*حِينَ لَا يَبْقَى رَمَقٌ *
الفصل الخامس
ـ لا تقلقِ، اتبعيني إلي كل مكان أذهب إليه، سأعطيكِ كل ما تحلمين به، فقط أقبلِ إليّ.
هذا ما كانت تسمعه رمق وهي ترى والدها يشير إليها أن تذهب، تساقطت دموعها، تهمس بخفوت والدموع تملأ وجنتيها
ـ أبي! أبي! انتظرني.
أبيي!.
ـ رمق.
صراخ عالي باسمها، واندفاع سريع يدفعهما لطرف الطريق، وقف المعني يتفحصها ونظرات القلق تملأ عينيه
ـ هل أنتِ بخير؟ هل تأذيتِ، أجيبِ.
لا رد إنها فقط ترى خيال والدها الذي يغادر دونها
ـ أبي! أبي لا ترحل! أبيي انتظرني.
سآتيي.
عناق شديد أحاط بها، تسمع شهقات مألوفة لها، عناق دافئ، مطمئن
ـ رمق!
أرجوكِ أجيبيني عزيزتي!
هل أنتِ بخير؟
والدك هنا يا حبيبتي،
والدك يراكِ ويبتسم،
انظري إليّ، انظري إليّ.
تصرخ المتحدثة بين شهقاتها لجذب انتباهها، وقد تحقق الهدف عندما نقلت رمق بصرها للمقصودة، نظرة مصدومة تتحدث أكثر مما تنظر
ـ رمق! خالتكِ هنا يا عزيزتي،
انظري إليّ، أنا هنا معكِ.
ـ خ.خالتي؟ خ.خالتي أ.أنت هنا؟ أ.أنتِ لم تترك.يني، خ.خالتيي.
ألقت رمق نظرة سريعة علي ما حدث فهي لم تستوعب ما الأمر، لتكتشف أن الطريق بأكمله متوقف لأنها كانت تسير بين السيارات وكادت تصدمها سيارة لولا اندفاع الأخ الأكبر أيدن لإنقاذها
ـ س.سيدي؟ أ.أنا أسفة، أ.أنا أنا لا أدري حقا.
لم تكمل حديثها عندما اندفعت تعانقه بقوة وكأنها تعوض افتقادها لوالده به، وفي الواقع هو لم يقصر، حيث شد علي عناقها، وبات يربت علي رأسها يهدئ روعتها،
يحاول أن يهدئ من ذلك البكاء الذي يبدو وكأنه انفجار كان مكتوم داخل زجاجة حديدية لا يجد مجالا للهرب، ظلت تبكي وكأنها تفرغ حزنها كله داخل أحضانه، بكت...حتي نامت من شدة الإرهاق.
❀ • ❀ • ❀
ـ أمي! ماذا يحدث مع رمق أمي؟، ألم تري حالتها، أمي...إنها هيكل عظمي أمي.
تستغيث ميا بوالدتها لجهلها بما حل لرمق، تستغيث والتساؤلات تملأ عقلها، والدموع تغرق وجنتيها
نظرت إليها السيدة إيڤيلين نظرة عابرة بينما تعالج جراح أخيها، في حين أن أيدن لم يتحدث اطلاقا مذ وصولهم وهو يحمل رمق حتي وضعها واطمئن أنها نامت بارتياح في سريرها، حيث لا يزال
مشهد بكائها يمزق قلبه كثيرا، وتلك الصرخات التي كانت تخرجها بعد أشهرٍ من الصمت والكتمان، أشعرته وكأنه مذنب رغم أن لا ذنب له في شيء.
ـ لا أدري يا ميا، أعتقد أنه خطأنا بعد كل شيء، كان من المفترض بنا إخبارها.
تجيب السيدة إيڤيلين عن سؤال ميا، وعيناها مصوبتان إلى الأرض
يملأهما الذنب والحزن لما آل إليه الوضع.
مضى الوقت، واستيقظت رمق، بمجرد أن فتحت عينيها وجدت أمامها السيدة إيڤيلين وميا التي كانت الدموع في محجريها
ـ خ-خال-تي!
عانقتها السيدة إيڤيلين سريعا، وباتت تبكي من وجهها وحزنها علي رمق، وعلي مظهرها الذي أصبح سيء للغاية
ـ أسفة للغاية يا عزيزتي، أعتذر، غيابي عنكِ لم يكن بمحض إرادتي حقا، أسفة للغاية يا عزيزتي.
لم تجد رمق أي رد علي كلامها، تشعر أنها أصبحت خالية من المشاعر، باتت لا تشعر بشيء معين،
لم تستطع إنكار أن غيابهم ترك أثرًا عميقًا في نفسها، وأنها كانت تتمنى ظهورهم في أي لحظة ليخبروها أن وحدتها لم تكن حقيقة، وأنها ما زالت مرغوبًا في وجودها بينهم.
اكتست نظراتها بالبرود، نظراتٌ خالية، فارغة. لم تعد رمق تدري أكان ذهابهم دون إخبارها واختفاؤهم المفاجئ هو ما آلمها، أم أنها بدأت تشك في أن وجودهم... لم يكن سوى وهم.
للحظة، شعر أيدن وكأن غيابهم ترك في قلبها أثرًا لن يزول أبدًا.
عندما وجدوا أنه ليس هناك رد من رمق، خرجوا تباعا حتي باتت رمق بمفردها، تلك الوحدة الي استوطنت قلبها منذ فترة طويلة.
ـ أعتقد أنه يجب أن نظل هنا لفترة ما!
ـ ولكن والدتنا... ايفيلين!
ـ أدرك يا أيدن. أدرك هذا جيدا.
ـولكن ماذا أفعل مع رمق، أشعر وكأن ذهابنا دون علمها، لم يألمها فقط، بل كسر جزء من ثقتها فينا.
ـ ولكن ذهابنا كان علي غفلة منا يا ايفيلين، لا تحملي نفسك عبء ذنب لم نتوقع حدوثه.
ـ والدتنا تعبت فجأة واضطررنا للسفر إليه في منتصف الليل، ماذا كان بوسعنا أن نفعل في تلك الحالة؟
وضعت السيدة إيڤيلين يدها علي رأسها، تشعر بالذنب يخيم علي قلبها
ـ لا أعرف. لا-أعر-ف حقا، ولكن!
ـ ما بها؟ لا أدري يا أيدن، هذه ليست رمق، بل أشعر وكأنه أخر نفس لها.
ولّا بعدها الأيام بصمت، ظل الجميع في المنزل برفقة رمق، ولكن لاحظوا أنها لم تعد رمق!
ـ رمق. ما رأيك أن نخرج لشراء بعض الأشياء؟
سألت ميا وكلها أمل بالموافقة، ولكن خاب أملها عندما استدارت رمق علي جانبها وهي مستلقية، وبصوت منخفض أجابت
ـ لا.
ـ أرجوكِ. قليلا فقط.
فزعت ميا عندما استقامت رمق فجأة وغلف الغضب عينيها وبصوت عالي صرخت في وجهها
ـ قلت...لا أريد، اخرجِ، اخرجِ لا أريد رؤية أحد، ابتعدوا عني.
استدارت ميا سريعا وببطء كانت تسير ولكن تتسارع خطواتها تدريجيا حتي أصبحت تركض، والدموع في جفنيها، بكائها ليس خوفا من صراخ رمق، بل حزنا علي ما آل له وضعها
━━━ ✦ MAI EMAD ✦ ━━━
ـ رمق. الطعام جاهز، هيا لتأكلي يا عزيزتي.
طرقت السيدة إيڤيلين الباب ولم تستطيع الدخول، حيث باتت عادة حديثة عند رمق، وهي....إغلاق الباب من الداخل.
أتاها الرد من الداخل
ـ لا.
ـ هيا رمق. لم تأكلي في الفطار والغداء، هذا ليس مفيدا لكِ.
من بعدها لم تسمع ردا واحدا علي ندائها.
رمق. رمق كانت تنتظر كل ليلة، تخرج تنظر إن كانوا متواجدين في المنزل أم لا.
رمق...تنتظر لحظة تخليهم عنها مجددا فقط
حل الليل وكانت رمق نائمة بهدوء...بهدوء؟
ـ رمق! أقبلي.
ـ لم ينتهي الأمر بعد.
ـ أنا كابوسك الدائم، لن أختفِ من حياتكِ اطلاقا.
سأظهر في أحلامكِ وواقعك حتي...موتكِ.
تم كتابته في تاريخ الأحد 26/7/2026
تم نشره في تاريخ الاثنين 27/7/2026
اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين 💜
MAI EMAD