُ ذراعي المكشوفة إليها؛ بينما لا أزال أتأمَّلُ رفرفات العصفورة الضئيلة.
طهرت مَوضِعَ الحُقن بقطنة مُبَلَّلة بالمطهر، ثُمَّ باشرت بإعطائي الحُقن الثلاث واحدة تلو الأخرى بصمتٍ واحتراف.
= ها قد انتهينا.
وكما تعلمُ مسبقاً، إن احتجتَ إلى أيِّ شيء، فقط اضغط زر الجرس المجاور لك
- حسناً
كان النسيم الصباحي البارد يلامسُ وجهي براحةٍ ولطف، والعصافير البرتقالية تَحُلِّقُ في السماء الصافية بحركةٍ متواصلة متناسقة، وحفيف أغصان الأشجار يضفي نَغْمَةً متكاملة على المشهد أمامي؛ يا لهذا الانسجام – كلُّ شيء مثالي ومنظم!.
لكن هذا التأمل انقطع بدخولِ أحدهم إلى الغرفة؛ إذ فتح الباب بخفة وأغلقهُ بإحكام، ثم سار نحوي بخطواتٍ خفيفة بالكاد تُسمع. لوهلة، ظننتُ أنه الطبيب إياس، غير أنه لا يغلق الباب وراءه البتة، وخطواته دائماً ما تكون بطيئة، أما هذه – سريعة ومتأنية في آنٍ واحد!.
* من هذا؟! *
أدرتُ رأسي بحركةٍ خاطفة إلى الباب، وعرقٌ يَتصبَّبُ من جبيني، إلا أنهُ.. لم يكن هناك أحد!
* هل أتوهم؟! *
= لا
جوابٌ باردٌ من يساري، بنبرةٍ جادة هادئة،
بدأ الخوف يسيطرُ على جسدي؛ فكيف قرأَ أفكاري!
* من هذا.. الكيان؟! *
ما هذه النبرة؟!
ما هذه الهالة؟!
من هو الذي يتربص بي هذه المرة؟!
أخذت شهيقاً عميقاً وزفيراً بطيئاً، محاولاً إخفاء اضطرابي، وتمالكت نفسي رغم يقيني بأنه يرى الارتباك والحذر يتسللان إلى ملامحي. أدرت رأسي نحوه لأواجهه بجدية وحزم، فإذا بي أراه..
هو!
ذلك المترصد!
ولكن بصورة مختلفة تماماً!
تَشُعُّ منهُ هالةٌ رزينة حزينة، ويُحَدِّقُ بي ببرودٍ ممزوجٍ ببعض الأسى.
يجلسُ على الكرسي، يضع قدمه اليمنى فوق اليسرى، ويداه في جيب معطفه الطويل الأسود، ويرتدي كنزة بيضاء دون ياقة، بلون قريب من لون البنطال الذي يصل طوله إلى حد الكعب. وفي هذه المرة، كان يضع نظارة دائرية ذات إطارٍ أبيضَ لا يلفتُ الانتباه.
بدا وكأنه يجلس بارتياحٍ تام، يعتبر نفسه دخيلاً طبيعياً على المكان، وقد أَلِفَ اقتحامه، وصار دُخولَهُ إليه عادة راسخة.
تنهدتُ بضجرٍ ونفور، وطويتُ ذراعيّ على صدري بحركة تستنزف ما تبقى من قوتي، وشبكتهما بإحكام. رفعت رأسي، واخترقت نظراته بنظرة استصغار واستحقار، وسألته بصوتٍ مثقلٍ بالسأم:
- ما خطبكَ تطاردني كالذباب يا هذا؟!
بقيَ يُحَدِّقُ بي لثوانٍ معدودة، ثم طأطأ رأسه ببطءٍ مُتقَطِّع. ساد الصمت وملأ المكان لِما يقارب الدقيقة، حتى قررَ أخيراً كسرَهُ بابتسامة خافتة تتردَّدُ على شفتيه، تهبِطُ وتَرتفع، تخجل من الظهور بشكلٍ صريح وعلني.
أمالَ رأسه قليلاً نحو اليمين؛ فانحرفت نظارته لتستقِرَّ على طرف أنفه، فما كان منه إلا أن أعادها إلى مكانها بلمسة سريعة واثقة، بينما يَنطِقُ بصوتٍ خافت وابتسامة يَكسُوها الأسف:
= أراهن بأنَّ.. ذاكرتكَ قد مُسِحَت
---------------
لم أبدِ أي ردة فعل على كلامه الغامض، ولا على همسه المضطرب، رغم الفضول الذي كان يعتصرني لمعرفة ما يرمي إليه. لكنني اخترت الصمت، وفضّلت الانتظار لأرى إلى ماذا ستؤول إليه الأمور أو بمعنى أدق:
ما الذي سيبوحُ به؟!
فهذا التغيُّر المفاجئ في شخصيته، وهدوؤه غير المعهود، يوحي بأن ما يخفيه ليس سوى سكينة تسبق العاصفة.
وعندما لم يلقَ مني أي استجابة، أخرج كلتا يديه من جيب معطفه، وربطهما ببعضهما حتى تداخلت أصابعه بين فراغاتهما، وبدا وكأنهُ يحاول برعشة طفيفة تسري فيهما أن يكبح شيئاً ما يريد الظهور. انزلق ظهره إلى الأمام قليلاً، فاستقر مرفقاهُ تلقائياً على ذراعيَّ الكرسي لِيُثْبِتَ جسده بهما. أغمض عينيه، وبدأ يتمتمُ بكلماتٍ مُبهمة غير مفهومة:
= أحمرٌ باهت..
كالدمِ في عروقي..
* ما خطبه؟! *
شعرت وكأنه يَتَرَنَّم بما سيحدث بعد قليل، أو ربما يُلحِّن نهايته بنفسه!.
ومع ذلك، لم يبادر أَيُّ منا بكسر هذا الصمت الثقيل الذي عاد يَخيمُ على المكان.
سكوننا جعل ما حولنا يأخُذُ مجراه بصوته ونغمته الخاصة؛ فتتَّضِحُ الأصوات من حولنا بنقاءٍ صافٍ:
كأنفاسي المُتعبة، وأنفاسه المُتأنية،
دقات قلبي المتسارعة، ودقات قلبه الهادئة،
صرير النافذة، عقارب الساعة، وطقطقة منقار العصفور البرتقالي على الزجاج؛ كانت طقطقته تأتي منتظمة ومريحة، كأنها قطرات ندى تسقط من علوٍّ على صفحة نهرٍ ساكن.
وأخيراً، قرر ذلك المترصد أن يرتجل، وحَطَّمَ هذا الصمت متحدثاً بنبرة هامسة ممزوجة بتساؤلٍ يحمل شيئاً من الدهشة:
= هادئ!
ارتفع حاجبي الأيسر بحركة خاطفة،
- ها؟!
رفعََ حِدَّة صوتهِ قليلاً،
= ألا تجدُ نفسك هادئاً على غير العادة؟
- تقول هذا وكأنك تَعلَمُني جيداً يا هذا!
أخفضَ صوته مجدداً، وكأن هناك من يتربص بكلامه، وتغيرت نبرته الواضحة إلى نبرة مبحوحة ضعيفة:
= مقارنةً بأنني قابلتك ثلاث مرات وأكثر أيها الفأر؛ فأجل!
ارتفعا حاجباي معاً، وأملتُ ذقني نحو الأسفل باستهانة:
- ألم أقل لكَ بأنك كالذباب؟!
رغم سخريتي من كلامه، إلا أنه جعلني أشكُّ في نفسي؛ فكل شيء فيه يبدو مختلفاً،
هالته،
نبرته،
ونظرته!
ليَزرَعُ في عقلي شكاً وفضولاً عن شخصيته الغامضة، لكنه يزيدُ بالمقابل رغبتي بأن أتَمَلَّكَهُ أكثر فأكثر!
---------------
= أجبني..
- ماذا؟!
حَلَّ ذراعيه عن بعضهما، ووضعهما في حِجرِهِ بوقارٍ ظاهر،
= أتتذَكَّر ما قلتهُ لكَ البارحة؟
انتفضَ بدني قليلاً، وشعرتُ بِأَنَّ جسدي يُدرِكُ مغزى كلامه، رَغمَ أنَّ عقلي لم يستطع فَكَّ شِفرَةَ سؤاله.
أجبتُ وأنا أَحُلُّ ذراعيّ عن بعضهما، وأعبث بغرتي بيدي اليسرى بتركيزٍ مشدود:
- لماذا؟!
هل قلتَ شيئاً مميزاً يستحق التَّذكُّر؟!
ضحكَ باستهزاء، وهو يُباعِدُ بين ساقيه،
= مميزٌ لبعض الأشخاص الذين ألغوا زيارتك اليوم؛ ليذهبوا إلى منزلي!
- ها؟!
حدِّقُ من خلال النافذة، مخفياً فمه بيده اليسرى في حركة تحملُ شيئاً من الحذرِ والحيطة، وأكمل كلامه بنبرة غرورٍ أشعلت في داخلي مزيجاً من الترقبِ والدهشة:
= لكنه لا يدري أنني هنا لأكشف ما يخفيه!
أردتُ أن أجيب على كلامه الحقير، لكن لساني عَجَزَ عن الحراك؛ إذ انقَضَّ المترصد بحركةٍ خاطفة كالبرق على فَكِّي، فشعرتُ بوجنتَيَّ تُسحَقانِ بين قبضته الصلبة المُتحجِّرة.
تبدَّلت ملامحه تماماً في لحظة خاطفة؛ زال عنه ذلك الهدوء الكاذب المطمئن، وحَلَّ مَحَلِّهِ خطرٌ دامٍ يفيضُ من عينيه. أخذت نظراته تدورُ ببطءٍ وشراهة على ملامح وجهي، ثم تنزلق نحو رقبتي، تتلذذ بفكرة القتل التي تختلج في صدره.
حاولت أن أدفعه بعيداً عني، لكني كنت قد استنفدتُ قوتي في ربط ذراعيّ قبل قليل، لذا لم يكن أمامي خيارٌ سوى أن أثبّت ناظريّ في عينيه بنظرةٍ مشبعة بالاحتقار والتحدي؛ وإن همَّ باقتلاعهما، فسأُجابهه حتى بأضعف أنفاسي!.
ملامحه باتت باردة ومرعبة، وأنفاسه الحارة تَهُبُّ عليَّ كاللهب المُنبعثِ من بركانٍ هائج؛ فكلما لَفَحَني بأنفاسه، تزدادُ قبضته سخونة وضغطاً على فَكِّي، حتى أخذت عيناي ترتعشان من شدة الألم الذي ينبضُ بلا رحمة في صدغي.
نطق المترصد بكلامٍ كان كفيلاً بأن يزلزل روحي وثقتي في كل ما حولي:
= يا لهذه الدناءة!
لماذا عقلك الوضيع لا يُمكنهُ أن يدرك، أن ذلك إياس هو من بين الذين جعلوكَ تهلع من تعريفك للون الأبيض، أيها الفنان الأحمق!
كانت عيناه ترتعشان كما عيناي، لكن باستياءٍ وغضبٍ عارمين.
تسللت تلك القوة الغامضة إلى عقلي، قائلةً كلاماً بدا منطقياً، لكني لا أجرؤ على تصديقه!:
¶ ألا يذكرك هذا أنك ناقص؟
لأنك تهابُ تعريفَ شيءٍ يعتبره الناس رمزاً للطهارة والنقاء؟
*- طهارة.. ونقاء؟!
¶ أتمقُت اللون الأبيض فقط لأنه.. امتزج بدماء أمك الحمراء!
*- بل لأنه قادر على امتصاص قذارة هذا العالم بكل مثالية مقيتة!
¶ عن أي لون تتحدث؟
*- ذلك اللون!
¶ الأحمر أم الأبيض؟
*- اللون أبيض بالطبع..
ماذا؟! – سخافة!؛ فأنا أعلم بالطبع اللون الـ.. الـ..
¶ غريب!
كيف لا تقدر على نطق اللون الأبيض رغم أنك تقدر على نطق ما هو أقبح منه لوناً ومعنى؟!
= أجبني..
أبعد قبضته عن فَكِّي بهدوء، ثم انحنى بخفة وجلس على الكرسي دون أن يظهر عليه أَيُّ تعبير،
= أتحب اللون الأحمر لأنه فقط " العذراء أ "؟
- هآ؟!..
---------------
كلامه جَمَّدني في صدمةٍ عميقة، مما زاد من وطأة الضغط المهلك الذي يثقل كاهلي. ارتخى ظهري على مسند السرير، وشعرتُ بجسدي يرتجف من الداخل، يحاولُ بيأسٍ إخراج كُلَّ ما يختزِنُه من خوفٍ دفين، لكنه كان عاجزاً عن إرسال رعشةٍ واحدة في أطراف أصابعي!.
تملكتني رغبةٌ مُلحَّة في سؤاله، وتفريغ كلَّ ما تتصارع به أفكاري!
أردته أن يقرأ ما يدور في خاطري وأن يجيب عنه!
أن يضع النقاط على الحروف!
أن يعرِّف لي ما هو غامض!
أن يكشف لي ما يُخفيهِ هو، الطبيب إياس، وكل من حولي!
لكنه ظَلَّ صامتاً، لا يَنبِسُ بحرف، يجلسُ ببرودٍ تام، يثني ظهره قليلاً إلى الأمام، يرتكز بجبهته على قبضتيه المضمومتين، ويحدقُ في الأرض بنظرة ممزوجة بقهرٍ عميق،
= اسمعني..
نطقها بصوتٍ خافت، بينما يرفع رأسه، ويَشُدُّ قامته في حالةِ تأهبٍ تام.
تقدم نحو النافذة بخطواتٍ بطيئة متأنية، دون أن تفارق يده اليسرى فمه، وأكمل بنبرة هادئة مُلؤها الرجاء:
= أرجوك، لا تثق بهواجس عقلك!
أسودت ملامحي بتقاطيعَ جامدة، وأطلقت ضحكة قصيرة ساخرة ممزوجة باليأس:
- وأثقُ بكَ أنت؟!
انخفض نظره نحو العصفورة البرتقالية الصغيرة، وأجاب بنبرةٍ حزينة:
= أرجوك..
انقطعَ صوتهُ فجأة على دويٍّ عنيفٍ نَجمَ عن ارتطام الباب بالحائط!.
التفتُّ برأسي بسرعة، لأجد الطبيب إياس مرتكئاً على الباب، يلهثُ بصعوبةٍ بالغة، والعرقُ يغمُرُ وجهه ويسيل على رقبته، بينما تلمعُ في عينيه شراسةٌ غريبة لم أعتدها فيه قط!.
اقتحم الغرفة بسرعة، وأخذ يتفحص المكان بنظراتٍ حادة ساخطة، يبحث في كُلِّ زاوية فيها؛ تحت السرير، وراء الكراسي ووراء الستائر. وبعدها فتح أبواب الخزائن، وأخرج كل عبوات الأدوية واحدة تلو الأخرى، يقرأُ أسماءها، ويديرها بين يديه بتركيزٍ شديد، ليتأكد من وجودها كلها.
ثم تنهد تنهيدة طويلة ثقيلة، وسار نحو الكرسي بقربي، وألقى بجسده عليه بإرهاقٍ واضحٍ على ملامحه.
كنتُ أراقبُ حركاته بدقةٍ متناهية وقلقٍ يتصاعدُ في صدري؛ فالهالة التي تنبعثُ منه غريبة ومتوحشة، لم أعتدها منه، تشبه إلى حدٍ كبير تلك الهالة التي كان يبعثها المترصد!..
مهلاً…
أين هو؟!
لقد اختفى تماماً، وكأنه تبخر مع لحظة ارتطام الباب – في لحظة قياسية مذهلة!
هذا المترصد، يَحمِلُ سراً غامضاً يَصعُبُ فَهمُه، ينطِقُ بجُملٍ واضحة لكنها تَحمِلُ معانٍ عميقة مُلتَبِسة، يُثيرُ فضولي ورغبتي في معرفة حقيقته، بل في أن أجعله تحت سيطرتي، دمية بين يديّ!.
= يبدو أنك استعدت عافيتك، بني
رفعت عينيَّ إليه وابتسمت ابتسامة هادئة باهتة،
- أجل، الحمد لله
حدقتُ في شفتيه وهي ترتفع بابتسامةٍ مقززة، وفي عينيه الناعستين اللتين تَغمُضانِ بسعادةٍ مزيفة، واللتان تذكراني بتوسل ذلك المترصد إليَّ ألا أثق بهواجس عقلي.
لكن..
أليس كلامه منطقياً وصحيحاً؟!
والدليل أن الطبيب إياس قد أسرع إلى هنا يلهث، وبحث في المكان بقلقٍ بالغ، وتفقد الأدوية ليتأكد من وجودها.. فأليس هذا يعني بدوره أنه كان يتوقع مجيئه إلى هنا مسبقاً؟!
= بني، هل تناولت فطورك؟
هززتُ برأسي إشارة إلى الإجابة.
نهض من على الكرسي، واقترب مني بينما يتنفس بصعوبة وإنهاك، ثم ربت على كتفي بيده اليمنى وقال بنبرةٍ لطيفة غريبة:
= بني
- أجل؟!
= من الذي كان يجلس هنا قبلي؟
- هآ؟!..
انقضت يده اليمنى على فكِّي بقوةٍ ساخنة،
= من هو، بني؟!
---------------
انطبقَ جفنيّ تلقائياً من وطأة الضغط، فلم أعُد أرى منه سوى عينيه الحادتين تَشُعَّانِ غضباً عارماً. رفعَ رأسي بحركة مؤلمة تداخلت فيها أسناني، ليواجهني بوجهه المُتَجهِّم وحاجبيه المنعقدين،
= من!
حاولتُ عبثاً ودمعة تتساقط على قبضته أن أرفع ذراعيَّ لأتحرر من بطشه؛ لكنهما ثقيلتان كالرصاص، لا تقويان حتى على الارتفاع.
* سحقاً!.. *
حاولتُ إجبارهما على الارتفاع رغماً عنهما، لكني لم أستطع مقاومة ثقلهما أكثر من ثوانٍ معدودة، حتى استسلمتا للجاذبية وهوتا بقوة على جانبيّ.
رمقتُ عينيه المتفحمتين بنظراتٍ حادة حالكة، تُعلنُ اعتراضاً واضحاً على هذا التعدي!.
لكنه لم يكترث؛ فكل ما يُريده هو إجابة سؤاله الذي يحمل خطراً حقيقياً على بقائي حياً:
= بني، من الذي – كان هنا؟
خرج الأنين بدلاً من الإجابة، ودمعة تلو الأخرى تتساقط بحرارةٍ على قبضته.
لم يدرك بعد أني عاجزٌ عن الكلام بسببه، وأصرَّ على تكرار سؤاله مراراً حتى بات صوته يَجلجِلُ في أرجاء المستشفى بأسره،
= بني، أنت تعرف من أقصد، أليس كذلك؟!
لم يَعُد عقلي يحتمل هذا الألم في فكِّي، فأخذ يوزعه في كل خلية من جسدي ليخفف من وطأة النبضات في وجهي، حتى استجمع شيئاً من القوة الواهية، وفرغها برجفاتٍ متقطعة في أطرافي..
= أين هو؟!
زمجرَ بصوتٍ خافت، لكنه يحمل غيظاً مُتأجِّجاً في نبرته،
= من هو! أجبني، هيا!
بدأَ العرق يتصَبَّبُ مني بغزارة، ليس من شدة الألم فقط، بل من الرعب الذي تَغلغلَ في روحي بسببِ شعوري بقطراتٍ باردة تتساقط على شرشف السرير!
* هل هو عرق أم.. دم؟! *
بدأتُ أرى بُقعاً حمراء تطفو أمام عيني، وتتحول إلى أنهارٍ صغيرة تتدفق على جدران الغرفة،
* هل ظهري ينزف؟! – هل انفتح الجُرح؟! *
اختلطَ صوته مع أصواتٍ أخرى؛ همسات، ضحكات، وصرخات!
كلها تتردَّدُ في رأسي كصدى في غرفةٍ مظلمة.
ضغطَ للمرة الأخيرة بقوةٍ جعلت عظام فكِّي تصرخ، فانساب طعمٌ مَعْدنيٌّ مرير في فمي!
دماء! – تملأ كُلُّ مكان!
على الحائط!
على الأرضية!
وفي فمي!
انتفضَ جسدي بقشعريرة سريعة، وشعرتُ بأنفاسي تضيق بينما أغرقُ في بحرٍ من الألم والجنون!
كل ما أردته في هذه اللحظة كانَ شيئاً بسيطاً.. وهو أن ينتهي هذا، أن يتوقف العذاب!
شعرتُ بيدهِ ترتخي قليلاً، أو ربما كان ذلك وهماً مني؟!
لا أعلم حقاً أيهما الحقيقي!
هل الدماء على الجدران حقيقية؟!
هل ابتلاع المكان لنفسه حقيقي؟!
هل تلاشي المكان حقيقي!
لماذا الألوان تَبهَت،
لماذا الصور تتشوش،
لماذا الأصوات تبتعدُ شيئاً فشيئاً!
غرقتُ في ظلامٍ دامس ممزوجٍ بِالحُمرة، لكن حتى في هذا الظلام الغريب – بَقيَ الألم متوهجاً، وكأني سأحمل هذا العبء إلى الأبد!
---------------
* هذا الصوت.. مجدداً *
أسمع..
هديرُ ماءٍ يتغلغل في أذني، ويتحرك تحتي بتموجاتٍ باردة خفيفة..
* هل عُدت؟! *
فتحتُ عينيَّ ببطء شديد، ولم يكن الأمرُ شاقاً هذه المرة، لأجد نفسي مستلقياً على سطح محيط اللامكان، حيثُ ذراعاي وساقاي ممدودتان كفراشةٍ بلا أجنحة.
نظرتُ إلى الأفق الممتد فوقي، ورأيتُ تلك النجوم تحدق بي بصرامتها المعتادة. حدقتُ فيها طويلاً دون حراكٍ أو رمشة عين، ثم ضحكتُ بهستيرية، بينما أضعُ يدي اليُسرى على وجهي كي أخفي بها استيائي من عودتي إلى هنا.
ما خفف عني شيئاً من هذا الاستياء، هو أن كل ما حولي بدا ساكناً لطيفاً؛
الجوُّ غيرَ خانقٍ رغم ظُلمَتِه،
النجومُ تراقبُ بصمتٍ لا تهديد فيه،
جسدي هادئٌ مُستكين،
ملامحي كما أعتدتُ عليها،
والأهم والأغرب، أن المحيط تحتي لم يكن دماء، وهذا وحدَهُ بعثَ شيئاً من الطمأنينة في أعماقي.
نهضتُ، وقعدتُ بصعوبة بفعل الثياب التي تشدُّ على مفاصلي وتقيّد حركتي. ألقيتُ نظرة على ما أرتديه، وما زاد ريبتي وحيرتي أني رأيتُ نفسي فيه من قبل، لكنني لا أتذكر أين؟!..
كان زياً غريباً من قطعة واحدة من الجلد الأسود الخالص، ذا أكمامٍ طويلة، تخترِقُ صدره، ظهره، مرفقيه وركبتيه دوائرُ بيضاء، تتشَعَّبُ منها خيوطٌ رفيعة على كامل الزي بنسقٍ يثير الرعب.
أغمضتُ عينيَّ قليلاً، ورفعتُ حاجبي الأيسرَ مُفكراً:
* لماذا أرتدي هذا؟!، وأين ارتديته من قبل؟! *
*- هآ..
يبدو أن اللامكان يُحَضِّرُني لموجة جديدة من اللقطات المزعجة..
لا!
ليست مجرد لقطاتٍ مزعجة، بل هي الحقيقة، ويجب عليّ تقبُّلها مهما كانت؛ فهي تعود لي، وهي ملكي وحدي، بحقيقَتِها ووهمها، بسُكونِها وصَخَبِها، بِكُلِّ ما كان ولم يَكُن!.
قمتُ من مكاني، وانتصبتُ بشموخٍ ووقار – لأنني أيقنتُ أخيراً، بأنني أنا حاكم هذا اللامكان السرمدي، أو لأكونَ أدقَّ وأكثرَ وضوحاً..
هذا اللاوعي
خطوتُ إلى الأمام ببطءٍ وسيطرةٍ طاغية نحو الخط الأحمر المُنساب بوقاحة أمامي، أرمي بأطراف نظري على أرجاء هذا اللاوعي باستصغار، منتظراً منهُ أن يُسدلَ الستار على هذه المسرحية المُبتذلة ويُلقي إليّ بالحقيقة كاملة.
كان الخطُّ الأحمرُ شلالاً مُشِعاً يتوهجُ أمام عينيّ. اقتربتُ منه، ووقفتُ قُبالتَه، رافعاً رأسي بلهفة؛ كي أرى مصدرَ هذا التدفق الضئيل إن كان كما خمّنتُ سابقاً:
أمِن قمَّةِ جبلٍ أم مِن شلال؟!
العجيبُ أنه كان ينسابُ من العدم، يتدفقُ في خطٍّ مستقيمٍ لا نهائي، والمدهشُ حقاً أنه لا يلوثُ المحيطَ تحتي بلونه القاني، كما هو المعتاد.
راقبتهُ بتمعُّن، وكأنني أرى بين مياهه زر تشغيلٍ يكشف كل ما أريد مَعلَمَتِه.
تساءلتُ في خلدي بحيرةٍ عميقة:
* هل لو ضغطتُ على هذا الزر – ستظهر تلك المكعبات؟! *
كنتُ متردداً قليلاً، وقد تسلل شيءٌ من الخوف إلى أعماقي. أفكاري هذه المرة لم تَزورُني لِتحذِرَني كما المعتاد، بل بدا كل شيء هنا وكأنه يقف إلى جانبي، ويَحُثُّني على المضي قدماً لكشف الحقيقة التي حاولوا جاهدين حجبها عني. وهذا وحده كان كافياً لِيدفَعَني لخَوضِ ما لستُ مستعداً له حتى الآن.
مددتُ يدي اليسرى لأُلامِسَ هذا الشلال، في حركةٍ بطيئة متوترة، تستأذنُ اللاوعي قبل أن تلمس تدفقه.
ويا ليت استئذاني قُوبِلَ بالرفض!
فعلى حين غرة، داهمتني مياهه الحمراء، وطَوَّقَت جسدي بالكامل، وشلّت حركتي بصلابةٍ لا تُقاوَم.
تحولت إلى خيوطٍ رفيعةٍ دقيقة، انكمشت فجأة لتعصر جسدي وتأسرني بداخلها، في انتظار مجيئه!
حيث جلجل المكان واهتز كزلزال، وتعالت من الآفاق البعيدة زمجرةٌ غاضبةٌ حارقة:
¶ أتجرؤ – أن تلمسني! يا للقرف!
كيف لك بيديك القذرتين – أن تُلطِّخ ما يجبُ أن يبقى طاهراً!
والأدهى من ذلك،
كيف لك الجرأة على الانتصاب بغرورٍ وكبرياءٍ بحضور عظمتي أيها النكرة!
أجبتُ برعشةٍ واضحة في نبرتي، وعيناي تكادان تنفجران من الهلع الفظيع الذي يكادُ يَقطَع أحبالي الصوتية:
*- مـ.. من.. أنت؟!
اللاوعي بزمجرة:
¶ أنا أنت – الجزء المفقود، الجزء الذي تمنيت معرفته، لكنك تتجنبه دائماً بوعيك الأحمق!
*- هآ!..
قهقه اللاوعي بسخريةٍ لاذعة، وأردفَ بهمسٍ مُستخف:
*= ألم تستوعب بعد؟
أنا من يبقيكَ شامخاً بزيفٍ هكذا رغم ارتعاشِ أناملك!
وأنا من يسمحِ لك بالتعامل مع كل ما تحب ومن تحب بخداعٍ مطلق، وكأنك ترتدي قناعاً مثالياً!
وأنا من يسمح لك..
بأن تتذكر ما تريده بلهفةٍ ونفاذِ صبر، لكن وعيك هو من يرفض ذلك بحماقة!
صَرخَتُهُ تشبه بطريقة ما كلام أحدهم، لكن.. لا أعلم من هو!، لا أستطيع أن أركز سوى على الألم الذي يسري في دمي!
*- هآ..
أظلمت عيناي، وبنبرةٍ خافتة مبحوحة تمتمت:
*- هل تلومني على أمرٍ لم يكن لي خيارٌ فيه؟!
اللاوعي بزئيرٍ عميقٍ وعالٍ:
¶ لا تكذب! كان لديك خيار، دائماً هناك خيار؛ لكنك اخترت..
طريق العناد الأعمى
الطريق الذي أوصلنا إلى هنا!
*- حسناً.. وماذا تريد مني الآن؟!، ما المطلوب؟!
---------------
صمت اللاوعي، متعجباً من جوابي الهادئ، وصمودي الصارمِ أمامه، وعدم خشيتي منه رغم وقوفي في كيانه أموتُ ببطءٍ بين خيوطه.
نطقَ ببرودٍ أُقشعرُّ له بدني، وتطايرت له أمواج المحيط متلاطمة ببعضها كالنحيب:
¶ يا نكرة!
أريد منك أن تتذكر من هم!
أريد منك أن تتذكر ما فُعِلَ بك!
أريد منك أن تتذكر ما الذي يجب أن تسعى إليه!
أريد منك أن تستعيد هويتك الناقصة!
وإلا..
ستعيش دوماً بلا اسم، بلا هوية، وبلا روح!
في تلك اللحظة، شعرتُ بثقلِ كلِّ شيء يضغطُ عليّ، ويصرخُ في وجهي مطالباً إياي بالاعتراف!
اعتراف ماذا.. لا أعلم!
بسرعة البرق انطلقت سلاسل حديدية من البركة أسفلي، واخترقت قدميّ بزوابعها لِتشُدَّني إلى القاع!.
لكنها لم تقدر على تحريكي ولو لشعرة؛ فالخيوط تأبى أن تعطيها إياي، مما زاد من غليان دمي، لوشك جسدي أن ينفصل إلى جزأين، ويتمزق إلى أشلاء!.
الهواءُ أصبحَ خانقاً ويلتفُ حول عنقي كحبلِ مشنقة، والشلال الأحمر القاني لم يكُن مُجردَ زينة أو مصدر المحيط، بل كان بمثابة تذكيرٍ دائمٍ لي – بالدماء التي سُفِكت لأجل أن ترتوي بدمي!
أريد الهرب من هنا!
لكني لا أقدر!
فهنا.. لا يوجد مهرب!
فأنا عالقٌ في أعماق ذاتي!
بدأت ملامحي تتراخى، وتنذر بالعد التنازلي نحو نهايتي، بينما عيناي تفضحانِ هلعاً صامتاً لا يُرى!.
حاولت التماسك، كي لا يكتشف هذا الكيان ضعفي؛ ذلك الضعف الذي ظل مكبوتاً فيه طويلاً، والذي يمكنه استغلاله ضدي في أي لحظة، ضعف – يختبئُ فيه حقيقتي التي بلا اسم، بلا هوية، وبلا روح!
من.. أنا؟!
اللاوعي بنبرة استهزاءٍ باردة:
¶ تسأل من أنت؟!
أنت لا شيء!
مجرد نكرة وعدم غارقة في ظلامٍ دامسٍ يبتلع النور!
نكرة؟!
عدم؟!
وما الفرق..
¶ تجهد نفسك بأسئلة لا جوابَ لها، دون أن تدرك أنني أنا من يملي عليك هذه الأسئلة لعلك تتذكر طرفَ خيطٍ ما، أنت، ووعيك الجبان!
*- ها..
¶ ألم تدرك بعد أن ما تفكر به، وما تشعر به، مني؟
فأنت، مجرد دمية أحركها على مسرحي متى شئت وكيفما أشاء!
اتسعت عيناي حتى كادتا تخرجان من محجريهما من شدة الرعب؛ إذ أدركت الحقيقة الآن، بينما بدأ بطني يتمزق عن حوضي، وذراعاي تنفصلان عن كتفيّ، أن اللاوعي هو المُتحكمُ المُطلَقِ بي، وأن كل محاولاتي السابقة للمقاومة لم تكن سوى.. وهم!.
وأني.. مجرد أسير في سجن أفكاري التي تعبث بي كما يحلو لها!
شعرتُ بلذة المتعة التي تنبثقُ منه بفعل تعذيبي، حتى وإن لم أكن أراه؛ فقررت أن أُحبِطَ مُتعتَهُ هذه بانتصارٍ واحدٍ فقط، وهو الاستسلام لمطلبه والقبول بالمضي قدماً للتذكر.
ولكن يا لحماقتي حقاً!
فهذا التفكير هو الذي يأمرني أن أفكر به أساساً!..
¶ انتصارٌ واحد؟ هل تتيَقَّن بأنك يمكنك الصمود والمواجهة، وأنت عاجز عن المواجهة حتى بأنفاسك أيها النكرة!
امتلأ المكان بصراخاتي من شدة التمزق،
وتحولت نبرته الباردة إلى زمجرة ساحقة:
¶ وقبل قليل صَرَّحتَ بوقاحةٍ لي بأنك لم يكن لديك خيار!
خيارٌ لماذا؟! لمواجهتك المعدومة في رَدعِهِم!
*- آععع!!!
¶ فاسمح لي أيها العدم!
أن أكونَ خيارك الوحيد للتقدم
فأنا وحدي معك، في أعماقك التي تخشى أن يكشفها أحد،
أتحكم بكل نبضة في قلبك،
بكل فكرة في رأسك،
بكل حركة في جسدك!
أنتَ مِلكي وحدي، مملوكي!
*- هآه..
* مِلكُه.. أنا.. مِلكُه! *
انهارت مقاومتي تماماً، وانهمرت دموعي لتنافسَ تدفق الشلال الأحمر، وبهذا انتصرتُ أخيراً على شيءٍ واحدٍ هنا.
تحررتُ من الخيوط والسلاسل، ليعودَ كلٌّ منها إلى مخبئه المظلم؛ فسقطتُ أنا وأشلائي المُمَزَّقة بصوتٍ مدوٍّ تردد صداه في أرجاء اللاوعي، فوق سطح البركة.
هذا ليس عدلاً.. لماذا أنا؟!
لماذا يجب عليّ أنا أن أستسلم لكلِّ ما حولي؟!
حتى أني الآن، ورغماً عني، سأستسلم لذاتي التي كان من المفترض أن تكون لي مأمناً وملاذاً!..
أنا.. فقط..
لم أكن يوماً أطيقُ المواجهة، لا أعلم لماذا، ربما لأن الاستسلام كان دائماً الخيار.. الأسهل!
انكساري له جعله يَرْأَفُ بي، لِيُعيدَ تلئيمَ ما تمزق من جسدي كما لو وُلدت من جديد.
تأملتُ إعادة تكويني بذعرٍ جَمَّدَ أنفاسي؛ حيث اللحم المُمزق يلتصقُ ببعضه بصوتٍ يُشبهُ تمزيق القماش المُبلل، العظام تتداخل وتستقر في أماكنها بثقلٍ موجِع، والعروق تَمُدُّ خيوطها الحمراء الداكنة، لتنسج شبكتها ببطءٍ يحرق الأعصاب، ثم تتشابك وتلتف فوق العظام واللحم المُتراص؛ فيأخذ الجلد يتكون ويلتحم فوقهما، ليعود الجسد متماسكاً كما كان من قبل!.
انتابتني رجفة عميقة حينما شعرتُ بعودة النبض في قلبي بالتدريج، خافتاً ثم قوياً ومتسارعاً، وكأن الحياة تُحقن في جسدي بالقوة!.
تعالى صوتُه بلذةِ انتصارهِ وسعادة مقززة لا تُطاق:
¶ هذه ليست المتعة الحقيقية بعد! بل الآن ستبدأ، مملوكي!
ضحك ضحكة مكتومة، وكأنه يُعِدّ أمراً لن أتحمل رؤيته، ثمَّ أضافَ بنبرة متلذذة:
¶ ولكن قبل أن نبدأ، دعني أريك شيئاً.. شيئاً ممتعاً للغاية – ذكرى صغيرة، لكنها تحمل الكثير من الألم.. والكثير من المعاناة – ذكرى..
طفولتك التعيسة!
أجبت بنبرة غير مبالية، بينما أضُمُّ جسدي إلى بعضه؛ كي أتأكد من أنه التأمَ بالكامل ولن ينفصل ثانية:
*- حسناً..
بدأ اللامكان يتهيأ لاستحضار الذكرى، إذ انبَعَثَ ضبابٌ كثيفٌ من العدم ليملأ الفراغ، كالدخان الذي يسبق العرض المسرحي،
¶ إذاً، هيا لنُرِه ما يخشى تَعَرُّفَه!
في المطبخ الأبيض الذي عَجَزَ لسانه عن تحديد لونه، رغم قدرته على وصف فخامته ودقته المعمارية!
تراخى فكِّي بصدمة بالغة، وارتفع حاجباي دهشةً وذعر. حاولت أن أنهضَ لأهرب؛ فكلامه هذا.. يعني أنه يريد أن يكشف لي تلك اللقطة للأشخاص الثلاثة!
¶ أحسنت!
تلك اللقطة التي حاولت اكتشافَ خفاياها، وكلامها المُتقطِّع، أتذكر؟
ارتطمَ بظهري صدىً هائل، انقضَّ
من الأفق فوقي، فأجبرني على الانبطاح أرضاً،
¶ لا تُجبرني على وصفك دائماً بالأحمق أيها النكرة!
فهل تظنُّ حقاً أن هذا الهرب سيحميك؟
ابتسمت بضَعفٍ مُغيظ:
*- ربما!
ترددت صرخاتي من جديد في أرجاء اللاوعي، بفعل ازديادِ ضغط الصدى على ظهري.
¶ مملوكي، الحقيقة ليست ظلاً يختفي، بل هي سكينٌ يلاحقكَ في ظلامي الدامس!
حاولتُ الحفاظ على هدوئي، لكن الأمر لا يُجدي معه الهدوء وحده!، أريد الاستيقاظ.. متى سأستيقظ؟! – أليس ما يجري هنا.. أكثر مما يُحتمل!
¶ ستستيقظ قربباً، وستجِدُ نفسكَ وحيداً، عاجزاً، ومحاطاً باليأس!
----------------
¿! بدأ اللاوعي بعرض الذكرى ¡?
في البداية، لَمَعَ وميضٌ خفيف، فاتَّضَحَت الصورة تدريجياً بضوئه.
كان الأمرُ ما يزال طبيعياً؛ إذ رأيتُ نفسي طفلاً صغيراً في الخامسة من عمره، يعودُ بهرولة سريعة وملامح سعيدة من فناء منزله الخلفي نحو المطبخ.
* لم أتوقع أن أرى نفسي سعيداً بصدق.. *
في يدي وردة بيضاء ناصعة، تذكرني.. بتلك الوردة التي رسمتها، ووعدتُ أمي بأن أهديها إياها عندما تزهر.
فتحتُ باب الفناء بقبضتي الصغيرة، بابتسامة تشِعُّ كأشعة الشمس الصيفية في السماء، متحمساً بقوة لأرى ردة فعلها حينما أفي بوعدي لها وأُهديها إياها؛ لكني بقيتُ مكاني على عتبة الباب، متجمداً مذهولاً، حيثُ تراخت يدي الصغيرة عن مقبض الباب، تاركاً له حرية السير لوحده حتى انفتح بالكامل بصريرٍ متأرجح؛ وأثناء ذلك، تَسَنَّى لأشعة الشمس أن تُلقيَ بنورها رويداً رويداً على لون المطبخ الجديد، اللون الأحمر الدافئ الحيوي.
المكان بأسره بات يَعِجُّ بالأحمر كأن الستارة قد سَدَلَتْ قبل أن تبدأ المسرحية حتى!
*- هآه.. تـ.. توقف!
رأيتُ دمَ أمي يَلونُ كُلَّ ما يَقَعُ عليه بصري؛ الجدران، النوافذ، الرخام، الأرضية.. وعيناي!
رأيتها، ملقاة على الأرض، ساكنة بلا حراك، ملامحها شاحبة، عيناها تمزقتا من كثرة الصراخ المكتوم الذي يستغيث طلباً للمساعدة!.
فمها، يداها وقدماها مقيدتانِ بسلكٍ أسود، بدت آثاره تَنقَشُ على جلدها الرقيق من قوة شدِّهِ عليه!.
*- هآه..
وبجوارها – ثلاثةُ أشخاص يكتسحونها بظلالهم، بابتساماتٍ تَدُلُّ على الراحة التي كسبوها بعد أن تخلصوا منها؛ كما لو كان وجودها الخفيف يُعيقُ وصولهم إلى شرٍّ لا يرحم!.
كانَ يقفُ عند قدميها رجلٌ وامرأة؛ هيئة الرجل بدت مألوفة لي، لكن لم تتضح ملامحه بعد لأكتشف من هو. أما المرأة، فلم أتمكن من مَعلَمَة من هي؛ فأنا لا أتذكر رؤية امرأة بهذه الملامح أبداً. غير أنني أعلمُ تماماً من التي سأقتلها بعد أن أستيقظ، وإن كانت في أعماق الأرض أو المجرة، فسأجِدُها!.
وفوقَ رأسها المتراخي، يقفُ.. إياس!.. بينما يَرمُقُ جثتها بنظرات تعالٍ واحتقار!
*- هآه!!!
صرختُ لأقاوم بثورةٍ عارمة الصدى الحارق على ظهري، حتى دفعته عالياً وهو يحاول أن يُطيحُني أرضاً بعنف. تمزق الزي الذي أرتديه، وأصبح ظهري يلامس برودة هواء اللامكان ولهيب الصدى الذي أذاب جلدي. أمر اللاوعي الصدى أن يتلاشى، وفور اختفائه متحولاً إلى ذرات غبارٍ ناعمة، رميتُ جسدي مسرعاً نحو أمي، رغم أن ظهري ينبضُ بألمٍ لا يُطاق – إلا أن هذا لا يَهُم؛ فكل ما يَهُم هنا هو أن أُنقِذَها!
غير أن هذا بلا جدوى، فأنا مجرد شاهد على أعتاب هذا المسرح!
فكلما اقتربت منها، أجد مكانها قد تغير وأصبح بعيداً!
اقترب أكثر، تبتعد أكثر!
اقترب، تبتعد، واقترب؛ فتبتعد!
*- هآه!!!
صرختُ بهيجانٍ جنوني، وخطواتي تتعثر على أمواج المحيط الممزوجة بدموعي المُرَّة:
*- أيها الوغد!، أبعد نظراتك القذرة عن أمي!
أمييي!
خرجت مني عبارات موجِعة مُتكسِّرة:
*- أيها اللاوعي، لماذا عندما تبتعد، تُبقيهم بقربها، وأنا.. تجعَلُني بعيداً عنها!
لماذااا!!!
لكن اعتراضي ونحيبي بلا قيمة؛ فلا أحد يستجيب لي، لا أحد يسمعني!
أنا.. وحدي، عاجز، محاطٌ باليأس!
رفعتُ ذراعيّ، أحرك كفي على مرمى رؤية جثة أمي؛ لعلّي أُمسِكَها وأُنقِذها من مكاني!،
*- أمي..
هرولتُ نحوها بتعثر:
*- استيقظي!، أرجوكِ استيقظي!، أنا أعلم أنكِ ستنهضين الآن..
وستعالجينَ الهلع الذي ينهشُ قلبي،
وتمسحينَ الدموع التي تَحرقُ وجنتيّ..
اقتربت الصورة أكثر على وجهها، لأُلاحِظ أن عيناها مغمضتانِ بإحكام، وأنها لا ترمشُ أبداً!
*- أمي..
ما بالكِ نائمة إلى الآن؟!
لماذا لا تجيبين علي؟!
لماذا لا تَحتَضِنيني؟!
نظرتُ إلى الوردة بيضاء المصبوغة بدمها، والتي ظهرت من العدم بين يديّ:
*- أمي.. لا تبتعدي!، انظري!
رفعتُ يديّ لأريها بأَني لم أُخلِف بوعدي لها:
*- أرأيتِ!
أحضرتُ لكِ الوردة بيضاء، كما وعدتكِ!
لكن.. يدي ترتجف، والوردة ذابلة، وليست بيضاء بل حمراء..
هآه!!!..
تبخرت الوردة من بين يديّ كما لو كانت مجرد وهم،
*- أمي.. هل ستسامحينَني لأني أخلَفت بوعدي لكِ، وأحضرتُها لكِ حمراء وليست بيضاء؟!
نظرتُ إلى انعكاس وجهي الوجل على البركة أسفلي،
*- لكنكِ.. وعدتِني بأنكِ لن تتركيني البتة.. فلماذا تبتعدين كلما حاولت الاقتراب منكِ؟! هل تكرهينني لأني أخلَفتُ بوعدي لك؟!
أنا آسف، حسناً؟!
ها؟!
أين أمي؟!
لم تعد هنا! – اختفت تماماً!
---------------
اختفت من هنا!
لم تعد موجودة!
أصبحتُ أجري كالمجنون، أبحث عنها في ظلامٍ حالك لا يوجد فيه سوى خيبات أملي وخذلاني!
*- أمييي!
أنا خائف..
خائف من الوحدة،
خائف من الظلام،
خائفٌ من نفسي!
امتدت السلاسل من البركة وأعاقت تقدمي؛ فأسقطتني أرضاً بعنف حتى غاص جسدي لثوانٍ معدودة داخل بركة الدماء، ثم عادَ يطفو على سطحها من جديد. تقاطبت حاجباي بأقصى درجات العجز والأسى، وتقلصت ملامحي من شدة الألم.
حاولت النهوض بعزمٍ واهن، لكنها انقضت على قدميّ حتى اخترقتهما، لكي تتأكد من إيقافي عن البحث.. غير أني لم أكترث!
لم أكترث بها!
لم أكترث لصراخاتي الممزوجة بالنحيب!
لم أكترث لشحوب وجهي!
لم أكترث لارتعاشِ أطرافي من شدة الذعر والوجل!
فشرعتُ في الزحف بِكُلِّ ما أوتيت من ضعف، متجاهلاً ألم تمزق قدميّ وانفصالها عن ساقي!
*- أمي..
أنتِ كنتِ دائماً قوتي، أنتِ كنتِ دائماً ملجأي.
أجيبيني!
من الذي سيحميني الآن؟!
من الذي سيحميني من هذه السلاسل؟!
من الذي سيحميني من اللاوعي؟!
من الذي سيحميني من الواقع؟!
من الذي سيحميني من الأرض؟!
من الذي سيحميني من المجرة؟!
ومن سيحميني من.. نفسي!
انفجرت حنجرتي من صراخ الألم الصادر عن انفصال قدميّ. أدرتُ رأسي بحركة خاطفة للوراء، لأجدَ السلاسل تنهَشُ قدميّ وتفتتهما إلى أشلاء صغيرة.
ضحكتُ بهستيرية، لأنها انشغلت عني أخيراً!
واصلتُ الزحف بأقصى ما أستطيع، أَمُدُّ ذراعي بيأس وأشد جسدي بمشقة للأمام
*- أمي، أين أنتِ؟!
لا تقلقي.. فسأجدك!
فقط..
اسمعيني كلمة واحدة من صوتكِ لأعلمَ مكانك،
أريني نظرة واحدة لألتقط ضياء بصرك،
فاجئيني بلمسة واحدة على ظهري تطلبين فيها احتضاني..
هذا كل ما أريده فقط!
أرجوكِ..
لا تتركيني هكذا،
لا تتركيني وراءكِ أموتُ وأنا حي!
أمي..
هآه..
أمي، أين أنتِ؟!
الـ.. الـنجدة!
---------------
استنفدتُ كلِّ طاقتي في الصراخ، فباتَ صوتي معدوماً وأشبهَ بأنينٍ مكتوم، يُعبر عن حزنٍ عميق لا يمكن وَصْفه.
لكن سرعان ما تَبَدَّلَ هذا الحزن إلى ابتسامة مُشفِقة ارتسمت على شفتيّ؛ فقد عادت!
عادت أمي!
رأيتُها تستلقي أمامي، إلّا أن المشهد تحول فجأة إلى..
وجوههم السوداء المبتسمة،
نظراتهم الخالية من أَيِّ رحمة،
أيديهم وثيابهم الْمُلَطَّخة بدمها الطاهر!
همستُ بصوتٍ جاف يملؤه الهلع والرجاء:
*- تـ.. توقف.. أ.. أرجوك!
أغمضتُ عينيّ حتى ارتجفَ جفناي، وسددتُ أذنيّ بيديَّ حتى ارتعشتا، لكن بلا فائدة تُذكر؛ فالصور والأصوات تقتحمُ وعيي بعنف، وتُرغِمُني على المشاهدة والاستماع!
أرى أطفالاً كثيرين، يرتدون الزيَ ذاته الذي أرتديه، بملامح مرعبة، كما لو أن براءة الطفولة قد مُسحت من وجوههم..
*- هآه..
أسمع أوامر، تهديدات وكلماتٍ قاسية تتردد في رأسي كصدىً مُزلزل!
لكنها ليست جزءاً من هذا المشهد!
فإلى أيِّ مشهد ينتمي هذا الذعر الجديد؟!
¶ هيا!
لا تقل لي أنكَ لا تدري بأنَّ هناك مشاهدَ أخرى تنتظرك غيرَ مشهدِ مَقتَلِ أمك؟!
*- هآه؟!!!..
انتقل المشهد بومضةٍ خاطفة إلى وجه الرجل الذي كان معهما، وكما استنتجتُ تماماً من قبل، علمتُ هويته القذرة، والتي سأمسَحُها قريباً أيضاً!.
التفتَ إلى ذاتي الصغيرة المُرْتَجِفَة عند الباب؛ فرأيتُ شبهاً لوجهي في ملامحه المُشَوَّهة، المغمورة بالشر والخُبث، بنظرةٍ متوحشة تأجَّجَت في عينيه، والتي كانت كافية لتجعل الدم يتجمد فوراً في عروقي، ويَشُلُّ أطرافي!.
تقدمَ نحوي بخطواتٍ ثقيلة مُثقلة بالشر المستحكم، وكأن الموت نفسه يتربصُ بي ويدبّ إليّ. كانت عيناهُ تشتعلان بنارٍ سوداء من الغضب والارتياح، ووجهه متصلبٌ كالصخر، خالٍ من أي ذرة رحمة؛ ليقول لي بنبرةٍ هادئة باردة كالجليد لم أشهد لها مثيلاً من قبل:
= كنتُ أبحثُ عنك!
لم أستطع الحركة، كنتُ متجمداً في مكاني، مُسمراً بالأرض من شدة الرعب، ليس منهم، بل من هول رؤيتي لدمها الذي أدخل عقلي في حالة من الاضطراب والجمود!؛ فلم أكن أتوقع أن أبي..
أبي الذي أحبَبتُه ووثقت به..
قد يَقتُلُها!
أمسكَ بي من ملابسي الصغيرة بقبضةٍ حديدية تَسحَقُ عظامي الضعيفة شيئاً فشيئاً. حاولتُ مقاومة قبضته بإبعادها بكلتا يديّ الصغيرتين، لكن هذا زاد من غضبه، مما دَفَعَهُ ليرفَعَني عالياً عن الأرض بلا جُهدٍ يُذكَر، ورماني بِكُلِّ قوته على الحائط.
تطايرت الوردة من يديّ، وسقطت تتأرجح في الهواء، لتستقرَّ بقربِ أمي.
اعترى وجهي وجعٌ لا يحتملهُ جسدي الصغير، انبعثَ نابضاً من أسفل ظهري، ورافقه ألمٌ حادٌ وفظيع، مع صوتِ تكسرٍ رنّ في عقلي!.
هويتُ على الأرض بصوتٍ مكتوم لصغر جسدي وخِفَّتِه، فاقداً الوعي للحظات.
« ❀ أحبك، صغيري! »
---------------
عندما استعدتُ وعيي، سمعت ذلك الحديث الذي سمعته من قبل يدور بينهما ليبدو اكثر منطقياً لي الان،
أبي:
كل ما عليك هو أن تعتني بهذه الفوضى هنا!
شقيقة إياس:
رغم أنه فريد.. فأنا حقاً لا أعلم ما سبب رفضها الذي استوجبَ قتلها!
إياس:
لأن جسده ضعيف؛ فلا يقدر على تَحمُّلِ كَمِّ تلك التجارب عليه
شقيقة إياس:
هه، يا لهذا الكويكب الممل!
أبي:
هل ستجرب عليه الكوازار الجديد؟
إياس:
مازال تحت التجربة، لذا لربما لن ينجح عليه
شقيقة إياس:
يمكنك التجربة على أَيٍّ من الكويكبات التي تريدها، قبل أن تجربَ عليه
اقترب إياس مني، وبدأ يتفحص ظهري بعناية وتركيز؛ فقد امتلأت الأرض تحت جسدي المُتهالك ببركة دمٍ دافئ.
تَفوَّهَ إياس بنبرةٍ خافتة ممزوجة بالاستهانة:
أرأيتِ كم هو هشٌ هذا الكويكب؟!؛
فيبدو لي أنَّ أحد عظام ظهره السفلية قد كُسِرَت، وعلى الأرجح بأنه سيحتاج إلى دعامة تُثبَّتُ له لبقية حياته؛ وإلا سيُصاب بآلامٍ مُزمِنة في ظهره قد تؤدي إلى تشوهٍ هيكليٍّ في العمود الفقري، أو سيتطور الوضع بشكلٍ أسوأ ليصل إلى الشلل السفلي الكامل
أبي:
و؟
إياس:
لدي فكرة
أبي:
ما هي؟
تنهد إياس بعمق ونهض متوجهاً نحوهما ببطء:
لنأخذ برأي الحاكم الأسود ليبقى هنا على الأرض، حيث يتسنى له الاختلاط بالكويكبات الآخرين، ويسهل علينا مراقبته بعد إعطائه الكوازار؛
فإذا كان اصطدامه بالحائط قد لوّن المكان بدمه، فهذا يدل على مدى ضَعفِ بنيَتِه.
لذا، سيتيح لنا الوضع الجديد، الاعتناء به من حينٍ لآخر ومتابعة مفعول الكوازار ونتائجه عليه بشكلٍ أفضل وأدق من بقائه في المجرة
شقيقة إياس:
أهوى تخطيطك للمستقبل البعيد، شقيقي!
إياس:
إذاً، سأجعله الكويكب المُدلل الذي سيتذوق مذاق الكوازار الجديد!
أبي:
لا وقتَ لدي للمزيد من الكلام غير المهم.
أتفقنا على هذا، سأقوم الآن بتمويل كل أموال العمليات التي يحتاجها، لكن لا تتوقع مني أبداً أن أدفع فوق هذا المبلغ، ديناراً زائداً!
ارتفع رأسُ إياس بينما يقول بنبرة تساؤل مشحونة بكبرياءٍ مقيت:
وهل تظن بأنني أتوقعُ منكَ شيئاً كهذا؟
---------------
بعد هذا الحوار، رأيتُ الدماء تَنزِفُ من ظهري، وتتخالط مع دمِ أمي النقيِّ على الأرض.
الوردة بيضاء التي كنتُ أعتني بها أكثرَ من غيرها، وكنتُ أنتَظِرُها لتَزهَر بفارغ الصبر كي أهديها لأمي، سقطت بقربها، كوردة وداع تُوضع على القبور.
اللاوعي بنبرة متلذذة:
¶ انظر إليهم، ارفع رأسك!
اشتدت السلاسل على شعري ورفعتني عالياً،
¶ لماذا أنت مُلقى؟
أتخاف أن تراهم وهم يقتلون أمك، بينما أنت عاجز عن إنقاذِها واللِّحاقِ بها؟
حككتُ أسناني ببعضها، وأخذتُ أحاولُ يائساً إبعاد السلاسل الساخنة بيديّ، حتى لسَعَتهُما حرارتها الحارقة وتحولتا إلى اللون الأحمر اللامع.
توسلتُ إليه بصوتٍ بالكاد يُسمع:
*- توقف!
أرجوك!
سأفعل أي شيء!، فقط توقف!
ضحك اللاوعي حتى ملأت قهقهاتهُ الفراغ بأسره، وصَرَّحَ بكبرياءٍ مزلزل كادَ يحطم طبلة أذنيّ:
¶ أخيراً رأيتُ جُموحَ هذا الغرور المُصطنعِ يَخمَد!
والآن، أيقِن أنني أملِكُكَ بالكامل!
فأنت مِلكِي،
وإلى الأبد،
مملوكي!
تلاشت الذكرى، واختفى كُلُّ شيء.
تهاويتُ على الأرض، ولم يبقَ سوايَ أنا، وحدي، في هذا الظلام الحالك، منهاراً فوق بركة الدماء، أرتجفُ من الذعرِ والألم، مستسلماً لاستبداد اللاوعي، مدركاً تماماً أنني لا أستطيع الهرب منه البتة..
..
ولماذا الهرب؟!
أليس هذا أمراً جيداً؟!
بل وأكثرَ من مجردِ جيد؟!
ألا يسعني استغلال هذا لمصلحتي؟!
..
*- اجل!
نهضتُ بثقلٍ مُتأنٍ، وقعدتُ بجسدي المتراخي بعزمٍ جديد، ثم استدرتُ برأسي ربع استدارة، لتقدح شرارة لاسعة من عينيّ تُضيءُ حلكة اللاوعي.
ألقيتُ بصري بتمعنٍ في الشلال الأحمر المضيء، وأجبتُ بصوتٍ مبحوحٍ واثق:
*- وأنا أيضاً لا أطيقُ الانتظار لأن تتملكني؛ فحتى لو كنت أنت المتحكم وأنا الدمية التي تُحرِّكُها بخيوطِ العذابِ والمعاناة – فهذا يرضيني..
لأنك مجرد أداة لتحقيق طموحاتي، ومرآة لانعكاسِ رغباتي!
..
¶ أوه!
هكذا أردتُ رؤيتكَ تماماً؛
خاضِعاً،
طائِعاً،
ومُستَسلِماً لي!
أعلم يقيناً، أنني لستُ أداة طموحك، ولا مرآة رغباتك، فأنا مَنْ يَصُوغُهُما لكَ كما أشاءُ وأستمتع!
وإن كنتَ تراني عذاباً..
فهذا رائع!
لأنني سأجعلُ العَذابَ هو مَسكَنَكَ الوحيد!
بعدَ تصريحه المُهيمن، ابتلعني المحيط ليغرقني في أعماقه المجهولة.
أعماقه، هاوية سحيقة من الظلام، مملوءة بالدماء الحارقة كالزيت المغلي، تخترقُ مجرى تنفسي؛ فتذيبُ كل أعضائي الداخلية، وتُصهَرُ صلابتها تماماً.
لم يكُن هنا أَيُّ نورٍ عدا ومضاتٌ تُعَذِّبُ البصر، وصريرُ أصواتٍ يُدَمِّرُ جمجمتي.
كان كل رُعبٍ حولي يصرخُ بالموت والهلاك!
ذعراً، حركتُ جسدي بيأسٍ لأعوم، وساقي المنزوعة تُفرِغُ دماءً تختلِطُ بدوَّاماتِ المحيط الجارفة!
شعرتُ بيديّ ترتطمُ بأشباحٍ غير مرئية، بينما انقضت عليّ الخيوط الدقيقة من الأفق، لتلتهمَ جسدي وتَغْرِزُ في لحمه أسنانها الحادة بسرعة البرق، كأشواكٍ تُمَزِّقُ كُلَّ مَا تلمسه!
لكن..
لم يخفق قلبي بجنون، بل دقَّ بنبضاتٍ خافتة هادئة، حينما رأيتُ ابتسامة أمي ترتسم فوقي؛ بسكينة وطمأنينة تُسكِتُ الصَّخبَ كلَّهُ من حولي.
مدّت ذراعيها إليّ، ومن محياها انبعثَ نورٌ ساطع يَغمُرُ المكان؛ فارتسمت على شفتيّ ابتسامة عوضت عن صوتي الذائب، تحمل في طياتها كل امتناني...
لأنها جاءت لتأخذني معها!
---------------
انفجرت عينايَ بضوءٍ باهر، وأصوات الأجهزة تَنبُضُ بإيقاعٍ منتظم.
كنتُ مُلقىً على سرير المستشفى، غارقاً في عرقي، أتنفس بصعوبةٍ بالغة.
رائحة الدم وطَعْمُهُ، ما زالا عالقان في أنفي وفمي، وصوت الصرير يَتَرَدَّدُ في رأسي بصدىً محموم، يؤكد لي بأن ما مررتُ به كان واقعياً رغم تَفَوُّقُهُ على كُلَّ منطق!
ارتعشت أطرافي ببرود، لعجزي عن تمييز ما هو حقيقي وما هو وهم، لكن شيءٌ واحدٌ كنت أراه حقيقة إلى حد بَثِّ الرعب في روحي؛
حياتي، كانت مجرد وسيلة لإنشائِهِم!
حاولت تذكر ما حدث قبل إغمائي، لكن ذاكرتي لا تَخْطُرُ ببالها إلا مواجهتي مع اللاوعي..
≠ مساء الخير
صوتٌ هادئ صدرَ من اليسار، جهة النافذة؛ لم أكن بحاجة لألتفت وأرى من هو صاحِبُه، فقد أدركت فوراً أنه صوت ذلك المترصد،
≠ يبدو أنك لا تطيقُ النظرَ إليّ، أو.. أنك فهمت ما قصدته سابقاً؛ هذا إن لم يكن قد مَسحَ ذاكرتك مجدداً
سمعت نقيق صراصير الليل يمحو الصرير المتردد في أذني بنغمة ساكنة ومتناغمة، وكأنها تلحن معاً لحناً خلاباً يأسر المسامع.
رأيتُ عقارب الساعة تتحركُ ببطءٍ مريح في أرجاء الغرفة، والمروحة تدورُ بخفة، ينساب هواؤها أبرد من نسيم الليل.
كلُّ شيء هادئ ومريح، عدا وجوده وكلماته التي تُعَكِّرُ صَفوَ هذا المشهد كله.
استجمعتُ كل طاقتي وحبالي الصوتية لأخرج كلمة واحدة، وأجبته بصوتٍ يحمل إرهاقاً واضحاً في نبرتي:
- وَ؟
أمالَ رأسه لليمين، أدرك إرهاقي من نبرة صوتي، وأنني بالكاد أفَقت وأملك القوة لأي شيء.
اقترب بكرسيه أكثر، وألصقه بجانب السرير، ثم اقترب برأسه باتجاه رأسي ليتأكد من أنني لا أبذلُ مجهوداً غيرَ ضروري.
كان يتحدث معي بنبرة واضحة وسلسة، يخشى أن يزيد من تعبي بوجودِه:
≠ لا أريد أن أطيل الأمر عليك، هل تتذكر عندما قابلتك في غرفة عيادة إياس؟
- ربما
أجبته بفتور، لكن ردي لم يحبِطه، ولم يَدفَعه للصمت أو إنهاء الحديث؛ فيبدو أنه يُدرك مدى ضعفي الآن، ولهذا يسعى لاستغلال وضعي الحالي لصالحي؛ فكما يَنُصُّ قانون المجرة:
الضعف هو نقطة الانطلاق المثالية
صَمَتَ كلُّ شيءٍ من حولي عندما سألني هذا السؤال الغامض:
≠ أجبني – هل تعرفُني؟
بقيتُ صامتاً لثوانٍ معدودة، أحاول تَذكَّرَه، لكني بالكاد أستطيع التقاط أنفاسي.
تبادرَ إلى ذهني تلك المرات الثلاث التي قابَلْتُهُ فيها؛ مرة عندما ترصدني وتَعقَّبني من المستشفى، ومرة عندما اقتَحَمَ غرفة عيادة إياس، ومرة قبل أن يَنقَضَّ إياس على فكِّي..
شعورٌ بالإحباط سَيطَرَ عليّ، فأصغيتُ بعيونٍ نصف مُغلقة إلى إيقاع نقيق الصراصير وعقارب الساعة المُتسارع، هواء المروحة والنسيم الليل باتا ساخنين للغاية. أشعر بالخزيِ والعار يغمرانني؛ فكيف لي أن أُخدع ولا يخطر ببالي أي شك طوال كل هذه السنين رغم ذكائي و.. دهائي..
- هآ..
نسيتُ لوهلة من قوة العجز الذي اجتاحني، أن ذاكرتي كانت تُمسَحُ باستمرار، حتى وإن عَلِمتُ شيئاً لا قيمة له،
≠ أراهن بأنك الآن كنت تحاول استرجاع أين رأيتني،
لينتهي بك المطاف بالتفكير في ذاك السفاح وكيف خدعك!
تنهدتُ وقلت:
- وكيف لكَ أن تعلم ما أُفَكِّرُ فيه؟
= أنا لا أعلم، بل أُخَمِّنُ فحسب
- أختصر؛ من أنت؟!، ولماذا أنا بالذات؟!
= سؤالك خاطئ
أدرتُ رأسي نحوه ببطء، مستغرباً من جوابه، لكن سرعان ما تحولت ملامح الاستغراب إلى دهشة عميقة وتفاجؤٍ تام، وأنا أتأمل معالم وجهه المشبعة بحزنٍ يلامسُ الروح.
خلفَ هذه الملامح، هاوية عميقة من الهموم، ولا يُظهِرُ لي منها سوى سطحٍ هادئ ومتزن.
لفت انتباهي بشدة عيناه الناعستان، اللتان تشبهان تماماً عينيه؛ وبؤبؤاه السوداوان القاتمان، وطريقة توازنه الدقيق في كل حركة. متأكدٌ أنني رأيتها، بإياس!
سألتُهُ بترقب:
- ما الخطأ بسؤالي؟!
ضحكَ ضحكة مُقتَضَبَة، ثم خفض نظره نحو الأسفل وهو يُشَبِّكُ أصابِعهُ بإحكام:
= كيف لكَ أن تسأل اخاك لماذا اختارك انت بالذات؟
- هآ؟!..
سيرين