كان الهواء متوترًا في المطبخ، حيث كان يجلس لوسيوس وهو ملفوف بضمادات طبية، وبقايا الطعام في يده وعلى الأطباق. وفي هذه الأثناء،
كان عمه داريوس يقف أمام النافذة ويضع يديه على الحافة، عندما سمع
سؤال لوسيوس:
"عمي، ما الذي يحصل لي بحق الجحيم؟"
مرت لحظة صمت قبل أن يستدير العم داريوس وينظر نحو لوسيوس بعينيه السوداوين الغامقتين، ثم تنهد.
قال داريوس:
"ما الذي يحصل؟ ببساطة، تهدم ما بنيته طوال 17 عامًا."
تحرك لوسيوس بشكل غير مريح، ونظر بعينيه الذهبيتين إلى عمه. حاول أن يتكلم، لكن ببساطة كان عاجزًا. جالت في عقله الكثير من الأفكار، ولكنها رفضت الخروج من فمه.
في هذه الأثناء، قاطع تفكيره صوت عمه الحاد:
"فات الأوان على هذه الأمور، أنت مقبل على مواجهة مصيرية."
جلس على الكرسي، وقام بوضع يديه على الجزء العلوي من رأسه.
"لا أدري، أنا قلق عليك حقًا، لكن جانبًا مني يخبرني أنك ستنجح. ففي
النهاية، أنت لوسيوس ڤالين."
شحب وجه لوسيوس وفتح عينيه على وسعهما، وتلألأ اللون الذهبي
لعينيه بانعكاس إضاءة المطبخ الخافتة.
"عن ماذا تتكلم يا عمي؟ نحن عائلة ڤالك."
وضع يده الملفوفة بضمادات طبية على فمه وقال:
"هل... هل أنا ابن متبنّى؟"
نظر العم داريوس نحو لوسيوس، وكان شارد الذهن ولم يرد. لم يستطع لوسيوس تحمّل الصمت، فقال:
"عمي، لا بأس حقًا، أخبرني الحقيقة، فـ..."
قبل أن يكمل كلامه، تكلم داريوس:
"أنت لست ابنًا متبنّى يا لوسيوس."
زاد الظلام المحيط بعيني لوسيوس. خفض رأسه ونظر نحو يديه، وبقي ينظر إليهما بهدوء. مرت لحظات حتى لاحظ عمه تصرفه الغريب.
"لا أعلم بماذا تفكر، لكن كلا، كل ما يدور ببالك لا يمت للواقع بصلة."
نظر نحو النافذة، حيث منظر غروب الشمس، وأكمل كلامه:
"أعتقد أن علينا التركيز في تجهيزك للاختبار. إذا نجحت، سأخبرك بأحد
الأسرار التي لطالما أخفيتها عنك."
اقترب من لوسيوس ووضع يده على كتفه. تألم لوسيوس قليلًا بسبب أحد الجروح التي كانت هناك.
"أنا أقدّر دعمك، لكن من فضلك... جرّب مكانًا آخر."
رفع داريوس يده بسرعة، ونظر نحو لوسيوس بتأسف، ثم استعاد رباطة جأشه واستمر في الكلام:
"في الواقع، عليّ تحذيرك يا لوسيوس مما يختبئ لك عند انتهاء العد التنازلي."
"الأمر سيكون كالتالي: ستفقد الوعي، وستدخل في وعي روحك. ستقابل
نسخة منك، وعليك هزيمة تلك النسخة بطريقة أو بأخرى. عندها فقط
ستستطيع إخضاع الشظية وتصبح متساميًا صاعدًا."
لم يجب لوسيوس، سواء كان ذلك بسبب الصدمة أو التوتر. لم يكن هناك جواب، ولكن العم لم ينتظره ليجيب، وأكمل كلامه:
"لكن لا تظن أن الأمر سيكون سهلًا بأي شكل من الأشكال، لأنك ستواجه أسوأ مخاوفك، وعندها عليك التغلب عليها جميعها."
ضاقت عيون لوسيوس، كأنه يفكر في شيء ما. لاحظه العم داريوس،
لكنه قرر إعطاءه مساحة لاستيعاب كم المعلومات.
'مخاوفي... هل أملك شيئًا كهذا حتى؟ لطالما كرهت الخوف. ما الذي سيخيفني؟'
'سيكون الأمر على ما يرام، أنا متأكد... على الأرجح.'
"ولكن ماذا؟ هل حقًا سأصبح صاعدًا؟"
هز عمه رأسه بإيماءة دون أن ينطق بأي كلمة، ولكن للمرة الأولى استطاع لوسيوس أن يرى أن عمه داريوس متعب بشدة وحائر.
"لوسيوس، لا أملك الكثير لأقوله لك. فقط لا تخسر في اختبار اندماج الروح..."
'''''''''''''''''''''''''' ''''''''''''''''''''''''''' '''''''''''''''''''''''' '''''''''''''''''''''''''''''' '''''''''''''''''''''''''''' '''''''''''''''''''''''''''''
"هيا، أنت مستعد، أليس كذلك؟ لا تخسر مهما كلفك الثمن. عليك أن تعود أنت يا لوسيوس، لا تفقد ذاتك. تذكر ذلك."
هز لوسيوس رأسه وهو جالس على السرير في غرفة نومه. كانت الساعة الحادية عشرة ليلًا. خيّم الظلام في الخارج، بينما كانت الغرفة مضاءة بإضاءة خافتة. كان الباب مفتوحًا بشكل مهمل، تدخل منه الرياح لتدور في الغرفة. كان لوسيوس يتعرق رغم أن الأجواء كانت تميل إلى البرودة.
"بالتأكيد يا عمي. لا أحتاج لسماع ذلك، ليس وكأنني سأترك ذاك الشيء ينال مني بطيب خاطر."
بينما كان لوسيوس مغمض العينين، كان أمامه العداد التنازلي يتناقص بوتيرة ثابتة. كانت الأرقام المعروضة في ظلام جفون عينيه هي:
000.009
000.008
000.005
000.003
000.001
سقط لوسيوس فاقدًا للوعي، كأن روحه اختفت من جسده. ببساطة، كانت أجهزة الجسد تعمل بشكل طبيعي. استطاع العم داريوس سماع صوت نبضات قلب لوسيوس وتنفسه بسهولة، لكنه كان فاقدًا للوعي. قام العم داريوس بتعديل جسد لوسيوس إلى وضعية نوم على الظهر، وجلب الكرسي ليجلس بقرب السرير.
وفي هذه الأثناء، كان لوسيوس ما زال مغمض العينين بإحكام، لكنه شعر بتغير طفيف. كان التغيير ملموسًا. قبل لحظات فقط، كان يجلس على سرير مريح، أما الآن فشعر وكأنه يجلس على رمال...
وقبل أن يكمل لوسيوس تفكيره، وحتى قبل أن يفتح عينيه، سمع صوتًا
هز كيانه:
"ها قد التقينا أخيرًا."
فتح عينيه مسرعًا، وما كان أمامه هو نسخته. كان يقف على بعد أمتار قليلة منه، يداه متشابكتان خلف ظهره، وتعلو وجهه ابتسامة خبيثة. عيناه الذهبيتان تشعان بإشعاع ضوئي، بينما شعره كان أبيض ناصع البياض لا تشوبه شائبة، وكان يرتدي ملابس غريبة، والرياح تحرك أطراف ثيابه.
تجمد لوسيوس في مكانه، ببساطة عاجزًا عن إبداء أي ردة فعل. لا كلام، لا حركة، ولا حتى تنفس. كان المنظر الذي أمامه أقل ما يقال عنه: مرعب.
تحدثت النسخة مرة أخرى:
"ماذا؟ هل كان عليّ صبغ شعري بالأسود أيضًا؟"
زاد عرض ابتسامته.
"بعد أن عرفت كل شيء عن حياتك البائسة، ببساطة أنا أشفق عليك. هروب دائم، أسرار كثيرة، وحيد، يتيم، ضعيف... كل ما في الأمر، أنت نكرة."
بدأ التجسد يقترب من لوسيوس بخطوات ثابتة وبطيئة.
"ألا تعتقد أنه لو أنك لم تولد، لم يكن عمك ليعاني من الخوف الدائم والرغبة في إخفائك؟ أو لماذا يخفيك أصلًا؟ في الواقع، أنت تعرف الإجابة، لكنك دائمًا كنت ترغب في تجاهلها. أنت..."
قبل أن يكمل التجسد كلامه، ارتطم وجهه بقبضة خاطفة أسقطته على الأرض وأعادته إلى الخلف قليلًا. كان لوسيوس...
"لا أعرف ماذا تكون، لكن لم أمنحك الإذن للتدخل في حياتي أو اتخاذ شكلي."
فتح التجسد عينيه بصدمة، ولمس خده حيث تم لكمه. بدأت تظهر شقوق صغيرة في خده، واشتدت ابتسامته...
"هكذا إذن. أظن أنني لمست وترًا حساسًا، أليس كذلك يا ڤالين لوسيوس، الابن الأخير للعائلة الحاكمة المنقرضة؟"
ضحك التجسد بينما استقام ليقف مرة أخرى. وفي هذه الأثناء، كان وجه لوسيوس مخفيًا في الظلال. كان يحاول خفض رأسه ليخفي تعابيره، ولكن وبسرعة خاطفة، تم توجيه لكمة قوية نحو بطن لوسيوس. وقبل أن يسقط، أمسكه التجسد الشرير من شعره الأسود واقترب من وجهه.
"هل تحاول التهرب من مسؤولياتك، أيها الأمير النكرة؟"
صرّ لوسيوس على أسنانه لكتم تعبيره.
"يا لك من ضعيف. لا شك أن هذا هو السبب الذي يجعل داريوس يحاول حمايتك بشدة. هذا بسبب ضعفك."
قالها وهو ينظر في عيني لوسيوس.
رفع لوسيوس عينيه ليواجه التجسد وقال وهو يكافح للكلام:
"ضعف... أهذا ما تسميه ضعفًا؟ إذًا ماذا ستقول عن شظية تتغذى على أفكار الناس لمدة 40 يومًا لاستعمالها ضدهم لاحقًا؟"
قام لوسيوس بسحب رأسه إلى الخلف وسط صدمة من الشظية، وبعدها أعاد رأسه بسرعة باتجاه التجسد وقام بنطحه مباشرة في جبهته. تراجع التجسد إلى الخلف وكأنه بدأ يفقد توازنه. ظهرت شقوق على جبهة التجسد أيضًا.
الغريب أن لوسيوس لم يشعر أن قوة ضربته هي السبب في تشقق جلد التجسد، بل كان هناك سبب آخر.
قاوم التجسد للبقاء واقفًا. عندها حاول لوسيوس تسديد لكمة أخرى، لكن ببساطة مرت يد لوسيوس من خلال جسد النسخة وكأنه غير موجود. في هذه الأثناء، بدأ التجسد في التبخر في الهواء.
وسط صدمة لوسيوس، وقبل أن يفكر أو ينطق بأي شيء، سمع صوتًا وكأن المكان هو من كان يتكلم. قال الصوت:
"يا لوسيوس، أنت في عريني. الشكل المادي الذي كنت أتخذه قبل قليل كان مجرد وهم. أستطيع فعل ما أشاء في هذا المكان."
سقطت هذه الكلمات كالصاعقة على لوسيوس. شعر أنه تم خداعه ببساطة، ولم يعرف ما الذي يحصل.
'ما الذي... كيف أستطيع هزيمة شيء لعين كهذا من الأساس؟ إنه لا يملك جسدًا.'
... يتبع
No One