هل جربتِ يوماً.. أن تشعري بأن الكلمات لها وزن فيزيائي؟
ليس مجرد مجاز أدبي، بل وزن حقيقي، ثقيل، يربض فوق لساني ويمنعه من الحركة.
في هذه الفترة، أكتشف أن أشد الأمور إحباطاً ليس أن أكون بلا أفكار، بل أن يمتلئ رأسي حتى الانفجار، في حين يعجز لساني عن صياغة جملة.. واحدة.. بسيطة.. أخبر بها الآخرين عما يدور في داخلي.
لقد تحولت الكلمات في حنجرتي.. من وسيلة للتواصل.. إلى جدار صلب يفصلني عن العالم الخارجي.
تبدأ المشكلة في أبسط المواقف اليومية.. عندما يطرح أحدهم سؤالاً.. عادياً مثل:
"كيف كان يومكِ؟"
في عقلي.. أرى الإجابة واضحة، أرى تفاصيل ومشاعر وأشياء أريد مشاركتها..
لكن.. في اللحظة التي ينتظر فيها الجميع مني جواباً.. يصاب كل شيء بالشلل. يتلعثم صوتي، وتتداخل الحروف، وتخرج الكلمات مقتضبة، جافة، وباهتة:
"عادي، لا شيء جديد"
ينظرون إليّ لثوانٍ.. منتظرين أن أكمل، وعندما يرون صمتي، يُكملون حديثهم بدوني، فينهشني شعور داخلي بالندم:
"أنا.. لم أقصد أن أكون باردة، أنا.. فقط لم أعرف كيف أتحدث!".
في المدرسة، تأخذ هذه المعاناة بعداً آخر يعصر القلب. يجلس المرء في الفصل، يستمع بتركيز للأستاذ وهو يشرح درساً معقداً. يطرح الأستاذ سؤالاً يلتفت بسببه الجميع يميناً ويساراً بحيرة، بينما تكون الإجابة مشتعلة في عقلي. أعرف الحل، وأعرف الكلمات المناسبة تماماً لتفسيره.
في تلك الثواني القليلة، يخوض داخلي معركة طاحنة؛ يرتفع الأدرينالين.. يبدأ قلبي بالخفقان.. بسرعة جنونية تسمعها أذناي وحدهما.. أرفع يدي بتردد.. نصف رفعة، ثم أنزلها بسرعة.
أقول لنفسي الشكاكة:
"ماذا لو أخطأتِ في نطق كلمة؟ ماذا لو التفتت زميلاتكِ إليكِ وضحكن؟ ماذا لو بدا صوتكِ مهتزاً؟".
وبينما أنا غارقة في هذه الدوامة، ترفع فتاة أخرى يدها وتجيب بثقة، مستخدمة نفس الفكرة التي كانت في رأسي. ينظر الأستاذ إليها بإعجاب ويشجعها، بينما أنسحب أنا إلى مقعدي، وألوذ بصمت طاولتي، وأشعر بغصة مريرة في حلقي.
لستُ حاقدة عليها.. بل أنا غاضبة.. من نفسي لأن صمتي جعلني.. أبدو.. كشخص لا يفهم.. في حين أنني كنتُ أملك الإجابة كاملة.
...
" لماذا لا تتحدثين؟ "..
الأسوأ من الصمت نفسه، هو تعليقات الآخرين عليه. لا أحد يدرك.. كم هو مؤلم.. أن يلتفت إلي شخص وسط جمعٍ من الناس ويقول بنبرة شبه عاتبة أو ساخرة:
" لماذا لا تتحدثين؟ هل قطة أكلت لسانكِ؟".
في تلك اللحظة.. أتمنى لو أن الأرض تنشق وتبلعني.. يصبح صمتي محط أنظار الجميع، وأتحول إلى مشكلة.. يحاولون إصلاحها.. لا يفهمون أن هذا السؤال لا يدفعني للكلام، بل يدفعني للانكماش أكثر للداخل، يجعلونني أشعر بأنني مطالبة بتقديم تبريرات لكوني هادئة، وكأن العفوية والطلاقة في الكلام فرض على الجميع، ومن يعجز عنها فهو ناقص أو ضعيف الشخصية.
السبب الذي يجعل لساني يتجمد رغم أن عقلي مليء بالإجابات، له اسم علمي: ما يسميه علماء النفس "تأثير بقعة الضوء"؛ وهم يقنعني بأن كل عين في الغرفة مسلطة عليّ وحدي.
أعرف.. أن أغلب من حولي.. مشغولون بأفكارهم الخاصة.. ولا يملكون نصف الاهتمام الذي أتخيله موجها نحوي.. لكن معرفة هذا لا توقف قلبي عن الخفقان.. في كل مرة أُسأل فيها، أو حين أكون وسط تجمع.
الوعي بالسبب.. لم يفك بعد.. قبضة الخوف..
· · ─────── ·📜· ─────── · ·
إلى الفتاة التي يقتلها صمتها الآن..
أعلم ما تشعرين به وأنتِ تقرأين هذه المواقف؛ أعلم أنكِ عشتِ بعضها، أو ربما كلها اليوم.
أعلم كيف يؤلمكِ.. أن يُساء فهمكِ..
أعلم..
هذا لأنه يؤلمني أنا أيضا
لا أستطيع أن أعدكِ.. بأن الكلمات ستصبح أخف قريبا..
أنا.. نفسي.. ما زلت أنتظر ذلك اليوم
كل ما أملك من كلمات لقوله لكِ هو.. أنتِ لستِ عاجزة.. ولا أنا..
لا أعرف إن كان صمتكِ يخفي صوتا سيظهر يوماً.. أو إن كان
سيبقى صمتا إلى الأبد.. لا أملك يقينا كافيا.. لأعدكِ بأيٍ من الاثنين
كل ما أعرفه.. أنني.. الليلة.. ما زلتُ أنتظر معكِ.