من أصعب الأمور.. في هذه الفترة، ليس أنني لا أعرف من أنا.. بل أن يبدأ الآخرون في رسم صور مغلوطة عني وتصديقها، في حين أقف أنا عاجزة عن الدفاع عن نفسي.
أشعر وكأن هناك لوحاً زجاجياً سميكاً وعازلاً يحيط بي؛ أرى الناس من خلاله.. ويرونني، لكن.. لا أحد يملك القدرة على سماع صوت قلبي الحقيقي.
لأنني صامتة في أغلب الأوقات.. ولأنني لا أشارك في الأحاديث العابرة.. بدأ المحيطون بي يضعون لي تصنيفات جاهزة.
هناك.. من يفسر هدوئي بأنه "تكبر" أو "غرور"، يعتقدون أنني أتعالى عليهم أو أنني أرى نفسي أفضل منهم.. لا يعلمون أنني أرتجف داخلياً لمجرد فكرة البدء في التحية.
وهناك من يفسر قلة كلامي.. بأنها "ضعف شخصية" أو "فراغ".. يظنون أنني لا أملك رأياً أو أنني لا أفهم ما يدور حولي، بينما الحقيقة.. أن عقلي يُحلل كل كلمة، كل نبرة صوت، وكل حركة تصدر منهم بدقة مفرطة.
المؤلم في سوء الفهم هذا.. هو أنه يأتي أحياناً من الأشخاص الأقرب إلي.. عندما تلاحظ عائلتي انطوائي، وبدلاً من الاحتواء، أجد العتاب:
"لقد تغيرتِ، أصبحتِ جافة وقاسية، ولم تعودي تهتمين لأمرنا".
تنزل هذه الكلمات كالصاعقة على قلبي. أريد أن أصرخ وأخبرهم:
"أنا لستُ قاسية، لكنني أعيش حرباً بداخل نفسي لا أستطيع شرحها!".
لكنني.. كالعادة.. أبتلع غصتي وألوذ بالصمت، فيتأكد لديهم الظن الخاطئ بأنني غير مبالية.
بسبب هذه النظرات والتحليلات الجاهزة.. أجد نفسي أتساءل في نهاية كل يوم:
"لماذا يجب عليّ دائماً أن أثبت للناس أنني كذا وكذا؟ ولماذا يُفترض في الصامت سوء النية حتى يثبت العكس؟".
هذا جعلني تدريجياً أفضل الانسحاب. أقول لنفسي:
"ما داموا سيفهمونني خطأ في كل الحالات، فما الفائدة من المحاولة أساساً؟".
وهكذا، يتحول الصمت من مجرد فترة حيرة عادية، إلى درعٍ.. صِرتُ أحمي نفسي به.. من أحكام الآخرين الجارحة.
...
تعبتُ من المجهود الكبير الذي أبذله لأظهر "طبيعية" في عيونهم، وتعبتُ من نظرات الشفقة والانتقاد التي تلاحقني.
...
نحن البشر، بطبيعتنا، لا نطيق الغموض؛ حين يكون سلوكي الهادئ.. غير مفهوم لمن حولي، تميل عقولهم إلى ملء الفراغات بأسهل تفسير.. وغالبا ما يكون سلبا.
أعرف.. أن هذا ليس عيبا فيَّ.. بل طريقة دفاعية عند الآخرين.. حين يواجهون ما لا يفهمونه.
لكن.. معرفة هذا لا تمنع الوجع.. حين يقال لي.. أنني لا أبالي، بينما أنا أُجرح من الداخل.
· · ─────── ·📜· ─────── · ·
إلى الفتاة التي تتألم من سوء الفهم ..
لن أقول لكِ
"لا تكترثي لرأيهم"
لأنني.. أكترث.. كثيرا
أعتقد أنكِ لستِ مسؤولة عن طريقة تفسير الآخرين لصمتكِ وهدوئكِ، من يحبكِ بحق، سيتفهم صمتكِ ويشعر بكِ دون أن تحتاجي لتقديم تبرير.
كذب
هذا كذب، اعتدتُ أن أقوله لنفسي، ولم يتحقق يوما..
لا أحد سيفهمكِ دون كلمات.. لا أحد..
صدقيني
ما دمتِ لا تستطيعين الكلام.. لن تصححي الصورة التي أخذوها لكِ..
حسنا..
أنا و أنتِ.. خلف نفس الزجاج.