غريبة في غرفتي

غريبة في غرفتي

9 0

أجلس أحياناً في غرفتي، ألتفت حولي فأرى كل شيء مألوفاً؛ سريري، مكتبي، ملابسي المعلقة، كل شيء يشبهني ويحمل تفاصيلي.. إلا أنا.. في تلك اللحظة بالذات، أشعر أنني الكائن الأغرب وسط أشيائي.

​أنظر إلى نفسي في المرآة، أتأمل ملامحي التي أعرفها جيداً، لكنني لا أستطيع التعرف على الفتاة التي تقف خلف الزجاج. أتساءل بمرارة وبصوت داخلي:

"من هذه حقاً؟ وماذا تفعل هنا؟ وكيف وصلت إلى هذه النقطة من الضياع؟"

الشغف الذي كان يحركني، والأحلام الصغيرة التي كانت تملأ رأسي، قد انطفأت فجأة دون سبب واضح ودون سابق إنذار.

الأشياء التي كانت تسعدني في الماضي وتثير حماسي أصبحت باهتة.. عادية.. ومجرد عبء ثقيل.

​حتى تلك الخطط والأهداف التي كنت أرسمها لمستقبلي، تبخرت كلها دفعة واحدة، وحلت مكانها علامة استفهام ضخمة وثقيلة تلاحقني أينما التفتّ:

" ماذا أفعل الآن؟ "

​في هذه المرحلة، تصبح الغرفة هي العالم كله، والسرير هو المكان الوحيد الذي لا يطالبني بأجوبة. أجد نفسي أهرب إلى النوم.. ليس لأنني متعبة جسدياً، بل لأن النوم هو الهدنة الوحيدة المتاحة من التفكير المستمر والأسئلة التي لا تنتهي. أنام وأنا آملُ أن يستيقظ قلبي غداً وهو أفضل، لكنني أستيقظ لأجد نفس الثقل جاثماً فوق صدري.

​يتحول يومي إلى حلقة مفرغة ورتيبة.. أفتح عيني، أتأمل سقف الغرفة، وأقوم لتأدية واجباتي المدرسية أو اليومية بشكل آلي، كآلة بُرمجت على الحركة دون روح.

غابت تلك اللهفة القديمة على النجاح، وغاب الفرح بالأشياء الصغيرة، وأصبح كل ما يحيط بي رمادياً.

أنام متأخرة لأن عقلي يرفض أن يهدأ، وأستيقظ متعبة لأن الروح متعبة..

والأسوأ من هذا كله هو الشعور بالذنب الذي يرافقني طوال الوقت؛ الذنب لأني أضيع وقتي، والذنب لأني لا أعرف كيف أوقف هذا التدهور، والذنب لأني أصبحتُ شخصاً يجهل حتى ما يريد.

...

فتحتُ دفتري تلك الليلة، وكتبتُ سطراً واحداً:

"من أنا حقا؟"

أعرف أن ما أشعر به، ليس علامة على أنني شخص فاشل أو غريب أطوار. أعرف هذا.. ما يحدث لي هو أن روحي تمر بمرحلة بناء داخلية؛ مرحلة تشبه تماما هدم بيت قديم لم يعد يشبهني، دون أن يُبنى بيت جديد مكانه.

في هذا السن تحديدا، يبدأ العقل بطرح سؤال لم يجرؤ على طرحه من قبل: "من أنا حقا، بعيدا عما يريده أهلي والمجتمع مني؟". وهذا السؤال يخلق فراغا لا أستطيع ملأه.

أعرف أن هذا الفراغ.. نظريا، هو فجوة طبيعية بين البيت القديم والبيت الجديد. لكن معرفتي هذه لا تجعل الفجوة أقل برودة حين أعيش فيها كل ليلة.

· · ─────── ·📜· ─────── · ·

إلى الفتاة التي لا تعرف نفسها..

لا أملك لكِ حلا الليلة.. لا أملكه لنفسي أصلاً..

كل ما أستطيع قوله هو: "أنا أيضا لا أعرف من أنا.. وأنا أيضا أخاف من هذا الفراغ أكثر مما أتظاهر".

أعتقد أن رسالتي مستفزة.. صحيح..

لكن هذه هي الحقيقة.. لن أزيفها بتظاهري أنني أعرف الحلول..

حسنا..

..

لا بأس أن نبقى.. أنا وأنتِ، حائرتين معاً هذه الليلة.. دون أن نجبر أنفسنا على إيجاد إجابة لسؤال لم نفهمه أصلاً.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

من أنا حقا؟

المؤلف By_Kila
2026/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (5)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة